وأقبلـت العشـر

 

 

هكذا تمضي الأيام مسرعة، تجر خلفها نسمات هذا الشهر المبارك، وها هو شهرنا الفضيل، وضيفنا الكريم قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، لكنه لا يزال يهمس في آذان الموحّدين: هل من مشمِّر للجنان؟ ألا من طالب للعتق من النيران؟ ألا من طالب للقرب من الرحمن؟ فما زالت الفرصة قائمة، ولا زالت السوق مُنعقدة، وربُّ العالمين أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، وأرحم الراحمين.

ها هي العشر الأخيرة المباركة من هذا الشهر المبارك قد أظلتنا، وحلَّت بوادينا، وشممنا رائحتها العبقة الزكية؛ فهي أفضل أيامه ولياليه؛ إذ فيها أشرف وأعظم ليلة في الدنيا وهي ليلة القدر. إنها الليلة المباركة التي تنزَّلت فيها الرحمات على أهل الأرض بنزول القرآن؛ قال الله عز وجل: )إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ( [الدخان: 3].   

هذه الليلة المباركة التي لا يوافقها عبد مسلم يتضرع إلى الله عز وجل، ويتقرب إليه بالعبادة مخلصاً محتسباً إلا كان من أسعد خلق الله عز وجلَّ؛ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) [رواه البخاري ومسلم]. هذه الليلة المباركة التي لا يُحرم خيرها إلا محروم؛ كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ وَلا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلاَّ مَحْرُومٌ ) [رواه ابن ماجه ، وهو حديث حسن].      

من أجل ذلك كان لهذه العشر أهمية خاصة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي حياة أصحابه؛ فقد كانت حياته صلى الله عليه وآله وسلم تتغير كثيراً في هذه العشر، وتختلف عمَّا كانت عليه في العشرين الأُول من رمضان من حيث الجدُّ والاجتهاد ومضاعفة الجهد في طاعة الله عز وجل والتقرّب إليه، مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، لكنه كان يضاعف من هذا الجهد والاجتهاد في هذه العشر؛ رجاء ما فيها من الخيرات والرحمات والنفحات والبركات، ولنستمع إلى أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تصف لنا حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه العشر؛ تقول رضي الله عنها: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ)[رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري] .

وعند مسلم: (كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَجْتَهِدُ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِى غَيْرِهِ). وفي الصحيحين عنها أيضاً: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) [رواه البخاري ومسلم] .

فقد بيّنت لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه العشر وما كان عليه من جدِّ واجتهاد وزيادة أعمال صالحة، وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على عِظم هذه العشر، وعِظم ما فيها من الخيرات والرحمات والنفحات الإلهية التي يمتنُّ الله عز وجل على عباده بها، حتى إنه صلى الله عليه وآله وسلم حريص أشد الحرص على ألا يفوته شيء من هذه المنح ولا من تلك النفحات .

إذاً نستطيع أن نخْلُص إلى أن أعمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي كان يَخُصُّ بها هذه العشر هي :   

أولاً: كان صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد فيها بأنواع العبادة: من صلاة وقرآن وذكر وصدقة وغير ذلك  أكثر مما يجتهد في غيرها من الأيام والليالي.

ثانياً: شد المئزر: قال بعض أهل العلم: وهذا كناية عن اعتزاله صلى الله عليه وآله وسلم للنساء في هذه العشر، وإقباله على الله بالكليَّة ، وتفرُّغه للعبادة والذكر .

ثالثاً: إحياء الليل : أي استغراقه بالسَّهر في الصلاة والذكر وقراءة القرآن وغير ذلك، فلا نوم ولا راحة فيها، إنما جدّ واجتهاد، واستباق للخيرات، ومسارعة لرحمات الله، ولجنة عرضها السموات والأرض.

رابعاً: إيقاظ أهله: فقد كان من هديه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه العشر أنه يوقظ أهله للصلاة والذكر ومناجاة الله عز وجل وغير ذلك؛ حرصاً منه صلى الله عليه وآله وسلم على أن يدرك أهله ما في هذه الليالي المباركة من الخيرات لاسيما ليلة القدر، وحتى يصيبهم ما فيها من الرحمات والبركات، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم كما روى البخاري أنه كان يطرق باب فاطمة وعليٍّ ليلاً ليُصلِّيا. فلم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يقتصر على العمل لنفسه ويترك أهله في نومهم كما يفعل بعض الناس هداهم الله ، وهذا بلا شك خطأ وتقصير ظاهر .

خامساً: الاعتكاف: فقد كان هديه صلى الله عليه وآله وسلم المستمر: الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجلَّ . وفي العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً؛ كما روى البخاري رحمه الله  .

يقول ابن رجب رحمه الله في لطائف المعارف: «وإنما كان يعتكف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه العشر التي يُطلب فيها ليلة القدر؛ قطعاً لأشغاله، وتفريغاً للياليه، وتخلّياً لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجز حصيراً يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم». أهـ

وقد تعجَّب بعض السلف رحمهم الله من ترك الناس للاعتكاف مع مواظبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ يقول الإمام الزهري رحمه الله: «عَجَبًا لِلْمُسْلِمِينَ, تَرَكُوا الاعْتِكَاف، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لَمْ يَتْرُكْهُ مُنْذُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ حَتَّى قَبَضَهُ الله». [ذكره الحافظ في فتح الباري (4/285)] .

وفي الاعتكاف من الأسرار ما فيه؛ من صفاءٍ للقلب والروح، وانشغالٍ بالرب جل وعلا، وذكره، وخلوةٍ بالمعبود جل جلاله والأنس به، وانقطاعٍ عن شواغل الدنيا ومشكلاتها،  فإذا كان الصيام وقاية للقلب من مغبَّة الصوارف الشهوانية من فضول الطعام والشراب والنكاح، فإن الاعتكاف ينطوي على سر عظيم وهو حماية العبد من آثار فضول الصحبة وفضول الكلام وفضول النوم وغير ذلك من الصوارف التي تُفرِّق أمر القلب وتفسد اجتماعه على طاعة الله عز وجل.

فلا ينبغي للمسلم العاقل، ولا يليق به أنُ يُفوّت هذه الفرص الثمينة، ولا أنْ يضيِّع تلك المنح الجليلة، فما هي إلا ليالٍ معدودة، وأيامٌ ستنقضي، لكنَّ سعادة الدنيا والآخرة قد تكون فيها، والموفّق من َّوفقه الله عز وجل.

فيا أرباب الذنوب العظيمة!! الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة؛ فما منها عوض ولا وتُستدرك بقيمة؛ فمن يُعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة والمنحة الجسيمة .  

أسأل الله العظيم بفضله ومنِّه وكرمه ألا يحرمنا خير هذه الليالي والأيام المباركة، وألا يخرجنا منها إلا وقد كتب لنا القبول، والعتق من النيران، والفوز بالجنان إنه سبحانه ولي ذلك ومولاه.

 

 أحمد عبد الوهاب سالم

 



لا علاقة للحسن بن علي رضي الله عنه بالقرقيعان

 

بقلم: محمد سالم الخضر

قرقيعان في الكويت والسعودية أو قرقاعون في البحرين أو قرقنقعوه في قطر أو القرنقشوه في عمان أو الماجينة في العراق، هو تقليد سنوي ومناسبة تراثية يحتفل بها في بلدان الخليج العربي حتى اليوم حيث يطوف الأطفال في منتصف شهر رمضان خلال ليالي 13 و14 و15 رمضان ويرددون الأهازيج وتوزع الحلوى عليهم وتختلف الأهازيج بحسب المناطق اختلافاً بسيطاً وتتشابه في المضمون، ويرتدي الأطفال زياً معيناً لهذه المناسبة، والتسمية مشتقة من (كلمة قرقعة) أي إصدار أصوات من مواد صلبة، وهي أصوات الأواني الحديدية التي تحمل الحلويات يضربون بها الأطفال بعضها ببعض.

وبعيداً عن التجاذبات الفقهية الدائرة اليوم بين مؤيد لهذه العادة الشعبية أو رافض لها، فإنه لا بد من التنبيه على أنّ ما أشيع من كون أصل الاحتفال بالقريقعان هو احتفال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بولادة سِبطه (الحسن) رضي الله عنه هو محض كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الإمام الحسن رضي الله عنه.

ولن أقول: إنَّ الأمر لم يثبت برواية صحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أثر عن الصحابة بل سأقول بكل وضوح: إنه لا توجد رواية واحدة ولو ضعيفة أو مكذوبة تذكر مثل هذا الاحتفال، لا في التراث السُني ولا في المذاهب الأخرى.

فهي دعوى عريضة تفتقد إلى أدنى معايير المصداقية، والذي تولى كِبرَها ونشرها بين الناس آثمٌ وداخلٌ بلا ريب في وعيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المروي عنه بالتواتر(1): (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار).

وإني لأعجب أشد العجب من تسليم بعض الفضلاء بهذه المسألة وكأنها حقيقة علمية يقارعون بها من يرى جواز القريقعان، كيف انطلت عليهم هذه الكذبة بكل بساطة؟ وكيف ذهلوا عن الهدف الحقيقي من إثارتها منذ سنتين أو أكثر؟! {يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}(2).

ولو أننا تجاهلنا هذا، وتأملنا الأمر بطريقة أكثر تعقلاً، فإننا نلحظ أنّ ولادة الحسن رضي الله عنه كانت في 15 رمضان، وأيام القريقعان هي 13 و14 و15 من الشهر الفضيل، فهل كان المسلمون يحتفلون بولادة الحسن رضي الله عنه قبل ولادته بيومين؟! أما كان من الأحرى أن يكون هذا الاحتفال المدَّعى أيام 15 و16 و17؟

ثمَّ لماذا أعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الاحتفال بولادة سِبطه الآخر (الحسين) رضي الله عنه، أتراه فَرِح بولادة الحسن ولم يفرح بولادة أخيه الحسين؟ وهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليُفرِّق بين سبطيه الشريفين - رضي الله عنهما- في الفرحة والمعاملة؟!

([1]) صنَّف الحافظ الطبراني رسالة في (طرق حديث من كذب علي متعمداً)، وذكر في رسالته هذه أنَّ الحديث مروي  عن ستين صحابيًا، من نحو (180) طريقًا.

([1]) سورة التوبة آية 47



من معلقات المبرة

( أمهات المؤمنين زوجات سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم  )

أمهات المؤمنين زوجات سيد المرسلين صلى الله عليه و آله و سلم

تشاهد هنا عمود النسب النبوي والتقاء أمهات المؤمنين وزوجات سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم به، ويظهر فيه إحدى عشرة أماً للمؤمنين مرتبات حسب قربهن النََسبي منه، ويلاحظ من سيرتهن:

1- خروج جويرية بنت الحارث المصطلقية؛ لأنها قحطانية(على الأرجح) ، وصفية بنت حيي بن أخطب؛ لأنها من ذرية إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.

2- كلهن توفين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا خديجة (سيدة نساء العالمين)، وزينب بنت خزيمة رضي الله عنهما.

3- كلهن دفن بالبقيع عدا خديجة دفنت بالحجون بمكة، وميمونة رضي الله عنها دفنت بسرف.

4- زينب بنت جحش رضي الله عنها أسرع أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحاقاً به إذ توفيت بعده سنة20 هـ .

كما كانت تشترك معه في النسب من جهة أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

5- لعائشة (2210) حديثاً، ولأم سلمة (378)، ولميمونة (78)، ولأم حبيبة (65)، ولحفصة (60)، ولزينب بنت جحش (11)، ولصفية (10)، ولجويرية (7)، ولسودة (5).

6- عائشة رضي الله عنها كانت البكر الوحيدة بينهن.

7- آخرهن وفاة هي أم سلمة توفيت سنة 61هـ ، كما كانت ميمونة آخر واحدة تزوجها صلى الله عليه وآله وسلم سنة (7) هـ .

هذه أنساب سيداتنا وأمهاتنا أمهات المؤمنين، فقد اشترك شرف نسبهن مع شرف زوجهن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.