موقف أهل مكة من الإسلام

بعد أن صدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأمر الإلهي حدث انفجار في مكة، فهذه مشاعر الغضب والاستنكار والرفض للدعوة، وهذه اجتماعات وتخطيطات ومكائد ومؤامرات، قامت الدنيا ولم تقعد، إنها -ولا شك- الحرب، ولا هوادة في الحرب.

وها هم المسلمون في مكة لم يعلنوا إسلامهم باستثناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وها هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا أحد من البشر يدافع عنه غير عمه أبي طالب، وهو دفاع غير مشروط، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل بدفاعه مع كونه كافرا، لكنه في ذات الوقت ما فرط في كلمة واحدة من الدين، ما تنازل، وما بدل، وما غير.

كان هذا هو موقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وموقف عمه أبي طالب، وموقف مكة بصفة عامة، وقبل الحديث عن خطة مكة في القضاء على الدعوة الإسلامية نريد أن نبحث في موانع الإسلام عند أهل مكة، وبعبارة أخرى: لماذا لم يؤمن أهل مكة بدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟

لماذا حاربوا الدعوة ولم ينصروها مع كون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منهم؟ أم أنهم لم يدركوا الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!

وأعتقد أن الجواب على هذا السؤال الأخير هو: لا على الإطلاق؛ فعلى أقل تقدير كانت الرسالة واضحة جدًّا، إنما الصواب هو أنهم كانوا كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه الكريم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} [النمل: 14].

فقد كان القرآن الكريم -ولا يزال- كلامًا معجزًا، وهؤلاء هم أهل اللغة والبلاغة والفصاحة، أي أنهم يعلمون جيدًا أن هذا ليس من عند البشر، وقد كانوا على يقين أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله، لكن أنفسهم لم تطب بهذا التصديق.

ومما يؤكد هذا الأمر أن أُبيّ بن خلف كان يقابل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيقول له: إني سأقتلك، فكان يرد عليه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". وبعد حين من الوقت خرج أُبيّ بن خلف لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موقعة أُحد، فكان أن أصابه صلى الله عليه وآله وسلم بسهم سبَّب جرحًا طفيفًا في كتفه، فعاد أُبيّ إلى قومه يصرخ بأنه سيموت من هذا الجرح الطفيف، فكان الناس يقولون له: هوِّن عليك؛ إن هذا لأمر يسير. فكان يرد عليهم أُبيّ بقوله: إنه قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليّ لقتلني.

فأين كان عقلك يا أُبيّ؟! أين كان عقل الذين سمعوك ولا يزالون يقاتلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟!

إذن فقد كان أهل مكة يوقنون أن هذا الذي جاء به صلى الله عليه وآله وسلم هو الحق الذي لا ريب فيه، لكن السؤال هو: لماذا -إذن- كذبوا ولم يؤمنوا؟! لماذا لم يؤمن أهل مكة ؟!

التقاليد والجبن والقبلية

في معرض الإجابة على هذا السؤال السابق فقد تعددت موانع الإسلام عند أهل مكة، فكان منهم من منعته التقاليد كأبي طالب، وكان منهم من منعه الجبن كأبي لهب ، وكان منهم من منعته القبلية.

وكان أكثر مَن جسد القبلية أبو جهل، وكان من بني مخزوم، فكان يقول: "تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطْعَموا فأطعمنا وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الرُّكب وكنا كفرسي رهان، قالوا: لنا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا، ولا نصدقه".

ذلك التعصب وتلك القبلية أو القومية هي من شيم وصفات الجاهلية، وأعداء الإسلام ما فتئوا يستغلون هذا المدخل، ويشعلون تلك النعرة منذ القديم وإلى الآن وإلى يوم القيامة.

فالعامل الذي أسقط به اليهود والإنجليز الدولة العثمانية هو إشعال تلك النعرة، وتفريق المسلمين إلى عرب وأتراك، ومثله الذي دخل به الفرنسيون الجزائر أيضًا كان تفريق المسلمين إلى عرب وبربر، وهو العامل أيضًا الذي فرّق به شاس بن قيس اليهودي بين الأنصار حين أشعل العنصرية في قبيلتي الأوس والخزرج، وهذه كلها من شيم الجاهلية.

الكِبْر

كان من الناس أيضًا من منعه الكبر من الدخول تحت راية الإسلام، وما أكثر الذين امتنعوا عن طريق الحق بسبب الكبر، تلك الصفة التي ظهرت مع بداية قصة الخلق، ومنذ آدم عليه السلام ، يقول تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ} [البقرة: 34]. فاقتضى كبر إبليس هذا كفره وطرده من الجنة وإبعاده عن رحمة الله تعالى.

والكبر كما عَرّفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو: "بَطَرُ الْحَقِّ (أي معرفة الحق ثم إنكاره)، وغَمْطُ النَّاسِ" أي احتقارهم.

وقد جسد القرآن الكريم هذه الصفة في نفوس أهل مكة حين حكى عنهم قولهم: {وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزُّخرف: 31]. يقصدون الوليد بن المغيرة في قرية مكة، وعروة بن مسعود الثقفي في قرية الطائف.

فكانوا يقولون: لو نزل هذا الأمر على رجل عظيم كمن في هاتين القريتين لكنا آمنا بهذا الدين، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم -لا شك- أعظم الخلق، لكنهم كانوا يقيسون العظمة بكثرة الأموال لا بقيم الأخلاق والدين وشرف العقيدة.

وفي آثار وسلبيات هذه الصفة فقد وضح الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من يتصف بها فإنه من الصعوبة بمكان أن يتبع الحق، قال الله صلى الله عليه وآله وسلم: {سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146].

الخوف على السيادة والحكم

كان هذا الأمر أيضًا من الأسباب التي منعت بعضًا من قريش من الدخول في الإسلام، فقد كانوا يظنون أن الإسلام يسلبهم السيادة والحكم في أقوامهم.

فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء ليُحكّم شرع الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمور العباد، وهو صلى الله عليه وآله وسلم ناقل عن رب العزة، ومن ثم فسيسحب البساط من تحت أقدام الزعماء كأبي سفيان وغيره إن انتشر دين الإسلام بمكة، فكان الخوف على الحكم مُعوِّقًا ضخمًا للانخراط في الدعوات الصالحة.

الخوف على المصالح المالية

كذلك كان هناك من يخاف على مصالحه المالية، فهو في الواقع مستفيد من الوضع الحالي لمكة بحالتها الكافرة.

فمكة بلد آمن، وهي محط أنظار أهل الجزيرة العربية، والتجارة فيها على أشد ما تكون، ولو حارب العرب محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم لتحول البلد الآمن إلى مثلث فتن وحروب، وهو مما لا يساعد على الربح أو التجارة، كما أن المشركين الذين يمثلون غالبية أو كل سكان الجزيرة العربية قد يرفضون القدوم إلى مكة بعد إسلامها، بل وقد يحاصرون مكة اقتصاديا إذا آمنوا هم.

ثم ماذا لو آمن واحد من كبار التجار خارج مكة؟ ألن يمنع عن مكة الطعام والتجارة؟ وإن مثل هذا ليس ببعيد؛ فقد حدث ذلك بالفعل بعد سنوات حينما أسلم ثمامة بن أثال ملك اليمامة، وكان أن منع الطعام عن مكة، فتأذت بسبب ذلك أذى كثيرًا.

إذن كان الخوف على المصالح المالية والشخصية والمصالح التجارية، سببًا رئيسيًّا لعدم قبول بعض المشركين بفكرة الإسلام.

الخوف على الشهوات والملذات

ومثل سابقه فقد كان هناك أيضًا من أهل مكة من يخاف على شهواته وملذاته من أن تُجرّم أفعالها، أو يقضى عليها. 

فالإسلام دعوة إصلاحية تدعو إلى الفضيلة ومكارم الأخلاق والبعد عن المعاصي والذنوب، وأهل الباطل لا يريدون قيودًا أو حواجز بينهم وما تهفو نفوسهم إليه، ومن ثَمَّ فإن الدعوات التي تمنع الزنا والإباحية والظلم والفساد لا بد أن تحارب، وعلى قدر انغماس الرجل في شهواته وملذاته على قدر ما يكون حربه للإسلام.

الغباء وانغلاق الفكر

وقف الغباء أيضًا وعدم إعمال الفكر والعقل حاجزًا وسدًّا منيعًا لدى البعض من أهل مكة من أن يدخلوا في الإسلام.

فقد اعتاد مثل هؤلاء الاعتقاد بأن الآلهة متعددة، فحين يأتي رجل بعد ذلك ليخبرهم أن الله عز وجلّ واحد لا شريك له، تحجرت قلوبهم وعقولهم لقبول هذا الأمر الجديد، بل وقالوا: {أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5].

لكن العجيب حقًّا هو أن يعتقد إنسان - أي إنسان- أن في الكون أكثر من إله، يقول الله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91].    وقال أيضًا: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22].

فكان من الغريب حقًّا أمر هؤلاء الكفار، فقد كانوا يسمعون الحق وكأنهم لا يسمعون، وكما حكى عنهم القرآن الكريم: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

وقد وصل بهم الأمر إلى أن يناقضوا أنفسهم وعقولهم في قضية وحدانية الخالق سبحانه ، يحكي حالهم سبحانه فيقول: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [المؤمنون: 84- 90].

فإذا كان الله عز وجلّ هو المتصرف في كل شيء كما تعترفون، فلماذا تُحكّمون غيره؟! وهذه هي النقطة التي انغلقت عقولهم عن الإجابة عليها.

ومن هذه الفئة كان هناك في مكة من منعه غباؤه عن استيعاب فكرة أن الله عز وجلّ يرسل رسولاً إلى البشر من البشر، ولم يدرك عقله الحكمة من وراء ذلك، يصور ذلك القرآن الكريم فيقول: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولاً} [الإسراء: 94]، وبمنطقهم ردَّ عليهم عز وجلّ فقال: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولاً} [الإسراء: 95]. وقال أيضًا: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 8، 9].

كذلك كان هناك من الناس من منعه غباؤه أيضًا عن استيعاب فكرة البعث واليوم الآخر، ذلك الأمر الجديد الذي لم يخطر ببالهم، فقد كانوا يقيسون الأمور بأبعادها المحدودة المادية والملموسة، ولو أدركوا قدرة الله عز وجلّ لعلموا أنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يقول تعالى يحكي شأنهم: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 38].

فقد جاء العاص بن وائل (وفي رواية: أبيّ بن خلف) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذروه في الهواء ثم يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "نَعَمْ، يُمِيتُكَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ يَبْعَثُكَ ثُمَّ يَحْشُرُكَ إِلَى النَّارِ".

ثم نزلت الآيات تخاطب العقول: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ} [يس: 77- 81].

وهذه حقيقة؛ يقول تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [غافر: 57]. فالذي خلق السموات والأرض قادر على خلق الإنسان، ثم يكمل ذلك سبحانه مؤكدًا فيقول: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 82، 83].

بل إن من الناس من أهل مكة من كان شديد الغباء حتى اعترض على القرآن الكريم نفسه، والقرآن الكريم كلام الله عز وجلّ لا يشبهه كلام البشر ولا يستطيعونه {لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصِّلت: 42].

وقد كان العرب في زمان رسول الله عز وجلّ أعلم أهل الأرض باللغة، وأكثرهم إتقانًا لها، وقد كانوا يعلمون تمام العلم أن هذا النَّظْم وذاك التعبير ليس من مقدورهم، وليس في مقدور عموم البشر جميعًا، ولكن كان حالهم كما أخبرسبحانه: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

فقد وصفوا القرآن بأنه شعر، وبأنه سحر وبأنه كهانة وغير ذلك من الصفات كذبًا وافتراءً.

ومن هنا فقد كانت هذه وغيرها موانع وقفت حائلاً أمام أهل مكة من أن يدخلوا في الدين الإسلامي العظيم، وهم لم يكتفوا بذلك، بل بدءوا يخططون ويدبرون للكيد لهذا الدين، وهي سنة ماضية إلى يوم القيامة، الحرب بين الحق والباطل {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89].

 فالدعوات الإصلاحية الصحيحة لا بد أن تحارب، ولا بد أن يجتمع عليها أهل الباطل، قد تؤجل المعركة ولكن لا بد لها من حدوث، قد تأخذ صورًا مختلفة ولكن لا بد في النهاية من أن تقع.

ومن هنا فقد بدأ الكفار في الكيد لرسول الله صلى الله ولمن معه من المسلمين، وقد سلكوا في ذلك السبيل نفسه الذي سلكه من قبلهم الكفار في صدر التاريخ، والذي يسلكه أمثالهم إلى يومنا هذا، والذي سيظل كذلك إلى يوم القيامة، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً} [الفتح: 23].



من معلقات المبرة

مقولةالإمام جعفرالصادق رضي الله عنه

" ولدني أبوبكرالصديق مرتين "

 مقولة الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه “ولدني أبو بكر الصديق مرتين”

 

هلم إلي أريك عجباً !

هذا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين الملقب بالصادق يفخر بجده الصديق الذي يصل إليه من أمه أم فروة بنت فقيه أهل المدينة القاسم بن محمد  بن أبي بكر الصديق (وهذه الولادة الأولى).

أما أمها فهي أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق (وهذه الولادة الثانية).

هل كان للصادق أن يفخر بغير أهل التقى ؟

ومالذي حدا بالباقر ليتزوج من أم فروة ؟

ألم تلحظ معي عزيزنا القارئ أن هذه الزيجة تمت بعد وفاة أبي بكر بقرابة سبعين عاماً !

فلا مطمع سياسي ولارغبة اقتصادية إلا الحب والوفاء والتخير للنطف.

وفعلاً  أنجبت إماماً وأي إمام: جعفراً الصادق!

وللصادق روايات في صحيح مسلم والسنن الأربعة، فضلاً عن اشتهاره بالفقه والعلم.

كيف لا ؟ وأبوه الباقر، وجده فقيه المدينة القاسم بن محمد، ومنشؤه ومتوفاه معدن العلم - المدينة النبوية - الزاخرة بالعلم وأهله .

 



وترجَّل الفارس عن جواده

419127_3100020492524_1024515768_32956746_1153193767_n.gif

                                                                   

بقلم  /محمد سالم الخضر

 

ودعت مبرة الآل والأصحاب منذ أيام فقيدها الشيخ محمد عنان الذي عرفته أخاً وصاحباً قبل أن أعرفه باحثاً في مركز البحوث والدراسات.

أبو رائد رحمه الله ... شخصية فريدة ... يندر أن تجدها في هذا الزمن ... تتعلم منه كيف يتحول الألم إلى أمل، والمحنة إلى منحة، والمرض إلى حيوية ونشاط.

فحتى الأيام الأخيرة من عمره رحمه الله، كانت حالته الصحية تتراجع لكنه كان مصراً على أن يموت واقفاً على قدميه، رافع الرأس.

ابتلي بالسرطان فانتصر عليه، ورغم انتشار السرطان في جسده إلا أنّ الله تعالى لم يجعل وفاته بشكل مباشر على يدي هذا المرض.

إن جاز لي أن أتكلم عنه، فإنّ الكلمات تحتبس في صدري كما تحتبس دموعي، فهو رفيقي في الدراسة على اختلاف التخصص والبلد! أمضيت معه قرابة شهر من الزمان في أرض الكنانة أثناء تأديتي لاختبارات التمهيدي في الماجستير، وسافرت معه أكثر من سفرة، فلم أعرف عنه وعن قرب إلا أنه رجل بأمة، باحث من الطراز الأول، لم يكن يهدأ له بال ويتوقف عن القراءة إلا عند اشتداد المرض عليه، فيكتفي بالاستماع لبعض المهتمين بمجاله.

أعجبني كثيراً تفسير علقمة بن أبي وقاص لقول الله تعالى {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} «هِيَ الْمُصِيبَةُ تُصِيبُ الرَّجُلَ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيُسَلِّمُ لَهَا وَيَرْضَى».

فنحن نرضا بقضاء الله تعالى وقدره ... تذرف أعيننا بالدموع حين نفقد من نحب ... لكننا نتذكر دوماً أنّ كل مصيبة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلل أي صغيرة، على حد قول الصحابية من بني دينار التي قُتِل زوجها وأخوها وأبوها، فهان عليها الخطب أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي صحيح مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنه زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا "، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ، رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فاللهم آجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيراً منها.

429347_3115023347586_1024515768_32962911_1196914697_n.gif426843_3115068548716_1024515768_32962914_452872103_n.gif



تعزية النفس

عزاء وإن عزَّ العزاءٌ بمثله .. وصبراً فإن الصبر يحسُن موقِعاً

بقلم / عمرو بسيوني  

ظلت هذه الورقة بيضاء شاهقة لفترة ليست قصيرة، أتبادل معها التحديق في استغراب حتى بُحْتُ لها أنني أرغب في أن أسكب فوقها بعضاً من مواجيد نفسي ومشاعرها وآرائها ، لكنها لم تُعِّني على ذلك كما ينبغي ، في تقديري على الأقل .

تأبى النفس المستقيمة أن تظهر جزعها وضعفها لكثير من الوقت، فتفرض على صاحبها أنواعاً من التحمل والصبر ، فيتعزى الإنسان بوفاة الأنبياء وفي مقدمتهم مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ابن الوردي :

وفي خير الأنام لكم عزاءٌ ... وليس لساكن الدنيا دوامُ.

وكذا وفاة الصالحين ، والأقارب لكن هذا لا يباعد كثيراً بين النفس ولوعتها ، نعم تخبت بذور الألم فيها وتبرد حرارتها إلا أنها تتصلب أشجانها فيها وتصبح شيئاً خفياً من حقيقتها .

ليس من السهل أن تجد صديقا كابي رائد ، وليس من السهل اكثر أن يبيحك أبو رائد تلك المنزلة من قلبه.

ولاريب أن سنه الصغيرة وغربته ومرضه وآلامه وعياله من مهيجات الحزن عليه ، إلا أن النفس ترتاح لعلمه وعمله وحرصه ، فتسكن .

كم كان ذلك الرجل مقدسا للعلم والمعرفة بشتى مناحيها ، حريصا على وقته ، وفياً لصحابه ، جريئاً صداعاً بالحق ، مهموما بشأن المسلمين.

وإن مما يعزى نفسي في ذلك المصاب الجلل ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ " . قَالَ : قُلْنَا : وَثَلاثَةٌ ؟ قَالَ : " وَثَلاثَةٌ " . قُلْنَا : وَاثْنَانِ ؟ قَالَ : " وَاثْنَانِ " . ثُمَّ لَمْ أَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ  ، وقد شهد – والله - له أكثر من ذلك بكثير من أخيار عدول، وكذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن " المبطون شهيد والمطعون شهيد " ، وكذا ما صح عنه " أو علم ينتفع به " فأرجو من الله تعالى أن يتقبل صديقي شهيداً، وأن يتقبل منه أحسن ما عمل ويتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة ، وعد الصدق الذي كانوا يوعودون .