من المولد الشريف إلى نزول الوحي

ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

 

       من كتاب ( اللؤلؤ المكنون )

     لموسى بن راشد العازمي 

 

في نهار يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل ولد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم في شعب بني هاشم بمكة المكرمة.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا هو المشهور عند الجمهور والله اعلم1.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: (( فيه ولدت وفيه أنزل علي))2.

وروى الإمام أحمد في مسنده والطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند حسن عن قيس بن مخرمة رضي الله عنه قال : ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الفيل3.

وكونه صلى الله عليه وآله وسلم ولد في شهر ربيع فيه حكم منها:

  1. ما في شرعه صلى الله عليه وآله وسلم من شبه زمن الربيع، فإنه أعدل الفصول، وشرعه أعدل الشرائع.

  2. ولأن في ظهوره فيه إشارة لمن تفطن لها إلى اشتقاق لفظة  ربيع؛ لأن فيه تفاؤلاً حسناً ببشارة أمته، فالربيع تنشق الأرض عما في بطنها من نعم الله تعالى، ومولده صلى الله عليه وآله وسلم في ربيع إشارة ظاهرة إلى التنويه بعظيم قدره، وأنه رحمة للعالمين4.

علامات ظهرت عند ولادته صلى الله عليه وآله وسلم .

ظهرت بعض العلامات عند ولادته صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك:

  • ظهور نور من أمه صلى الله عليه وآله وسلم أضاءت منه قصور الشام:

    روى الإمام أحمد في مسنده وابن حبان والحاكم بسند حسن عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (( إني عند الله مكتوب بخاتم النبيين، وإن آدم عليه السلام لمنجدل5 في طينته، وسأخبركم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم 6، وبشارة أخي عيسى7 ، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام)) 8.

    ورى الحاكم في المستدرك بسند صحيح عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك؟

    فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه يخرج منها نور أضاءت له بصرى، وبصرى من أرض الشام))9.

    قال الحافظ ابن كثير: وتخصيص الشام بظهور نوره صلى الله عليه وآله وسلم إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلاً للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها10 ، ولهذا جاء في الصحيحين قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ، وهم كذلك )).

    وفي رواية البخاري، قال معاذ: وهم بالشام11 .

    قال الإمام البخاري في صحيحه عن هذه الطائفة: هم أهل العلم12.

    وقال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم13.

    وقال النووي في شرح مسلم: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم : شجعان مقاتلين، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض14.

    قلت: والذي انتهى إليه الإمام النووي رحمه الله هو الصواب الذي لا محيد عنه.

  • ظهور النجم :

    روى ابن إسحاق في السيرة بسند حسن عن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال : والله إني لغلام يفعة15 ابن سبع أو ثمان، أعقل لكل ما سمعت، إذا سمعت يهودياً يصرخ بأعلى صوته على أطم16  بيثرب: يا معشر اليهود، حتى إذا اجتمعوا إليه، قالوا له: ويلك مالك؟، قال: طلع الليلة نجم أحمد والذي ولد به17 .

  • وقع رافعا رأسه في السماء:

    روى ابن حبان في صحيحه وابن إسحاق في السيرة بسند منقطع عن آمنة بنت وهب أم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قالت: .. ثم وضعته، فما وقع كما يقع الصبيان، وقع واضعاً يده بالأرض، رافعاً رأسه إلى السماء18.

علامات مشهورة ولكنها غير صحيحة:

وهذه العلامات لم ثبت بطريق صحيح، لكنها مشهورة، فمنها:

  1. أنه لما ولد صلى الله عليه وآله وسلم ارتج إيوان كسرى.

  2. سقط أربع عشر شرفة من إيوان كسرى .

  3. خدمت النار التي كان يعبدها المجوس.

  4. غاصت بحيرة ((ساوة)).

  5. انهدمت المعابد التي كانت حولها- أي حول بحيرة ((ساوة))19- .

    قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله بعد أن أورد هذه الآثار الضعيفة:

    وهذا الكلام تعبير غلط عن فكرة صحيحة، فإن ميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان حقا إيذانا بزوال الظلم واندثار20 عهده ، واندكاك معالمه.. فلما أحب الناس – بعد انطلاقهم من قيود العسف21  - تصوير هذه الحقيقة، تخيلوا هذه الإرهاصات22، وأحدثوا لها الروايات الواهية، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غني عن هذا كله فإن نصيبه الضخم من الواقع المشرف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها23.

    قال أحمد شوقي رحمه الله :

    تجلى مولد الهادي وعمت                بشائره البوادي والقصابا

    وأسدت للبرية بنت وهب                 يدا بيضاء طوقت الرقابا

    لقد وضعته وهاجا منيراً                  كما تلد السماوات الشهابا

    فقام على سماء البيت نوراً               يضيئ جبال مكة والنقابا

     

    الهوامش :

[1] . انظر البداية والنهاية(1/663) .

2 . أخرجه الإمام مسلم في صحيح- كتاب الصوم- باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس – رقم (1162) ( 198) .

3. أخرجه الإمام أحمد في مسنده – رقم الحديث(17891)- والطحاوي في شرح مشكل الآثار-رقم الحديث(5968)- وأورده ابن الأثير في جامع الأصول-رقم الحديث(8772).

4 . انظر شرح المواهب(1/249).

5 . أي ملقى على الجدالة، وهي الأرض . انظر النهاية ( 1/240) .

6 . قال تعالى في سورة البقرة آية (129) على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يبنيان الكعبة: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم}.

7. قال تعالى في سورة الصف آية (6) على لسان عيسى عليه السلام، وهو يبشر بني إسرائيل ببعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : {إذا قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} .

8.أخرجه الإمام أحمد في المسند-رقم الحديث(17163)-وابن حبان في صحيحه-رقم (6404)- والحاكم في المستدرك –رقم الحديث(3619-4230).

9 .أخرجه الحكام في المستدرك-رقم الحديث(4230)- وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية(2/730)، وقال : إسناده جيد.

10 .أخرج نزول عيسى عليه السلام بدمشق عند المنارة البيضاء: الإمام مسلم في صحيحه- كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب ذكر الدجال- رقم الحديث(2937) .

11.أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الاعتصام- باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)) – رقم الحديث(7311)- وأخرجه في كتاب التوحيد- باب = قول الله تعال: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه}- رقم الحديث ( 7459)( 7460)- وأخرجه مسلم في صحيحه- كتاب الإمارة – باب قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)).- رقم الحديث(1920) ( 1921). انظر كلام الحافظ بن كثير في تفسيره ( 1/444).

12.انظر صحيح البخاري-كتاب الاعتصام- باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)).

13 . أخرجه الحاكم في علوم الحديث، فيما قال الحافظ في الفتح(15/227): وإسناده صحيح.

14. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (13/57)

15  أيفع الغلام : إذا شارف الاحتلام ولما يحتلم. انظر النهاية(5/258).

16. الأطم : بضم الهمزة: بناء مرتفع كالحصون. انظر النهاية(1/57).

17. انظر سيرة ابن هشام (1/196) .

18 . أخرجه ابن حبان في صحيحه- رقم الحديث (6335)- وابن إسحاق في السيرة( 1/202).

19 .اخرج ذلك الإمام الذهبي في السيرة النبوية(1/44) وقال: هذا حديث منكر غريب، والبيهقي في دلائل النبوة(1/126-127). قال الدكتور عبد المعطي قلعجي محقق دلائل النبوة للبيهقي : (( وهذا حديث ليس بصحيح)).

20 .اندثر : أي بلي . انظر لسان العرب ( 4/289).

21 . العسف: الظلم. انظر لسان العرب (9/206).

22 . إرهاصات: أي مقدمات. انظر لسان العرب (5/343).

23. انظر فقه السيرة ص (58-59) للشيخ محمد الغزالي رحمه الله .

 



  الدعوة في حياة أمهات المؤمنين

أمهات المؤمنين زوجات سيد المرسلين صلى الله عليه و آله و سلم

لقد كانت الدعوة إلى الله تعالى هي الهدف الأسمى لأمهات المؤمنين فما من حديث قيل عند إحداهن أو سمعته بعضهن إلا وقامت بتبليغه كما سمعته متذكرة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم  : ((نضَّر الله امرءاً سمع منَّا شيئاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع)) (1) ولقد امتزن (رضي الله عنهن) بسعة العلم والفقه في الدين فتعلم الفقهاء منهن أحكاماً كانت نافعةً للناس كافة، وحكت لنا كتب السير عن أمهات المؤمنين مواقفاً تدل على بذلهن للنصيحة وأمرهن بالمعروف ونهيهن عن المنكر، ولا نذهب بعيداً إذا قلنا إن نجاح الدعوة إلى الله تعالى في أول عهدها كان بسبب خديجة رضي الله عنها فهي أول من آمنت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ونصرته بمالها ونفسها فكانت نِعم الزوجة التي تربط على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  مع  بزوغ فجر الوحي يقول عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  متذكراً لجميلها: ((قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس وواستني مالها إذ حرمني الناس))(2) لقد كانت (رضي الله عنها) لها القدم الراسخة في نشر دين الله فرضي الله عنها وأرضاها.

وتلكم السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  العديد من الأحاديث لتبثها في الناس فيتعلم منها الفقهاء والعلماء، وأكثر الناس الأخذ عنها فنقلوا عنها من الأحكام والآداب شيئاً كثيراً حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها (رضي الله عنها). ولقد أثنى العلماء من الصحابة والتابعين على عائشة (رضي الله عنها) وعلمها فقال مسروق رأيتُ مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  الأكابر يسألون عائشة (رضي الله عنها) عن الفرائض ، وكان إذا حدث عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سموات فلم أكذبها(3).

ويقول عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة.

ويقول هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيتُ أحداً أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة(4).

وقال عبدالله بن عبيد بن عمير قال: أما إنه لا يحزنُ عليها إلا من كانت أمه (5).

ومن دعوتها (رضي الله عنها) لغيرها دخلت عليها حفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها فشقته عائشة عليها وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟! ثم دعت بخمار فكستها.

وكانت تعظ النساء فتقول: يا معشر النساء اتقين الله ربكن وبالغن في الوضوء، وأقمن صلاتكن وآتين زكاتكن طيبة بها أنفسكن، وأطعن أزواجكن في ما أحببتن أو كرهتن.

وكانت تقول: خليفة الله تعالى على المرأة زوجها فإذا رضي عنها زوجها رضي الله عنها وإذا سخط عليها زوجها سخط الله عليها وملائكته لأنها تحمل زوجها على ما يحْلُ لها. ومن قولها من حق الزوج على المرأة أن تلزم فراشه وتتجنب سُخْطَه، وتتبع مرضاته، وتوفر كسبه، ولا تعص له أمراً وتحفظه في نفسها (6).

وأما زينب بنت جحش (رضي الله عنها) فلقد تبوأت منزلة العالمات العاملات الواعظات الناصحات لكل مؤمن ومؤمنة في العمل بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  في حياته وبعد مماته، حفظت سمعها وبصرها عما يغضب الله تعالى، فلما سألها النبي صلى الله عليه وآله وسلم  عن السيدة عائشة (رضي الله عنها) في حديث الإفك - قالت: ((أحمي سمعي وبصري، ما علمت عليها إلا خيراً)).

أما أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، فنقلت للأمة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  المتعلقة بالأحكام الفقهية مثلما حدث في يوم عرفة حيث شك الناس هل النبي صلى الله عليه وآله وسلم  صائم أم مفطر في ذلك الموقف، فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون (7).

. لقد كانت (رضي الله عنها) من الواعظات الناصحات للأمة فرضي الله عنها وعن باقي أمهات المؤمنين.

 

الهوامش :

  1. الترمذي برقم (2657).

  2. مسند أحمد ( 24908 ).

  3. سير أعلام النبلاء 2/181

  4. نساء حول الرسول، عاطف صابر شاهين، ص 66، ط دار الغد، المنصورة.

  5. سير أعلام النبلاء 2/185

  6. المصدر السابق، الصفحة نفسها.

  7. انظر الحديث في صحيح مسلم، كتاب الصوم باب صوم يوم عرفة برقم (1989).

     



سعد بن أبي وقاص بطولة من نوع فريد

إطلالة مجدٍ على نسب سعدٍ رضي الله عنه

 

هو: سعد بن أبي وقاص، واسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو إسحاق القرشي الزهري، أحد العشرة، وأحد السَّابقين الأوَّلين، وأحد مَن شهد بدراً، والحديبِية، وأحد الستة أهل الشّورى الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض(1).

وأمّهُ حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي(2).

 وورد في الإصابة أنها حمنة بنت سفيان بن أمية، بنت عمِّ أبي سفيان بن حرب بن أمية(3).

وبهذا يلتقي سعد رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة أبيه وأمه، فكلاب هو الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة أبيه والجد الرابع لسعد من جهة أبيه أيضاً، أما من جهة أمه فإنه يلتقي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصي الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة أبيه، والجد الرابع لسعد رضي الله عنه من جهة أمه.

وكذلك يلتقي سعد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.من جهة أمه آمنة. فأم النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وسعد جده وهيب، ووهيب شقيق وهب، وبهذا يكون مالك أبو سعد ابن عم السيدة آمنة أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

  • سعد وجمال البطولة

بين سعد رضي الله عنه والبطولة علاقة من نوع خاص وحنين من نوع فريد، فالرجل كان بطلاً بحق ومجاهداً بصدق، وكان إذا قاتل قاتل قتال من لا يخشى الموت، وفيما يلي نتحدث عن معالم البطولة في حياة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

أحب سعد رضي الله عنه القتال وألفه منذ صغره، فكان يريش النبل ويصنعه في الجاهلية، فلما جاء الإسلام صار من أبرع الرماة، وأقوى الفرسان، وأبرز القادة الشجعان.

فكان سعد رضي الله عنه من مشاهير الشجعان، ومن أشداء أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان إذا رمى في الحرب عدوّا أصابه.. وإذا دعا الله دعاءًأجابه..!!

قال ابن إسحاق: كان أشدّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعة: عمر وعلي والزبير  وسعد، يعني ابن أبي وقاص(4).

وشهد سعد رضي الله عنه المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فما توانى ولو لحظة عن نصرة دينه وأمته .وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله تعالى، وكان يقال له: فارس الإسلام(5).

  • سعد أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله :

يقول ابن كثير: وهاجر- سعد - وشهد بدراً وما بعدها، وهو أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله، وكان فارساً شجاعاً من أمراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان في أيام الصِّدِّيق معظماً جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر(6).

وذكـر ابـن عساكـر: وشـهـد سـعــد بـدراً وأحـداً وثبت يـوم أحــد مــع  رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ولى الناس وشهد الخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة وكانت معه يومئذ إحدى رايات المهاجرين الثلاث، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (7).

وروى البخاري بسنده عن قيس قال: سمعت سعدا رضي الله عنه يقول: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام؟ لقد خبت إذاً وضلَّ عملي، وكانوا وشوا بي إلى عمر، قالوا: لا يحسن يصلي(8).

وقال جابر بن سمرة . قال: أوَّل الناس رمى بسهم في سبيل الله سعد رضي الله عنه (9).

وفي غزوة بدر ظهرت قوة سعد وشجاعته، حتى أنه وكما يروي ابن مسعود جاء وحده يوم بدر بأسيرين(10).

وقال عبد الله بن مسعود: لقد رأيت سعداً يقاتل يوم بدر قتال الفارس في الرجال(11).

  • النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجمع لسعد بين أبيه وأمه:

إن من أعظم مناقب سعد رضي الله عنه وأجلِّها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع له بين أبويه، وفداه بأبيه وأمه، وهي منقبة جليلة لا يمنحها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا لرجل صفا قلبه، وصدقت نيته، وكمل إيمانه.

روى البخاري بسنده عن عبد الله بن شدَّادٍ قال: سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول: ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُفدِّي رجلاً بعد سعدٍ، سمعته يقول: ارمِ فداك أبي وأمي(12).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عامر بن سعدٍ عن أبيهِ أنَّ النبى صلى الله عليه وآله وسلم جمع له أبويه يوم أُحدٍ. قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال له النبى ص:«ارم فداك أبي وأمى». قال: فنزعت له بسهمٍ ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانْكشفت عورته فضحك رسول الله ص حتى نظرت إلى نواجذه(13).

وروى عبد الرزاق في مصنفه: أن عائشة بنت سعد، كانت تقول: أنا ابنة المهاجر الذي فداه رسول الله يوم أحد بالأبوين(14).

وفي أحد برزت بسالته وصلابته حين وقف يدافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالجبل الأشـم والطود الشامـخ فما هان ولا لان، وما تخاذل ولا تكاسل، بل إن  النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يناوله السهام..

ولقد أقر له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشدته وقوته على المشركين فقال له فيما رواه الترمذي بسنده عن سعيد بن المسيب يقول: قال علي: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أباه وأمه لأحد إلا لسعد بن أبي وقاص قال له يوم أحد: أرم فداك أبي وأمي، وقال له: ارم أيها الغلام الحزور(15).

والغلام الحزور هو: الشديد القوي الصلب(16) ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لن يصفه بهذا  الوصف إلا إذا كان أهلاً له.

ولم يتوقف عطاء سعد رضي الله عنه عند هذا الحدّ، فالرجل كان عنده الكثير والكثير، فقد شهد غزوة الخندق التي تجمَّع فيها المشركون بقضِّهم وقضيضهم وحدِّهم وحديدهم يريدون اجتثاث الإسلام وتقويض أركانه وإزالة معالم دولته الناشئة، عندها خارت بعض العزائم وارتجفت بعض القلوب إلا أن سعداً رضي الله عنه ومعه مجموعة كبيرة من الصحابة والآل رضي الله عنه وقفوا صامدين يقدمون حياتهم فداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدين.

وفي الحديبية بايع سعد تحت شجرة الرضوان واستحق عندها رضى الرحمن بنص القرآن: }لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا { (17) وفي خيبر كان ممن اقتحم حصنها جنباً إلى جنب مع البطل الغالب علي بن أبي طالب، وفي فتح مكة حمل إحدى رايات المهاجرين إلى أن أيد الله بنصره المبين عباده المخلصين.

  • سعد عطاء متواصل وجهاد مستمر

لم يتوقف عطاء سعد رضي الله عنه عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل إنه استمر مغزاراً مكثاراً، فجاهد في خلافة الصِّدِّيق والفاروق رضي الله عنهما .

ولشجاعته رضي الله عنه وخبرته بالحروب كان قائداً لكثير من فتوحات المسلمين، وأبلى فيها بلاءً حسناً، ومن هذه الفتوحات والمعارك التي شارك فيها فتوح العراق.

ومن أشهر معارك هذا الفتح معركة القادسية، تلك المعركة الشهيرة التي هزم فيها المسلمون الفرس في خلافة الفاروق بقيادة سعد رضي الله عنه.

فقد استعان الفاروق عمر بسعد رضي الله عنهما وقال لمن حوله مخبراً إياهم أنه وجد الرجل الذي يصلح لقيادة المسلمين في هذه المعركة:

روى الطبري بسنده عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة بإسنادهما قالا: كان سعد بن أبي وقاص على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر فيمن كتب إليه بانتخاب ذوي الرأي والنجدة ممن كان له سلاح أو فرس، فجاءه كتاب سعد إني قد انتخبت لك ألف فارس (مؤد)؟ كلهم له نجدة ورأي وصاحب حيطة يحوط حريم قومه ويمنع ذمارهم إليهم انتهت أحسابهم ورأيهم فشأنك بهم، ووافق كتابه مشورتهم، فقالوا: قد وجدته قال: فمَن؟ قالوا: الأسد عادياً، قال: مَن؟ قالوا: سعد، فانتهى إلى قولهم، فأرسل إليه، فقدِم عليه فأمَّره على حرب العراق وأوصاه(18).

وأدار سعد معركة القادسية وأجاد في قيادتها رغم أنه كان مريضا فقد أصيب بعرق النسا وكان لا يستطيع ركوب الخيل، إلا أن الله وفقه وكان النصر حليف المسلمين(19).

وفتح سعد المدائن وكانت هذه الموقعة «المدائن», بعد موقعة القادسية بقرابة عامين, جرت خلالهما مناوشات مستمرة بين الفرس والمسلمين, وقد استطاع سعد هزيمة الفرس هزيمة ساحقة حين قاد الجيش وقسمه إلى كتيبتين، الأولى: واسمها كتيبة الأهوال، وأمَّر سعد عليها عاصم بن عمرو التميمي، والثانية: اسمها الكتيبة الخرساء، وأمَّر عليها القعقاع بن عمرو التميمي، وعبر بهما نهر دجلة الذي كان مترعاً بالماء، وعامت بهم الخيول إلى أن وصلوا إلى الناحية الأخرى من الشاطئ والتحموا مع الفرس في معركة عجيبةٍ وقويةٍ كان النصر فيها حليف المسلمين(20).

فرضي الله عنك يا خال رسول الله وألحقنا بك في جنته ودار كرامته إنه ولي ذلك ومولاه والقادر عليه.

                                                                                      د/ أحمد سيد أحمد علي

 

الهوامش :

  1. الطبقات الكبرى: 6/12 - البداية والنهاية: 8/78 - تاريخ الإسلام:    4 / 212- تاريخ مدينة دمشق: 20/280.

  2. الطبقات الكبرى: 6/ 12 - تاريخ دمشق: 20/294. - تاريخ الإسلام: 4/214.

  3. انظر: الإصابة: 3/62.

  4. تاريخ دمشق: 20/322.

  5. انظر: تهذيب التهذيب، ابن حجر، ج 3 / 419. - تهذيب الكمال: 10 /310.

  6. البداية والنهاية: 8/78، 79.

  7. تاريخ دمشق: 20/290.

  8. رواه البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب سعد بن أبي وقاص، ح(3522). ورواه مسلم: كتاب الزهد والرقاق، ح(7623).

  9. البداية والنهاية: 8/79.

  10. سنن أبي داود: باب في الشركة على غير رأس مال، ح(3390)  والنسائي في سننه: كتاب البيوت، باب شركة الأبدان، ح(3937) وضعَّفه الألباني.

  11. سير أعلام النبلاء:1/100.      

  12. رواه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب المجن ومن يتترس بترس صاحبه، ح(2749).

  13. رواه مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص، ح(6390).

  14. رواه عبد الرزاق في مصنفه: 11/236، ح(20419) وانظر: سير أعلام النبلاء: 1/100.

  15. رواه الترمذي: كتاب الأدب، باب ما جاء في فداك أبي وأمي، ح(2829)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والحديث رواه البخاري: ح(3519) ومسلم: ح(2412) بدون زيادة: الغلام الحزور.

  16. معجم مقاييس اللغة: 2/55.

  17. سورة الفتح الآية «18».

  18. تاريخ الطبري: 3/4.

  19. راجع: الكامل في التاريخ:  2/451 وما بعدها.

  20. تاريخ الطبري: 3/121،122.



من إصدارات المبرة

كتاب: فاطمة بنت الحسين

درة فواطم أهل البيت

seyra-001.jpg

 

أبو معاذ السيد بن أحمد بن إبراهيم

الكتاب من القطع الكبير - 150 صفحة

هذا الكتاب هو الخامس في سلسلة «سير الآل والأصحاب» التي تعكف المبرة على مواصلة إصداراتها من خلالها في إطار إظهار سيرة هؤلاء العظماء وتنقيتها من الشوائب ونشرها بين المجتمعات الإسلامية لتنتفع بها الأجيال اللاحقة والحاضرة ولتكون ذخراً وعوناً لكل من أراد التعُّرف على هذا الجيل الفريد المتميز، من هنا فإنك عزيزي القارئ ستقرأ في هذه الصفحة بعض ملامح واحدة من أبرز شخصيات آل البيت الكرام إنها درة فواطم أهل البيت « فاطمة بنت الحسين» رضي الله عنهما التي رجَّح المؤلف أن تكون قد ولدت بين سنة 51 – 53 هـ وتوفيت سنة 120هـ بعد عرضه واستقرائه لمجموعة من المراجع.

وقد تعرض الباحث لسيرتها من خلال مقدمة ذكر فيها أسباب تناوله لحياتها هي بالذات والتي من أبرزها وجوب محبة أهل البيت التي تستلزم التعريف بهم ونشر تراثهم، والتي منها كذلك إهمال الباحثين للتعرض لحياتها بشكل مفصَّل.

ثم بعد المقدمة جاء بثلاثة فصول وخمسة ملاحق ذاكراً جميع ما يتعلق بسيرتها العطرة بجميع جوانبها، فقد تعرض لاسمها ونشأتها ونسبها ومولدها ووفاتها وبعض النماذج التي تدل على أخلاقها وبعض أقوالها ودرر من أقوال العلماء فيها وبعض مروياتها ذاكراً نصوص الأحاديث المروية عنها وزواجها كما تعرض لبعض الشبهات المتعلقة بها والردود عليها، ثم تعرض كذلك للفواطم من الصحابيات والفواطم من التابعيات ثم الفواطم من الجاهليات.

وبعد ذلك تعرض لنص من كتاب «شجرة طوبى» للشيخ محمد مهدي الحائري وختم الكتاب بمشجرة لذرية فاطمة بنت الحسين من نسل الصحابة رضي الله عنهم، ويكون بذلك قد نفض الغبار عن ترجمة واحدة من أهم شخصيات آل البيت الكرام لم تحظ بوافر بحث في كتب الأقدمين فجزاه الله خيراً.