الآل والأصحاب في موكب الفتوحات الإسلامية

الدولة الإسلامية حتى آخر عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين

الفتوحات الإسلامية مفخرة من مفاخر التاريخ ودرة على جبين كل مسلم.

إن الفتوحات الإسلامية التي خاضها المسلمون الفاتحون ، والتي قامت على أكتاف الخلفاء الراشدين وبسواعد المجاهدين المسلمين من الآل والأصحاب ومَن جاء بعدهم لهي بحقٍ مفخرة من مفاخر التاريخ ودرة على جبين كل مسلم.

وقد حمل لواءها ثلة كريمة من المسلمين الفاتحين من آل البيت والصحابة ومن جاء بعدهم والذين جعلهم الله سبباً لإنارة الأكوان بنور الإيمان، فضحوا في سبيل إعلاء  هذا الدين العظيم  وبذلوا المهج وفلذات الكباد وغوالي الأنفس لإعزازه حتى هدى الله به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.

وكانت هذه الفتوحات من أقوى معالم العلاقة  الطيبة التي سادت بين آل البيت والأصحاب.

فعلاقة آل البيت بالصحابة علاقة فريدة تسودها المحبة وتكتنفها الرحمة في كل فصل من فصولها وهذه مسألة واضحة للعيان لا يجادل فيها إلا من في قلبه مرض ودخل، وتبرز معالم تلك العلاقة القوية في الأسماء والمصاهرات والثناء المتبادل بين الآل والأصحاب وهذه هي الأخرى مسألة لا تقبل النزاع وواضحة في كتب من ينتمي إلى الإسلام على اختلاف مذاهبهم وتنوع مشاربهم.  

ومما يزكي هذه العلاقة ويبين معالمها وملامحها الفتوحات الإسلامية التي خاضها آل البيت والصحابة جنباً إلى جنب لإعلاء كلمة الله والدفاع عن دينه وبذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيق هذا الهدف العظيم، حتى امتزجت دماؤهم المباركة على ثرى أرض المعارك الإسلامية كل يفدي صاحبه بدمه وبنفسه.

فكانت الفتوحات الإسلامية من أصدق الدلائل وأوضح المعالم على تلك العلاقة القوية التي كانت بين الآل والأصحاب، وإلا فلم كانت هذه النفرة القوية والجماعية التي كانت من الآل والأصحاب والتي قطعوا فيها الأميال الطوال مثقلين بالأحمال تاركين الأهل والعيال؟ أتراهم دخلوا المعارك وكل منهم يتمنى الموت لصاحبه؟ أهذه أخلاق جيش يُمكَّن له وينتصر في بلاد لم يألفها وسهول لم يعرفها؟ أهذا أمر يُعقل؟ أهذا أمر يُقبل؟

لقد خرج المسلمون إلى فتوحاتهم بقلوب يملؤها الحب وبأجواء تسيطر عليها المودة والرحمة، حاملين معهم عقيدتهم بدافع إرادة الخير للبشرية جميعاً، عن طريق هدايتهم إلى الإسلام  بعد إزالة كافة الحواجز والعوائق والأسوار التي تحول دون تحقيق هذا الهدف العظيم، فكانت النتيجة أن انهالت الشعوب على اعتناق هذا الدين

علي بن أبي طالب في حروب الردة يحرس أنقاب المدينة

وكانت لعلي بن ابي طالب فيها مشاركات إما بالرأي والمشورة للصديق وإما بحماية المدينة. لقد كان علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه رفيق أبي بكر، والمشير عليه في أمور الخلافة ونوازل الأمة، وكان شديد الحرص على نصح أبي بكر وإخلاص النصيحة له في كل أمر من أمور الخلافة.

فعندما عزم أبو بكر على أن يخرج بنفسه إلى ذي القصة لقتال المرتدين، واستوى على راحلته؛ أخذ علي رضي الله عنه بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يوم أحد ( لمّ سيفك، ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة فو الله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدًا، فرجع ) #(1).

فانظر معي أخي القارئ الكريم على هذه الكلمات الحميمات والعبارات النديات التي خرجت تترى من قلب وفم علي بن أبي طالب سالكة دربها إلى قلب وأذن أبي بكر الصديق، إنها من أصدق الدلائل على عمق المحبة التي صهرت قلوب الآل والأصحاب، فانعدمت في ظلها الأنا، واختفت في حناياها الأثرة، وبرز فيها الإيثار في أروع معانيه حتى أضحى الواحد منهم يخاطب صاحبه بقوله: " يا أنا ".

ولم تقتصر مشاركة علي في حروب الردة في خلافة الصديق عند حد المشاورة بل إن علي بن أبي طالب أخذ دوره كفارس مقدام وقائد بارز وكان يقوم مع إخوانه من الصحابة بحراسة أنقاب المدينة2 والذود عنها في بداية حروب الردة. (3)

الآل والأصحاب في ساحة أجنادَيٌن

  • وفي معركة أجنادَيٌن في خلافة الصديق سنة 13وهي إحدى معارك الشام التي خاضها المسلمون لدحر الروم، وكانت في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقبل وفاته بقليل. وبُشر بها أبو بكر رضي الله عنه وهو بآخر رمق، وتعد معركة أجنادين أولى المعارك الكبيرة التي انتصر فيها المسلمون. وكانوا فيها قرابة عشرين الفا وكانت الروم زهاء مئة ألف.

    وقد شارك فيها الآل والأصحاب معا في هذه المعركة الحاسمة ، وكان فيمن شارك عمرو بن العاص وأبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة، و عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، والفضل بن العباس رضي الله عنهم أجمعين. (4)

فعن أبي الحويرث قال: برز يوم أجنادين بطريق فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، فقتله عبد الله، ثم برز بطريق آخر فقتله عبد الله بعد محاربة طويلة، فعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يبارز، فقال: والله ما أجدني أصبر، فلما اختلطت السيوف وجد مقتولا ً. (5)

وفيها أيضا استشهد الفضل بن العباس كما ذهب إليه جماعة من المؤرخين.

ولك أن تتساءل: ما الذي دعا عمراً إلى أن يفعل هذا أو أن يعزم على عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بعدم العود إلى المبارزة؟.

لو كان الرجل يبغض عبد الله لما فعل هذا؟ ولتركه يبارز دون أن يحادثه أو يخاطبه، بل إنه ربما كان يدفعه للموت دفعاً، ولكن الذي حدث غير هذا إنه أشفق عليه وخشي أن يصيبه مكروه نتيجة انسياقه وراء نشوة انتصاراته السابقة، وعبد الله محق في نشوته، لأنه ما خرج إلا لدحر الكافرين وإعلاء راية الإسلام، وإذ به يحقق ما خرج إليه، ومن الطبيعي أن تأخذ منه الحمية لدينه مأخذاً عندها أدرك عمرو الخطر المحيط بعبد الله فعزم عليه ألا يبارز من جديد مخافة أن يناله سوء؛ لأنه له محب وعليه  حريص، وكيف لا يحبه ولا يحرص عليه وبينهما أخوة الإسلام، ثم هو ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعمرو يعرف له حقه وقرابته ومكانته؟ ولكن عبد الله مع تقديره لعمرو  أبى إلا أن يستمر في جهاده ويطيح بسيفه رقاب المشركين.أهذه أخلاق المتباغضين وخصال المتخاصمين بالله خبروني يا أولي الألباب؟

وللآل مع الأصحاب دور في فتوحات الخلافة العمرية

كان لآل البيت مشاركات مع الصحابة في الفتوحات العمرية ، حيث شارك علي بن أبي طالب بالرأي والمشورة والقيام على أمر المدينة استخلافا من عمر ، فكان مستشاره المؤتمن وناصحه المحب وثبت استخلاف عمر له على المدينة في مواضع متعددة .

كما شارك الآل والأصحاب معا في فتح بيت المقدس في خلافة الفاروق حيث  شارك فيه علي بن أبي طالب بالرأي والمشورة أولاً حين شاوره في المضي لبيت المقدس فأشار عليه علي بالمضي، ثم ببقائه في المدينة حين استخلفه عليها عمر يتولى أمرها ويدير شؤونها.

كما  شارك العباس بن عبد الله المطلب في فتح بيت المقدس حيث كان على مقدمة الجيش الذي ذهب مع عمر لعقد صلح بيت المقدس وفتحها. (6)

خلافة عثمان شاهدة بجهاد الآل مع الأصحاب

شارك الآل والأصحاب في فتح سبيطلة من أفريقية في سنة سبع وعشرين للهجرة، حيث ذكر المؤرخون بعض أعلام آل البيت والصحابة في جملة من شارك في هذا الفتح، ومنهم وكان منهم: ابن عباس وابن عمر وابن جعفر وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن والحسين وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر والمسور بن مخرمة وبسر بن أرطأة. (7)

وفيها أيضا: توالت فتوحات المسلمين في إفريقية بقيادة القائد المجاهد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ولم تقتصر مشاركة آل البيت على فتح سبيطلة بل إنهم قد شاركوا في غيرها، وقتل منهم على ثرى أفريقية معبد بن العباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن العباس بن عبد المطلب على اختلاف فيه. (8).

  • وفيها أيضا: المشاركة في فتح طبرستان وجرجان

     حيث شارك الآل والأصحاب في فتح كل من طبرستان وجرجان، في خلافة عثمان بن عفان  سنة 30  بقيادة سعيد بن العاص وكان ممن شارك:

    الحسن والحسين وعبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بنالعاص وحذيفة بن اليمان وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (9)

    قال الطبري: غزا سعيد سنة ثلاثين فأتى جرجان وطبرستان معه عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص فحدثني علج(10) كان يخدمهم قال: كنت آتيهم بالسُّفرة(11) فإذا أكلوا أمروني فنفضتها وعلقتها فإذا أمسوا أعطوني باقيه(12).

    إنهم خرجوا في جيش واحد وعبروا طريقاً واحداً ينتظرهم الموت في كل خطوة خطوها وأكلوا من مزود واحد وليس مرة واحدة، إن الرواية تشعر بالعود والتكرار، كما يظهر من لفظة: $آتيهم# أهذا شأن المتباغضين وديدن المتخاصمين؟

    إن هذه الشخصيات الكريمة خرجت لفتح طبرستان ونواحيها  من جُرجان وطميسة في خلافة عثمان بن عفان الخليفة الثالث، وفي خروجهم إقرار بخلافته وانصياع لأمره، إنهم خرجوا سالكين طرقاً وعرة ودروباً مهلكة لنصرة الإسلام، مضحِّين بأنفسهم وأرواحهم، أفتراهم خرجوا معاً وقلوبهم مشحونة بالبغض والكراهية لبعضهم البعض، أم أن الإخلاص هو المحرِّك لهم والمحبة صاحبتهم من أول خطوة خطوها كل يفدي صاحبه بنفسه ويقدِّم نحره دون نحره؟ إنهم خرجوا إلى بلاد نائية تاركين أوطانهم التي على ثراها ولدوا وبين جبالها وسهولها نشأوا وتربوا، ما خرجوا إلا لإعلاء كلمة الإسلام ورفع رايته، وكأني بهم والخطر يحدق بهم من كل صوب وحدب، والموت يلاعب أجفانهم في كل خطوة يخطونها وكل بلدة يعبرونها، وكأني بهم والصحابة يلتفون بالحسن والحسين وابن عباس يحمونهم من أعين الغدر حتى لا يخلص إليهم شر ولا يصيبهم مكروه، وكأني بهم ولسان حالهم يقول: يكفينا فخراً أنكم خرجتم معنا فلا خير فينا إن أصابكم مكروه وفينا عين تطرف أو قلب ينبض، أين هذا البغض وأين هذه الشحناء المفتراة التي يزعم الزاعمون أنها كانت بين الآل والأصحاب؟.

مشاركات زاكية في خلافة علي ومعاوية رضي الله عنهما

  • وفي خلافة علي: كان فتح السند

في العام التاسع والثلاثون من هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أرسل علي بن أبي طالب الحارث بن مرة العبدي أحد قواده لفتح بلاد السند، فظفر بهم وأخذ منهم غنائم كثيرة.(13)وفي هذا ردّ على من يزعم أن خلافة علي بن أبي طالب كانت خالية من الفتوحات الإسلامية نتيجة انشغال علي رضي الله عنه بالفتن والخلافات الداخلية .

  • وفي خلافة معاوية: المشاركة في غزو القسطنطينية

    ففي سنة تسع وأربعين سير معاوية جيشا بقيادة يزيد بن معاوية  لغزو بلاد الروم حتى بلغ قسطنطينية ومعه جماعات من سادات الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري، وذكر ابن عساكر مشاركة الحسين بن علي في هذا الجيش. (14)

  • وفيها أيضاً: المشاركة في فتح سمرقند

    حيث شارك الآل والأصحاب في فتح سمرقند، وكان ذلك في سنة 56هـ وفيها توجه سعيد بن عثمان والي خرسان من قبل معاوية إلى سمرقند والتقى فيها مع الترك ودارت معركة كبيرة شارك فيها آل البيت مع الصحابة، وكان قثم بن العباس بن عبد الله المطلب. (15)

الآل والأصحاب تعانقت قطرات دمائهم المسالة على ثرى أراضي المعارك الإسلامية

فهؤلاء الصحابة الكرام والآل العظام قد تعانقت قطرات دمائهم المسالة على ثرى أراضي المعارك الإسلامية كما تعانقت أجسادهم وقلوبهم، رجاء هدف واحد وغاية واحدة ألا وهي نشر الإسلام في ربوع الدنا عن طريق تأمين طريق دعوته حتى تصل للعالمين.

ومن أجل هذا الهدف العظيم تركوا الأهل والبلدان وفارقوا الأحباب والخلان وجابوا الفيافي والقفار والوديان والأنهار  في بلاد لأ أنيس لهم فيها ولا جليس ولا ناصر ولا معين إلا رب العالمين، ولك أن تتخيل معي أخي القاريء المنصف مدى الأهوال التي لقيها الآل والأصحاب في طريقهم الطويل من المدينة إلى سبيطلة بأفريقية أو منها إلى جرجان وطبرستان بآسيا، أو منها إلى القسطنطينية بأوروبا، أترى أنهم جابوا هذا الطريق الطويل واقتحموا الخطوب والدروب وصاحبوا الأهوال والكروب وهو يحملون بين جنوبهم قلوبا يملؤها الغل والحقد والبغضاء والشحناء تجاه بعضهم البعض أهذا أمر يتخيل فضلا عن أن يعقل أو يقبل؟ ثم أتراهم اقتحموا هذه الأهوال العظام وهذا الطريق الموحش الطويل ولم يحدث بينهم كلام ولا سلام، ألم يأكلوا في معي واحد، ويشربوا من إناء واحد ويصلوا صلاة واحدة قد تراصت فيها أبدانهم وتآخت فيها قلوبهم وعلت فيها أصواتهم بالدعاء إلى المولى جل وعلا بالنصرة والتمكين؟ أيمكن في هذا الطريق الطويل أن يجانب عبد الله بن الزبير الحسن والحسين وهو ابن الزبير بن العوام بن خويلد أخو خديجة بنت خويلد أم فاطمة وجدة الحسن والحسين، ثم هو مَن جدته لأبيه؟ إنها صفية بنت عب المطلب عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمه أسماء ذات النطاقين بنت الصديق أبي بكر؟ أتراهم دخلوا هذه المعارك  وكل منهم يتمنى الموت لصاحبه؟ أهذه أخلاق جيش يمكَّن له وينتصر في بلاد لم يألفها وسهول لم يعرفها؟ أهذا أمر يعقل؟ أهذا أمر يقبل؟ الإجابة متروكة لك أخي القارئ الكريم.                                                                                                            د/ أحمد سيد أحمد علي

الهوامش :

 

  1. البداية والنهاية: ابن كثير(6/347).

  2. النقب: الطريق بين الجبلين. ( النهاية لابن الأثير: 5/102).

  3.  انظر: تاريخ الطبري (2/476 480) وانظر: تاريخ دمشق لابن عساكر(25 /158 160) البداية والنهاية لابن كثير( 6/344 346).

  4. نقله ابن عساكر عن الواقدي. تاريخ دمشق(103).

  5. راجع: فتوح البلدان: البلاذري(1/135-136) والبداية والنهاية: ابن كثير(7 /38).

  6. الاستيعاب: ابن عبد البر(3 /904 – 905).

  7. انظر: البداية والنهاية: ابن كثير(7/64 - 66).

  8. انظر: تاريخ ابن خلدون: (2/128– 130)  راجع: كتاب الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي، (2 /360 – 362).

  9. انظر: أسد الغابة: ابن الأثير(3/304).

  10. تاريخ الطبري(3 /323 – 324).

  11. العلج: الرجل الشديد الغليظ. الصحاح(1/330). – مقاييس اللغة(4/122).

  12. تاريخ الطبري(3 /324).

  13. تاريخ خليفة بن خياط: ص(151).

  14. تاريخ دمشق: ابن عساكر(14 /111).

  15. انظر: طرائف المقال: علي البروجردي(2/103). فتوح البلدان: البلاذري(3/507 – 509).



استشهاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه

حديثنا اليوم حول استشهاد فارس من فرسان الإسلام، بحر من بحوره، شمس من شموسه، حديثنا اليوم عن أبي السبطين علي بن أبي طالب، وسنتناول الفصل الأخير من فصول حياته العامرة بالجهاد والبذل والتضحية في سبيل إعلاء راية هذا الدين، سنتناول في حديثنا اليوم الذي فجعت فيه الأمة بفقد فارسها، وسعد هو بنيله الدرجات العلى ولقاءه بمن يحب ولسان حاله يقول: اليوم نلقى الأحبة محمدا وصحبه

 ولن نطيل فسنترككم مع ما ورد من قصة استشهاده رضي الله تعالى عنه وأرضاه

( أ ) رواية الاستشهاد :

لقد اتفق ثلاثة من الخوارج على قتل كل من علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعاً، ولكن إرادة الله سبحانه وتعالى أن يتمكن عبد الرحمن بن ملجم الخارجي من قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولم يتمكن الاثنان الآخران من قتل كل من معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص رضي الله عنهما .

وإليك أيها القارئ الكريم قصة مقتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه كما يرويها ابنه محمد بن الحنفية، حيث يقول:

كنت والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريباً من السدة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فما أدري أخرج من السدة، فتكلم بهذه الكلمات أم لا، فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفاً، ثم رأيت ثانياً، ثم سمعت علياً يقول: لا يفوتنكم الرجل.

وشدَّ الناس عليه من كل جانب، قال: فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على علي، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت علياً يقول: النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي.

وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه، إذ نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي عدو الله، لا بأس على أبي، والله مخزيك، قال: فعلى مَنْ تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد(1).

 

(ب) وصية أمير المؤمنين علي لأولاده الحسن والحسين رضي الله عنهما :

دعا أمير المؤمنين علي حسناً وحسيناً رضي الله عنهم جميعاً، فقال:

«أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء زوى عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم ناصراً، واعملا بما في الكتاب، ولا تأخذكما في الله لومة لائم».

ثم نظر إلى محمد ابن الحنفية، فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، لعظيم حقهما عليك، فاتبع أمرهما، ولا تقطع أمراً دونهما.

ثم قال: أوصيكما به، فإنه شقيقكما وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه، وقال للحسن: «أوصيك أي بني بتقوى الله،وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطهور، ولا تقبل صلاة من مانع زكاة، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش».

فلما حضرته الوفاة أوصى، فكانت وصيته :

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله ولو كره المشركون، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.

ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يـهـون الله عليكـم الحساب.

الله الله في الأيتـام، فـلا تُعنوا أفواههم، ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ، مازال يوصي به حتى ظننا أنه سيورثه، والله الله في القرآن، فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم يناظر، والله الله في الجهاد  في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة، فإنها تطفيء غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم، فلا يظلمن بين أظهركم، والله الله في أصحاب نبيكم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بهم والله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معايشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة.

لا تخافن في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسناً كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى الأمر أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله» ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض رضي الله عنه في شهر رمضان سنة أربعين(2).

وجاء في رواية أنه قتل في صبيحة إحدى وعشرين من رمضان(3)، وتحمل هذه الرواية على اليوم الذي فارق فيه الدنيا، لأنه بقي ثلاثة أيام بعد ضربة الشقي(4).

 

( ج ) استقبال معاوية خبر مقتل علي رضي الله عنهما:

ولما جاء خبر قتل علي إلى معاوية رضي الله عنه جعل يبكي ويسترجع، فقالت له امرأته: تبكي عليه وقد كنت تقاتله؟ فقال لها: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم(5)، وكان معاوية رضي الله عنه يكتب فيما ينزل به يسأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال له: دعني عنك(6).

وقد طلب معاوية رضي الله عنه في خلافته من ضرار الصدائي أن يصف له علياً، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، قال: أما إذ لابد من وصفه فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن.

وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبؤنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظِّم أهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.

وأشهد أني قد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري، ألي تعرضت أم إلي تشوفت! هيهات هيهات، قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فبكى معاوية رضي الله عنه وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها(7).

 

الهوامش:

 (1)تاريخ الطبري (3/157).

(2)تاريخ الطبري (3/157-158).

(3)التاريخ الكبير للبخاري (1/ 99) بسند صحيح.

(4)خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، (439).

(5)تاريخ دمشق (59/142)، البداية والنهاية (8/130).

(6)الاستيعاب (3/1108).

(7)تاريخ دمشق (24/401)، الاستيعاب (3/ 1108).

 



قراءة راشدة لكتاب نهج البلاغة

 

عبدالرحمن بن عبدالله الجميعان

مراجعة وتنقيح مركز البحوث والدراسات بالمبرة

الكتاب من الحجم المتوسط - 87 صفحة

يندرج هذا الكتاب تحت سياق التوعية بسيرة الصحابة وآل البيت الكرام وتبيان حقيقة سيَرهم بعيداً عن المزايدات والأقاويل وذلك لإطلاع القارئ الكريم على الحقيقة المجردة المأخوذة من المصادر القديمة وصاحبنا في هذا الكتاب هو الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه،  وهو من أوائل المؤمنين إيماناً بل هو أول من آمن من الصبيان وإذا تتبعنا ما ورد في هذا الكتاب من أقوال وحِكَم فإننا سنجد فيه من الكلام ما يستحق أن يكتب بماء الذهب وأن يكون مرجعاً يرجع إليه، ذلك لما حظي عبارات تجمع ولا تفرق وتلم الشعث وتدرأ الخلاف ومن الحكمة والإنصاف، كيف لا .. ، وعلي رضي الله عنه هو رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة وصهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوج فاطمة الزهراء رضي الله عنها.

لقد تناول الباحث هذا الكتاب دراسةً وتمحيصاً وحاول أن يأتي بأبرز ما فيه من أمور مهمة وحقاً وفق لقدرٍ كبيرٍ من تجلية الحقائق وجمع الشمل للأمة الإسلامية من خلال نصوص هذا الكتاب.

وجاء بمقدمة وثمانية مباحث ومقطع مستقل سماه متفرقات وشوارد، ثم خاتمة فتضمن البحث الكـلام عن الإمامة عنده وعن العصمة وعن الصحابة وعن أهل الشام خاصة وعن أصحابه هو ( عليُّ رضي الله عنه) وعن الكتاب والسنة وعن الدعاء وعن العبادات.

ثم بعد ذلك جاء بمتفرقات وشوارد من  كلام علي رضي الله عنه من الأقوال والحكم الخالدة؛ فكان بحثه بحق قراءة راشدة وموفقة.