الخليفة الراشد أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه

 

  •  لو كنت متخذاً أحداً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً
  • صاحب النبي في الحضر والأسفار وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار

     

  • الخليفة الراشد أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه - بطاقة تعريفية

    هو أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمه عبد الله بن أبي قحافة (عثمان) بن عامر القرشي التيمي رضي الله عنه.

    وأمه أم الخير. واسمها سلمى بنت صخر بن عامر التيمية،  وهي ابْنَة عم أَبِي قحافة.

    وهو أعلم قريش بأنسابها في الجاهلية، وصاحبُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الغار وفي الهجرة، والخليفة بعده..

    كان أبيض نحيفا خفيف العارضين، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، يخضب شيبه بالحناء والكتم.

  • إسلامه

كَانَ أَبُو بَكْر رَضِي اللَّه عَنْهُ، من رؤساء قريش فِي الجاهلية، محببًا فيهم، مألفًا لهم، وكان إِلَيْه الأشناق (الديات) فِي الجاهلية، وكان إِذَا حمل شيئًا صدقته قريش وأمضوا حمالته وحمالة من قام معه، وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه.

فلما جاء الْإِسْلَام سبق إِلَيْه، وأسلم عَلَى يده جماعة لمحبتهم لَهُ، وميلهم إِلَيْه، حتَّى إنه أسلم عَلَى يده خمسة من العشرة المبشرين بالجنة.

  • تسميته بالصدّيق

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، أَصْبَحَ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ النَّاسَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ آمَنَ وَصَدَّقَ بِهِ وَفُتِنُوا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي لأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ غَدْوَةً أَوْ رَوْحَةً، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ".

وقَالَ أَبُو محجن الثقفي رضي الله عنه:

وسميت صديقًا وكل مهاجر        سواك يسمى باسمه غير منكر

سبقت إلى الْإِسْلَام والله شاهد    وكنت جليسًا فِي العريش المشهر

  • يرضى بجوار الله ورسوله ويترك جوار ابن الدَّغِنَة

    استوقفه ابن الدَّغِنة بعد ازدياد اضطهاد قريش للصحابة في مكة، وعرض عليه أن يُجيره، فلا تقدِر قريشٌ بعد هذا على إيذاءه، فقَبِل ذلك، وبعد حين من الزمن قالت قريشٌ لابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ , وَلْيُصَلِّ فِيهَا مَا شَاءَ , وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ , وَلَا يُؤْذِينَا وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ, قَالَ: فَفَعَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ , ثُمَّ بَدَا لَهُ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ, فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ فَتَصْطَفُّ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ, وَأَبْنَاؤُهُمْ يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ , وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ , فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ , فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ، أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ , فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ, وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى ذِمَّتِي , فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ إِنِّي أُخْفِرْتُ فِي عَقْدِ رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ , وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ وَرَسُولِهِ» وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ.

  • هجرته مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

    هاجر أَبُو بَكْر الصديق رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحبه فِي الغار لما سارا مهاجرين، وآنسه فِيهِ، ووقاه بنفسه، قَالَ بعض العلماء: لو قَالَ قائل: إن جميع الصحابة، ما عدا أبا بَكْر ليست، لَهُ صحبة لم يكفر، ولو قَالَ: إن أبا بَكْر لم يكن صاحب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر، فإنّ القرآن العزيز قَدْ نطق أَنَّهُ صاحبه {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (سورة التوبة آية 40)

  • إنفاقه وجهاده في سبيل الله

    فأما جهاده، فإنّ أبا بكر رضي الله عنه قد شهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، والحديبية والمشاهد كلها مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودفع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاَيْته العظمى يَوْم تبوك إِلَى أَبِي بَكْر، وكانت سوداء، وأطعمه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من خيبر مائة وسق، وكان فيمن ثبت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أحد، ويوم حنين حين ولى النَّاس.

    ولم يختلف أهل السير فِي أنّ أبا بَكْر الصديق رَضِي اللَّه عَنْهُ، لم يتخلف عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مشهد من مشاهده كلها.

    وأما إنفاقه في سبيل الله، فيذكر الفاروق عُمَرَ رضي الله عنه في جملة ما عُرِف من إنفاق أبي بكر رضي الله عنه: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَصَدَّقَ، وَوَافَقَ ذَلِكَ مَالا عِنْدِي، فَقُلْتُ، الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ، قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ: " مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟"، قُلْتُ: مِثْلُهُ، وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟"، قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا.

    - من فضائله ومناقبه الكثيرة

    * قال أَبِوسَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ ذَلِكَ العَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ»، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ، أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ المُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ وَمَوَدَّتُهُ، لاَ يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ».

    * قال أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا».

    * قال جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه: أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تَقُولُ: المَوْتَ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ»

    * قال أَبَو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ، - يَعْنِي الجَنَّةَ، - يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ، وَبَابِ الرَّيَّانِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، وَقَالَ: هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ».

    - من حكمه وأقواله الفريدة

    * كَانَ أَبُو بَكر رضي الله عن هإِذَا مُدِحَ، قَالَ: " اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لا يَعْلَمُونَ، وَلا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ ".

    * كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: «أَيْنَ الْوُضَّاءُ الْحَسَنَةُ وُجُوهُهُمُ , الْمُعْجَبُونَ بِشَبَابِهِمْ؟ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحِيطَانِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُعْطُونَ الْغَلَبَةَ فِي مَوَاطِنِ الْحَرْبِ؟ قَدْ تَضَعْضَعَ بِهِمُ الدَّهْرُ فَأَصْبَحُوا فِي ظُلُمَاتِ الْقُبُورِ , الْوَحَا الْوَحَا , النَّجَاءُ النَّجَاءُ».

    خليفة وأيُّ خليفة!

    كان أبو بكر رضي الله عنه رحمة للمسكين والفقير واليتيم والضعفاء من الرجال والنساء.

    لم يكن حاكماً متجبراً، بعيداً عن هموم الناس ومعاشهم، بل كان يشاركهم فيها كواحد منهم، لا يستشعر أحدٌ أنه مختلف عنهم.

    *  قال خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعت عَمَّتَي أُنَيْسَةَ تقول: نَزَلَ فِينَا أَبُو بَكْرٍ ثَلاثَ سِنِينَ: سَنَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَخْلَفَ، وَسَنَةً بَعْدَ مَا اسْتُخْلِفَ، فَكَانَ جَوَارِي الْحَيِّ يَأْتِينَهُ بِغَنَمِهِنَّ، فَيَحْلِبْهُنَّ لَهُنَّ.

    * قال ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَوْمَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ بِالسُّنُحِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَدْ حُجِرَ عَلَيْهِ حَجْرَةٌ مِنْ شِعْرٍ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَامَ هُنَاكَ بِالسُّنُحِ، بَعْدَمَا بُويِعَ لَهُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، يَغْدُو عَلَى رِجْلَيْهِ وَرُبَّمَا رَكِبَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَيُوَافِي الْمَدِينَةَ فَيُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِالنَّاسِ، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَكَانَ يَحْلِبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ، فَلَمَّا بُويِعَ لَهُ بِالْخِلافَةِ، قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنَ الْحَيِّ: الآنَ لا يُحْلَبُ لَنَا مَنَائِحُنَا، فَسَمِعَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: بَلَى، لَعَمْرِي لأَحْلِبَنَّهَا لَكُمْ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ لا يُغَيِّرَنِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ عَنْ خُلُقٍ كُنْتُ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَحْلِبُ لَهُمْ، فَرُبَّمَا قَالَ لِلْجَارِيَةِ: أَتُحِبِّينَ أَنْ أُرْغِيَ لَكُمْ أَوْ أَنْ أُصَرِّحَ؟ فَرُبَّمَا قَالَتْ: أَرْغِ، وَرُبَّمَا، قَالَتْ: صَرِّحْ، فَأَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ فَعَلَ.

    - وفاته رضي الله عنه

    قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل، وكان يوماً باردًا، فحُمَّ خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة، وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه. وتوفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، وكانت خلافته سنتين ومائة يوم.

    وقال أبو معشر: سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال، عن ثلاث وستين سنة.

     



من أقوال أبوبكر الصديق رضي الله عنه

  • عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ مَوْلَى غُفْرَةَ قَالَا: نَظَرَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى طَيْرٍ حِينَ وَقَعَ عَلَى الشَّجَرِ فَقَالَ: ) مَا أَنْعَمَكَ يَا طَيْرُ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ وَلَيْسَ عَلَيْكَ حِسَابٌ، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مِثْلَكَ (.

     

  • عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: ) أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ بِرَأْيٍ (.

     

  • َعنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصدِّيقَ، يَقُولُ: ) إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبٌ الْإِيمَانَ (.

  • عن سلمان الْفَارِسِيَّ رضي الله عنه أنه أَتَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ؛ فَبَكَى عِنْدَ رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ؛ أَوْصِنِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ) إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَاتِحٌ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، فَلَا تَأْخُذَنَّ مِنْهَا إِلَّا بَلَاغًا، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ؛ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ؛ فَلَا تَخْفِرَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذِمَّتِهِ فَيَكُبَّكَ اللهُ عَلَى وَجْهِكَ فِي النَّارِ (.

     

  • عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ كَثِيرًا يَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ:

    لا تَزَلْ تَنْعِي حَبِيبًا أَبَدًا حَتَّى تَكُونَهُ                     وَلَقَدْ يَرْجُو الْفَتَى الرَّجَاءَ وَالْمَوْتُ دُونهُ



جديد إصدارات المبرة

كتاب ( ثاني اثنين )

تأملات في دلالة آية الغار على فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه

 

تأليف : د . طه حامد

الكتاب من القطع المتوسط، ويقع في حوالي مائة صفحة .

وهو الكتاب الخامس عشر من السلسلة الثالثة: قضايا التوعية الإسلامية.

وهو كتاب لطيف في حجمه ومعناه وموضوعه، حيث بدأ الكتاب بمقدمة مختصرة استعرض فيها المعلومات الرئيسة عن شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، من نحو: اسمه ولقبه وكنيته وميلاده ووفاته، وأسماء زوجاته وأبنائه، و نبذة سريعة من مناقبه الشريفة.

ثم دلف المؤلف إلى موضوعه الرئيس، وهو الآيات القرآنية التي نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم استعرض في تحليل رائع تجليات تلك الآيات في حياة أبي بكر الصديق وشخصيته وسلوكه.

ومن أبرز الآيات التي استعرضها «آية الغار»(التوبة/40) ، وأطال في بيان تجلياتها في حياة أبي بكر كلها، فبين معنى صحبته للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وآثار ذلك في حياته، ومعنى معية الله تعالى له وللرسول، وتجليات ذلك في سلوكه ومواقفه، وكذلك قوله تعالى : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ     (الزمر:33) ، وقوله تعالى:  } وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {  (الليل: 19)، وتجليات تلك الآيات في شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

والمبرة إذ تقدم لقرائها وجمهورها الكريم هذا الكتاب، لتشعر بالفخر والسعادة لتقديمها هذا العمل الذي يسهم - ولو بشكل جزئي- في تبيين الجوانب القرآنية العظيمة في شخص أبي بكر الصديق رضي الله عنه.



من معلقات المبرة ذات الدلالة العميقة على الحلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب

 المصاهرات بين آل النبي صلى الله عليه و آله و سلم و آل الصديق رضي الله عنهم

 

تظهر هذه المعلقة 6 مصاهرات بين آل البيت النبوي وآل الصديق ، أبي بكر.

أشرفها الزواج المحمدي من الصديقة عائشة رضي الله عنها سنة (1) قبل الهجرة ودخوله بها (2) هـ وبقائها عنده إلى وفاته كما سلف ، فهل انتهت العلاقة بذلك كلاً .

فهذا سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم وريحانة الحسن وفي بعض المصادر الحسين يتزوج حفيدة أبي بكر (حفصة بن عبد الرحمن) كما جاء في أنساب الأشراف للبلازي 1/381).

والمحبر لابن حسين (448) والطبقات الكبرى لابن سعد في ترجمة حفصة وكذلك في تاريخ دمشق في ترجمتها .

ثم يتزوج من أحفاد الحسن (موسى الجون) بن عبد الله ( المحض) بن (الحسن المنفى) من أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر (أنساب الأشراف (1/407) نسب قريش (1/20) الفخري في أنساب الطابنين (1/36) (عمدة الطالب113) أما البيت الحسيني فالباقر في سنة 80 هـ تقريباً يتزوج أم فروة لتنجب جعفر الصادق ( وهذا إجماع المصادر) .

وكذلك يتزوج اسحق بن عبد الله بن علي بنت الحسين من كلثم بنت اسماعيل بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر (نسب قريش 1/24).

أما من بيت جعفر الطيار فيتزوج اسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من أم حكيم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر أخت أم فروة (أم جعفر الصادق) فتكون أم حكيم خالة جعفر الصادق (الشجرة المباركة ، للفخر الرازي )

ويُظهر جلياً في هذه الملعقة :

- أن معظم المصاهرات تمت بعد وفاة أبي بكر أي, أنها لم تكن لوجود أي منصب سياسي أو اقتصادي أو غيره إلا الحب والود بين البيتين الكريمين.

- أن الرجال كلهم من آل البيت النبوي والنساء من آل بين أبي بكر ومن المعلوم أن الخطبة تأتي من قبل الرجال للنساء فكانت الرغبة من آل بيت النبي ظاهرة.

- استمرار هذه الزيجات بعد حوادث مختلفة (السقيفة ، صفين ، الجمل ، كربلاء ، ... ) دليل واضح على تجاوز الأمة عامة وآل البيت خاصة لهذه الخلافات على فرض صحتها وإلا فإن هناك كثير من الأخطاء التاريخية الواضحة تضخم حجم العداء في العهد النبوي والعهد الراشدي ابتغاء الفنية وبذر الخلافات التي لا تحصد الأمة منها إلا الأشواك.