مدخل عدالة الصحابة في تفسير التاريخ

( الإشكالية والتصحيح )

ـ مفهوم عدالة الصحابة :

المقصود بالعدالة في اللغة : السلامة ، والاستواء ، ومنه العدول عن الشر إلى الخير (1) ، وعدالة الصحابة تنقسم إلى قسمين : الأول : العدالة العامة للصحابة ، وهي الثابتة لجميع الصحابة ، وهي التي يكْثُر ذكرها عند المحدثين ، وعليها يقوم قانون نقل الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والثاني : العدالة الخاصة لكبار الصحابة .

والنوع الأول : من العدالة يقتضي شيئين : الأول : عدم تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، والثاني : حسن العاقبة لهم في الدار الآخرة وفق الموعود الإلهي ، {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء: 95] .

قال العلامة السخاوي : " قال ابن الأنباري: وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول روايتهم من غير تكلف ببحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا إن ثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ولله الحمد" (2) .

وقال العلامة اللكنوي : " وقد تطلق العدالة على التجنب عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها ، وهذا المعنى هو مراد المحدثين من قولهم الصحابة عدول " (3) .

ولذلك فإن الجهالة لا تضر عند أهل العلم بالحديث إن كانت في تلك الطبقة ـ طبقة الصحابة ـ للوثوق بعدم تعمد أحدهم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم .

وتلك العدالة ـ بالمفهوم الأول ـ لا تعني بالضرورة وجوب حسن السيرة ، وعدم الوقوع في الكبائر ، التي ترفع صفة العدالة عن فاعلها حال فعلها وقبل التوبة منها ، ولذا فقد ثبت أن من الصحابة من حُدَّ  ، ونحو ذلك ، فهذه الكبائر وإن كانت ترفع صفة العدالة الخاصة بمعنى السلامة من الكبائر ، إلا أنها لا ترفع العدالة بالمعنى العام للصحابة ، لخصوص صفتهم بالصحبة ، والنصوص الشرعية الدالة على حسن عاقبتهم ، وعدم كذبهم على النبي صلى الله عليه وسلم .

أما النوع الثاني : فهو العدالة الشخصية لكبار الصحابة ، وهي أوسع مضمونا من العدالة العامة لعموم الصحابة ، فهي العدالة المعروفة في الشرع ، ( صِفَةٌ تُوجِبُ مُرَاعَاتُهَا الِاحْتِرَازَ عَمَّا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ عَادَةً ظَاهِرًا ) (4) ، بمعنى اجتناب الكبائر ، أو عدم الفسق ،فبالإضافة لاشتمالها على الشهادة بحسن العاقبة ، وعدم تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنها تعني حسن السيرة ، واستقامة السلوك ، وسلامة الباطن ، وذلك لأنواع مخصوصة من الصحابة ، كالعشرة المبشرين بالجنة ، وأهل بدر ، وأهل بيعة الرضوان ، الذين زكى الله بواطنهم  وظواهرهم ، وكذلك من ثبت فيه حقه بشارات خاصة من النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ، أو تزكية لأعمالهم وإيمانهم .

ـ الإشكالية :

هذا النوع من العدالة الشخصية لكبار الصحابة يفرض منظورا مُوَجَّها ، لا يتسم بالحيادية ، فيما يتعلق بفهم وتفسير كثير من تصرفات هؤلاء الصحابة .

ذلك المنظور الموجه قد يعتبر عند كثير من الباحثين إشكالية في مدى دقة الدرس التاريخي لحقبة تاريخ الصحابة .

ـ المناقشة :  الذي يمكن أن ينتظم من خلاله حل تلك الإشكالية ؛ محلان للتأمل :

أولا : أن تقدير الحيادية المطلقة كمعيار لأفضلية المناهج التاريخية أمرٌ غير دقيق ، بل غير واقعي أصلا ، فمن حيث العموم ؛ الحيادية المطلقة ليست شيئا يوجد في الواقع ، إنما هو أمر ذهني تقديري ، فلا كاتب يكتب شيئا حياديا حيادا تامًّا ، سواء كان ذلك الكاتب مؤرخا أو غير مؤرخ ، ولا يعرف في العلوم الإنسانية الحياد المطلق ـ بخلاف العلوم التجريبية حيث يكون الحياد بحكم الضرورة العلمية ـ فأي اعتبار جعل تلك الحيادية معيارا لصواب المنهج التاريخي  دون غيره من العلوم الإنسانية ؟!

إن العلوم التجريبية المحضة التي يفرض فيها المعمل والمعادلات الرياضية منطقا علميا حياديا بحكم الضرورة ، يتوقف فيها سلطان الحيادية عند القياس والوصف والنتيجة للظاهرة العلمية ، أما التفسير العلمي للظاهرة الواحدة فلا يكون حياديا في كل الحالات كذلك ، ما لم يبرهن على تلك التفسيرات ببراهين ثابتة في العلم التجريبي ، فنرى الظاهرة الواحدة التي لا خلاف في حصولها على نسق علمي محايد معين ؛ نرى خلافا بين الباحثين والعلماء في تفسير تلك الظاهرة ، وفق المنهج العلمي الذي تكون إحدى حلقاته ( فرض الفروض ) !

ـ إن خلاصة المحل الأول للتأمل التي ينبغي الخلوص إليها : أن العلوم الإنسانية ، التي تدرس الإنسان وأحواله وأفعاله وتاريخه ليس من شروط البحث العلمي فيها الحيادية التامة ، بل الذي يشترط في البحث العلمي ؛ هو الموضوعية ، والتي معناها استيفاء النظر ، وجمع الأدوات العلمية اللازمة ، والبحث الأمين من كافة الجوانب عن محل الدراسة .ثانيا : إن مدخل العدالة الشخصية لكبار الصحابة ،واعتماده في فهم التاريخ بعد النبوي ؛ ليس عزلا للتحليل التاريخي الموضوعي كما تزعمبعض المدارس البحثية المتأثرة بالدرس الاستشراقي ، بل هذا من عوامل التفسيرالتاريخي الضرورية في تقديرنا. وذلك أن المناهج التاريخية من حيث العمومتحتاج إلى أدوات فاعلة تقدر من خلالها أن تُقيَّمَ الحدث التاريخي سلبا أو إيجابا ،وإذا كان الحدث التاريخي لا يمكن درسه مجردا ، دون اعتبار لسياقه وظرفه ، وكذالشخوصه والمؤثرين فيه ، فإن البحث التاريخي يبقى قاصرا عن درك كثير من الحقائق التيتتعلق بالحدث التاريخي مهما كان مشهورا ، من حيث الظرف والأشخاص ، وذلك للفجوة الزمنية بين زمن كتابة التاريخ وبين حصوله الفعلي ، ولئن كان هذاالقصور مفهوما فيما يتعلق بالأحداث التي لا نملك تجاهها أدوات فاعلة لمعرفة الظرفوطبيعة الشخص المؤثر في الحدث ، فإن توفر تلك الأداة في حقبة تاريخية معينة أو لأشخاص معينين لا يقتضيتجاهلها كي يستمر عجز التفسير التاريخي متناسقا في تناوله لسائر الأحداث في الحقبالأخرى ! فإن كان الواقع المحض يوفر لنا تقديرا صادقا عن طبائع مجموعة منالأشخاص المؤثرين في التاريخ ، فإن العلم يأبى أن تهمل تلك المعطيات ، وتعزل عنالبحث التاريخي ، ذريعة الموضوعية ! ثم إن الدرس الاستشراقي لم يقدم لنابديلا عن ذلك ، سوى بعض آراء استبطانية حدسية ، تقوم على الربط السطحي بين أي حدثين، أو أي كلمة أو تصرف لشخص ، فيزعم منها منهجا لحياته ، وباعثا لتصرفاته ، فيمايشبه الارتجال في التفسير ، أكثر منه الموضوعية فيه .

فبينما يتصور بروكلمان من خلال رؤيته لحادثة السقيفة ورغبة الأنصار في تولية قيس بن عبادة أول الأمر ؛ أن هذا كان ثورة تحررية ! ، كما يقول : ( ومن ناحية أخرى كان الأنصار العريقون في المدينة يتوقون إلى التحرر من سلطان الأغلبية المتمثلة في المهاجرين ليصبحوا سادة موطنهم الوحيدين ، كرة أخرى ) (5) ، دون أن يبين لنا سببا منطقيا واحدا يدل على صحة تصوره لموقف الأنصار في السقيفة ، حين أقروا مجمعين لأبي بكر وعمر من المهاجرين بسبب حديث خاطف لم يستمر ـ وفقا لنصوص الحوار في الروايات ـ إلا دقائق معدودة ، فتنازلوا عن ذلك الأمل في التحرر لأجله !

كذلك نجد أن فلهاوزن يفهم من حركة الغزوات والمكاتبات النبوية لملوك العالم من المدينة : ( أن النبي لما صار رئيسا تغير عما كان عليه لما كان لا يزال طامحا في الرياسة ، وأن الحكومة الثيوقراطية من حيث السياسة الفعلية تغيرت عنها لما كانت فكرة ، وعلى هذا صار الطابع السياسي يزداد بروزا والطابع الديني يزداد تراجعا ) ! (6)، دون أي وعي لمغزى الجهاد الديني ، قبل مفاده السياسي ، ولا الدور المحوري الغائي النابض للدين ومعانيه في كل تصرفات النبي السياسية ، بل اكتفى بمجرد الملاحظة الظاهرية ، والربط السطحي بين الأحداث في الفترتين المكية والمدنية .

ذلك الأمر لم يقتصر على المستشرقين فقط ، إذن لهان الخطب جدا ، وإنما سرى ذلك إلى المنتمين فكريا للدرس الاستشراقي ، فنجد الدكتور سامي النشار يرى أن أبا سفيان غنوصي (7) !! ، وليس الشأن في ذلك أنه اعتمد رواية باطلة موضوعة ، ولكن في منهجية التفسير لتلك الرواية وربطها بالغنوصية القائمة على الأفلاطونية المحدثة التي كانت تجتاح الإسكندرية آنذاك ، فأين هذا من قلب جزيرة العرب القاحلة فلسفيا أكثر منها مناخيا ؟!!

أما الدكتور هشام جعيط فيستنبط من قول عمر بن الخطاب في رسالته لسعد بن أبي وقاص ( إن العرب بمنزلة الإبل لا يصلحها إلا ما يصلح الإبل ) (8) ؛ حيث يحدد له صفات المكان المناسب لاستيطان العرب ، وتمصير مدينة جديدة لهم في العراق ؛ يفهم منه أنه يدل على التفكير والتصور الرعوي عند عمر ! ، فيقول : ( فهل كان قوله تعبيرا عن تصور رعوي للوجود العربي في العراق ، وكامتداد لوجودهم في بلاد العرب ، تثير هذه العبارة مشكلا متشعبا : هو استقرار العرب ، وتراكب الأنماط الحياتية السابق منها واللاحق ، وآثار الحياة الرعوية أو الإرادة العنيدة في المحافظة على نمط العرب الحضاري ) ! (9) ، فأقام صرحا كبيرا على أساس واه ، والحال كما يفهمه كل عربي سليم العربية ، طبيعي الفهم للتاريخ أنه لا يتعدى مجرد توجيه من عمر لسعد أن يرتاد مكانا مقاربا في الظرف الجغرافي والطبيعي لبيوتات العرب كي يتمكنوا من الإقامة فيه ، إذ كانوا قد نزلوا مكانا مائيا فأصابتهم الأمراض واستوبؤوه (10) .

وكذلك نرى الدكتور طه حسين يقول :(لست أطمئن إلى أكثر ما يرويه الرواة من نصوص الحوار الذي كان بين أبي بكر وصاحبيه من جهة ، وبين الأنصار من جهة أخرى ) ! (11) ، هكذا دون منهج علمي يتكئ عليه في القبول والرد ، وكأن الشك المجرد صار علما مقبولا ، كما هو الشأن في نظريته عن الشعر الجاهلي !

ناهيك عن عشرات الأمثلة التي لا يسع المقام لذكرها ، مع ملاحظة أن التمثيل في هذه الورقة إنما يلاحظ ( منهج تفسير التاريخ ) فحسب ، وإلا فحدث ولا حرج عن مئات المعلومات والأفكار الباطلة الشائهة ، عمدا أو دون عمد في كتابات هؤلاء ومن لف لفهم .وأخيرا ينبغي أن نبين أن المدخلالقائم على اعتماد عدالة الصحابة الكبار في فهم الحوادث التاريخية ؛ لا ينافي موضوعية التحليل أصلا ، وبيان الصوابوالخطأ في السياسات والمناهج والتنظيمات التي مارسوها ، في إطار معايير النقدالعلمي ، الذي من أهم أدواته القانونية = فهم الباعث على التصرف ، قبل تحليلهوتقويمه ، ثم نقده .

الشيخ عمرو بسيوني

 

 

الهوامش :

([1]) راجع تهذيب اللغة ( 2/125 ) .

(2) فتح المغيث ( 4/101 ) .

(3) ظفر الأماني في مختصر الجرجاني ( 506 ) .

(4) المصباح المنير للفيومي ( 2/397 )

(5) تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان (83) .

(6) تاريخ الدولة العربية ليوليوس فلهوزن (6) .

(7) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للدكتور سامي النشار (2/19) .

(8) الطبري (4/42) .

(9) الكوفة ـ نشأة المدينة العربية الإسلامية للدكتور هشام جعيط (95) ، باختصار يسير .

(10) الطبري (4/41) .

(11) الشيخان للدكتور طه حسين (38) .

 



الطبعة الجديدة من كتاب

الإمامان الحسن المثنى وابنه عبدالله

سيرة عطرة وتاريخ مشرق

seyra-004.jpg

 

علي بن حمد بن محمد التميمي الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة.

حجمه من القطع المتوسط - 67 صفحة.

يندرج هذا الكتاب ضمن إصدارات المبرة التي تهتم بسيرة الآل والأصحاب بالذود عنها وإبرازها على حقيقتها وصقلها من الشوائب، وفي هذه النبذة سنطلع القارئ الكريم على بعض اللمحات المشرقة في حياة الإمامين الحسن المثنى وابنه عبدالله والتي ربما كانت مغيبة عن بعض المسلمين أو مشوهة على الأقل.

تقرأ في هذا الكتاب سيرة الإمام الحسن المثنى وابنه عبدالله، حيث تعرض الباحث للسيرة العطرة لهذين الطودين الشامخين ، إذ تميزت سيرتهما بالعطاء والتميز والصبر على المحن والابتلاءات، وقد أطلعنا الباحث على سيرة هذين الرجلين في بحث صغير مختصر وبعبارات جزلة خالية من التعقيد في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة اختص الحسن المثنى منه بمبحث واحد تكلم فيه عن اسمه وكنيته ونسبه الشريف وأسرته وإخوته وزوجاته وأبنائه وشيء من رواياته ودرر من أقواله ومحنته المتمثلة في حضوره معركة الطف ومقتل عمه الحسين رضي الله عنه سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث نجا يومئذ لاستصغاره من القوم آنذاك، كما تعرض الباحث لذكر بعض الأعلام من ذريته وبعض أحفاده، ثم وفاته سنة 97 هـ وله بضع وخمسون سنة.

واختص ابنه عبدالله بمبحث كذلك تكلم فيه عن اسمه وكنيته ونسبه الشريف وأسرته وفضله وعلمه وروايته للحديث ومكانة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عنده، ومن ذلك أنه صلى عليهما وقال: لا صلَّى الله على من لم يصل عليهما وصح عنه كذلك أنه قال إنه يتقرب إلى الله تعالى بالدعاء لهما.

كما استعرض المؤلف في الكتاب حلمه ومكارم أخلاقه ومكانته في المجتمع ودرراً من أقواله وبعض شعره ثم محنته كذلك التي تتمثل في سجنه إلى أن توفى في السجن مظلوماً سنة 145هـ وعمره آنذاك 75 سنة.

وأما المبحث الثالث والأخير فقد تعرض فيه الباحث لبعض الشبهات التي قد لُفِّقت عليه وردها واحدة واحدة ردوداً واضحة وقوية.