حال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في العيد كما رواها الصحابة رضي الله عنهم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد:

فقد شرع الله سبحانه عيدين للمسلمين في كل عام، كل منهما قد أتى بعد عبادة عظيمة جليلة، فعيد الفطر المبارك جاء بعد عبادة جليلة هي الركن الرابع من أركان الإسلام وهي إكمال عدة رمضان فشرع العيد فرحة لإكمال الصيام وإتمام الشهر الكريم، وعيد الأضحى جاء بعد عبادة عظيمة أخرى هي الركن الخامس من أركان الإسلام وهي حج بيت الله الحرام.

هذا العيد الذي يفرح به المسلمون في أقطار الأرض كلها قد شرع الله تعالى له سننا وآداباً تمثلها النبي صلى الله عليه وسلم في يوم العيد، فكان يحافظ عليها ويؤديها شكرا لله على ما أتم من نعمة وعلى ما أرشد الأمة إلى الصراط المستقيم.

وسوف نعرض في هذا الموضوع سلوك النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد، ليقتدي به المسلمون في أعيادهم، فينالوا بذلك الأجر العظيم من الله تبارك وتعالى.

كان صلى الله عليه وسلم يلبس في يومي العيد أفضل ما يجده من الثياب وكان يتجمل ويدهن ويضع العطر فكان لا يُشم إلا طيبا طاهرا عليه الصلاة والسلام.

قال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يلبس لهما (أي للعيدين) أجمل ثيابه وكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يغتسل للعيدين. أخرجه ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة. وابن عمر من أشد الناس تحرياً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يَطعَم، ولا يطعم يوم النحر حتى يذبح.1

وكان صلى الله عليه وسلم يأكل قبل أن يخرج إلى المصلى في عيد الفطر تمرات كما قال أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وتراً. رواه البخاري.

ويأكلهن وتراً: أي واحدة أو ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.. وهكذا.

ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته أنه كان يخرج إلى المصلى ليصلي العيد ولم يرد عنه أنه صلى العيد في المسجد، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: "كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى" رواه البخاري.

ومن السنة الخروج إلى المصلى ماشياً فإن عاد ندب له أن يسير من طريق آخر غير التي أتى منها فعن جابر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم العيد خالف الطريق" رواه البخاري.

وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد ماشيا ويرجع ماشيا.2

وكان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى العيد مكبرا مهللا شاكرا الله على أنعمه، ممتثلاً قول ربه تبارك وتعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (185) سورة البقرة. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من العيدين رافعا صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى، فإذا فرغ رجع على الحذائين حتى يأتي منزله.3

ويبدأ التكبير في عيد الفطر من غروب الشمس ليلة العيد إلى خروج الإمام لقوله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)، وفي الأضحى من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، وقد ثبت عند الدارقطني بسند صحيح "أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ويكبر حتى يأتي الإمام، وقد ورد عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ألفاظ في التكبير من ذلك ما ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يكبر أيام التشريق (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد )، وفي سنن البيهقي بإسناد صحيح أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يكبر " الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد".

ويسن الجهر به للرجال في الطرقات والمساجد والبيوت. وأما النساء فيخفضن أصواتهن به.

وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر.

خروج النساء والصبيان:

يشرع خروج الصبيان والنساء في العيدين للمصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض، لحديث أم عطية قالت: "أمرنا أن نخرج العواتق -أي الجارية البالغة- والحُيَّض في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيّض المصلى" متفق عليه.

وعن ابن عبَّاس قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بَنَاتَهُ وَنِسَاءَهُ أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ.4

وكان صلى الله عليه وسلم يبدأ بالصلاة قبل الخطبة كما في الصحيحين من حديث ابن عمر. وكان يصليها ركعتين يجهر فيهما بالقراءة يقرأ في الأولى بـ(سبح اسم ربك الأعلى) وفي الثانية بـ(هل أتاك حديث الغاشية) كمافي صحيح مسلم من حديث النعمان بن بشير رضى الله عنهما، وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه أنه قرأ في الأولى بـ (ق) وفي الثانية (اقتربت الساعة وانشق القمر).

وكان يكبر قبل القراءة في الأولى سبعاً منهن تكبيرة الإحرام، وفي الثانية ستاً منهن تكبيرة الانتقال يرفع يديه مع كل تكبيره كما ثبت في سنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهو حديث حسن، وفي مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً: أنه كان يكبر في العيد سبعة كبيرات في الأولى مع تكبيرة الافتتاح وفي الثانية ست تكبيرات مع تكبيرة الركعة ".

وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه كما في سنن البيهقي وغيره "أنه يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين، ونحوه عند الطبراني، واحتج به الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العيد من غير أذان ولا إقامة، فعن جابر بن سمرة قال:

لم يكن يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقام له في العيدين.5

وعن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. رواه البخاري.

وعن جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن، فقال: (تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم) فقامت امرأة سفعاء الخدين فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: (لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير)6 قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن.7

ويسن في العيد مايلي:

الاغتسال :

فيسن أن يغتسل قبل الخروج إلى الصلاة، وفي الموطأ أن ابن عمر رضي الله عنهما "كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى" وإسناده صحيح.

التهنئة :

يسن التهنئة بلفظ " تقبل الله منا ومنكم" ونحوها، مما تعارف عليه الناس، فقد صح عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض "تقبل الله منا ومنكم" قال الإمام أحمد عنه: إسناده إسنادجيد.

التنفل بعد صلاة العيد:

من السنة أن يصلي ركعتين بعد صلاة العيد في بيته ، كما ثبت في سنن ابن ماجه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي قبل العيد شيئاً فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين ، قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن.

ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه أنه صلى قبل صلاة العيد شيئاً لكن إن كان الصلاة في مسجد فيشرع له أن يصلي ركعتين تحيةالمسجد.

قال ابن القيم رحمه الله:

"وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكمل الصلاة انصرف فقام مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وينهاهم وإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به. ولم يكن هنالك منبر يرقى عليه ولم يكن يخرج منبر المدينة وإنما كان يخطبهم قائماً على الأرض. قال جابر: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن. متفق عليه.

وقال أبو سعيد الخدري: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول ما يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم... الحديث. رواه مسلم. وذكر أبو سعيد الخدري: أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد فيصلي بالناس ركعتين ثم يسلم فيقف على راحلته مستقبل الناس وهم صفوف جلوس فيقول "تصدقوا" فأكثر من يتصدق النساء بالقرط والخاتم والشيء. فإن كانت له حاجة يريد أن يبعث بعثا يذكره لهم وإلا انصرف.. إلى أن قال ابن القيم:

وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير وإنما روى ابن ماجه في " سننه " عن سعد القرظي مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة ويكثر التكبير في خطبتي العيدين.8وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به. وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين والاستسقاء،  فقيل: يفتتحان بالتكبير، وقيل: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل: يفتتحان بالحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم)9، وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله. ورخص صلى الله عليه وسلم لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة وأن يذهب، ورخص لهم إذا وقع العيد يوم الجمعة أن يجتزئوا بصلاة العيد عن حضور الجمعة"10

 

فهذا بعض ما تيسر جمعه في هدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد، فينبغي للمسلم الذي يرجو الله واليوم الآخر التأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في يوم عيده وأيامه كلها.

نسأل الله بمنه وكرمه أن يرزقنا حبه وحب من يحبه وحب العمل الذي يقرب إليه، وأن يرزقنا حسن العبادة ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم والإخلاص لله رب العالمين..

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش :

1رواه أحمد والترمذي و صححه الألباني.

2رواه ابن ماجه والبيهقي وصححه الألباني.

3رواه البيهقي في شعب الإيمان، وهو حديث حسن، كما في صحيح الجامع (4934).

4رواه أحمد، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2115).

5رواه أحمد، وروى نحوه البخاري ومسلم.

6الشكاة أي الشكاوى، وتكفرن العشير، أي تنكرن معروف الزوج، يقال للزوج عشير، من المعاشرة.

7رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ مسلم.

8- الحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4597) وفي تمام المنة (ص351) وقال: (لا يجوز الاحتجاج به على سنية التكبير في أثناء الخطبة).

9رواه أبو داود وغيره، وقد ضعفه الألباني في مواضع عدة من كتبه.

10زاد المعاد (1/ 425).

 



حالنا  بعد رمضان

بقلم :نور الدين مسعي

 

في الأيّام القليلة الماضية كنّا في شهر رمضان؛ شهر البركات والخيرات، ومضاعفة الأعمال والحسنات؛ نصوم نهاره، ونقوم ليله، ونتقرّب إلى الله سبحانه بفعل الطّاعات، وهجر المباح من الشّهوات، وترك المعاصي والسيّئات؛ ثمّ مضت تلك الأيام الغرر، وبدأنا نجد في نفوسنا شيئا من الفتور والملل، والتّكاسل عن طاعة الله عزّ وجلّ، وبعض النّاس-هداه الله- ربما عاد إلى ما كان عليه من التّقصير والزّلل.

وهذه مشكلةٌ يعاني منها كثيرٌ منّا إن لم يكن جميعنا، والحال أنّه ينبغي على من تخرّج من مدرسة رمضان أن يتخرّج بالتّقوى؛ الّتي لأجلها شرع الصّيام؛ والّتي حقيقتها ألّا يجدك الله حيث نهاك، وألّا يفقدك حيث أمرك، وهذا يقتضي ممّن حفظ جوارحه في رمضان من الذّنوب والآثام، ومن اللّغو والرّفث وفضول الكلام؛ أن يحفظ تلك الجوارح من ذلك في سائر شهور العام، كما يقتضي ممّن تعوّد في رمضان على الصّيام والقيام؛ أن يداوم عليهما في غيره من اللّيالي والأيّام؛ وذلك لأنّ ربّ الشّهور واحد، وهو على أعمالنا مطّلع وشاهد، وهذه الشّهور وتلك الأيّام؛ هي مواقيتُ للأعمال، ومقادير للآجال، وهي تمضي جميعاً، وتنقضي سريعاً، والّذي  أوجدها وابتدعها، وخصّها بالفضائل وأودعها؛ باق لا يزول، ودائم لا يحول، وهو يدعونا إلى عبادته صباح مساء؛ فلنكن من عباده الطّائعين الأتقياء، لا من العصاة الأشقياء؛ فإنّ طاعة الله سبحانه وتعالى وترك معصيته واجبةٌ على الدّوام؛ حتّى نلقى ربّنا بسلام؛ كما قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السّلام: )وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا( [مريم:31].

وقال تعالى : )وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ( [الحجر:99]، واليقين الموت ؛ كما قال سالم بن عبد الله رضي الله عنهما -فيما علّقه البخاريُّ، ووصله عبدُ بن حميد والفريابيُّ-، وروى أحمد في (الزّهد) عن الحسن البصريّ رحمه الله قال: " أيْ قوم! المداومة، والله ما المؤمن الذي يعمل شهراً أو شهرين، أو عاماً أو عامين؛ لاَ والله! ما جعل الله لعمل المؤمن أجلاً دون الموت ".

ألا فالزم يا رعاك الله! ما هداك الله إليه في رمضان من العمل الصّالح، واحذر الرّجوع إلى المخالفات والقبائح؛ فإنّه لا ينبغي للمؤمن أن ينقطع عن صالح العمل إلا بحلول الأجل؛ ولهذا قال صلّى الله عليه وآله وسلّم -كما في الصّحيحين-: (أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)، وكان من هديه عليه الصّلاة والسّلام المداومة على العمل الصّالح في سائر الأيّام؛ ففي (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً).

وهكذا كان النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يحثُّ أصحابه على الثّبات على الطّاعات، والمداومة على فعل القربات؛ في جميع الأزمان وسائر الأوقات؛ ليثقل ميزانهم بالحسنات، ويزدادوا قربا من ربّ الأرض والسّموات؛ ففي الصّحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : (يَا عَبْدَ اللهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ).

وإذا كان هذا الحثُّ منه عليه الصّلاة والسّلام على النّوافل والمستحبّات؛ فكيف بالفرائض والواجبات؟!، وما بالنا عباد الله! نقصّر في طاعة الرّحمن بعد شهر رمضان، ونعمر الأوقات بالذنوب والمنكرات، وننسى تلك الأعمال الصّالحات؛ من صلاة وصيام، وقراءة وقيام، وذكر ودعاء، وتضرّع وبكاء؛ فضلا عن تقصيرنا في المحافظة على الصّلوات في الجماعات، وأداء سائر الفرائض وبقيّة الواجبات؛ فهل هكذا يكون شكر الله عزّ وجلّ على التّوفيق لإكمال الشّهر، وهل هكذا يكون الثّبات على الطّاعة بعد شهر الصّبر؟! وقد كان سلفنا الصّالح تَوْجَل قلوبهم ، وتحزن نفوسهم عندما ينقضي شهر رمضان؛ لأنّهم يخافون ألا يتقبّل منهم عملهم؛ كما قال تعالى: )وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ( [المؤمنون:60]؛ فقد رُوي في (سنن الترمذيّ) عن عائشة زوج النّبيّ رضي الله عنها قالت: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم عَنْ هَذِهِ الآيَةِ )وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ( قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ! وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ).

وبهذا نعلم السّرّ في مداومة السّلف على الدّعاء بعد رمضان ستّة أشهر أن يتقبّل الله منهم عملهم الصّالح في شهرهم؛ كما روى قوام السّنّة الأصبهاني في (الترغيب والتّرهيب) (2/354) عن المعلّى بن الفضل قال: " كانوا يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ويدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم"؛ ولهذا يُروى عن عليٍّ رضي الله عنه أنّه قال: " كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل؛ ألم تسمعوا الله عز وجل يقول : )إنما يتقبل الله من المتقين (".[لطائف المعارف:232].

ألا فالثبات الثبات على طاعة الله وعبادته، مع ترك الذّنوب والسّيّئات، وسائر المحرّمات والشّبهات في جميع الشّهور وسائر الأوقات، وليعظُم وجلُنا وخوفُنا من فاطر الأرض والسّموات، ولنحذر أن نكون بعد شهر رمضان أسوأ الخلق وأدنى البريّات؛ فقد سئل أحد السّلف عن أناس يتعبّدون في رمضان، ويجتهدون فيه، فإذا انسلخ رمضان تركوا؛ فقال: "بئس القوم؛ لا يعرفون لله حقًّا إلا في رمضان!".

وتنبّه أيها العبد الصّالحّ! المجتنب للذّنوب والقبائح؛ من الفتور في الطّاعة والتّواني، بعد الاجتهاد في العبادة والتّفاني، وعليك بالقصد والاعتدال في القول والعمل؛ تصل بذلك إلى رضا الرّبّ عزّ وجلّ، واعلم أنّ لزوم الهدي والسّنّة؛ خير ما يبلّغك في هذه الأيّام إلى رضا الله سبحانه؛ فقد روى الإمام أحمد في (مسنده) والتّرمذيُّ في (سننه) عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: (إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً-أي: نشاط وقوّة- ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ -أي: تراجع وضعف-؛ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ)، وفي رواية التّرمذي قال: (فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا-أي: الفترة- سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلاَ تَعُدُّوهُ) .

 

وإنّ من أعظم ما يثبّت الإنسان على طاعة الله تعالى بعد رمضان؛ أن يعلم بأنّ المؤمن لا تمضي عليه ساعة من السّاعات؛ إلا ولله عليه فيها وظيفة من وظائف الطّاعات، وقد شرع له في سائر الأيام من الطّاعات ما يجعله موصولاً بربّه قريباً منه في جميع الأوقات؛ فما عليك يا رعاك الله! إلا أن تأخذ نفسك بما كانت عليه في رمضان؛ من عمارة المساجد بالمحافظة على الصلوات، وشهود الجمع والجماعات؛ حتّى تفوز بما وعدك الله به في محكم الآيات: )وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( [المؤمنون:9-11].

ولا تنقطع عمّا كنت عليه من بذل المعروف والصّدقات، وذكر الله تعالى في سائر اللّحظات؛ فإنّ الله تعالى قد وعد المتصدّقين والمتصدّقات، والذّاكرين الله كثيراً والذّاكرات؛ مغفرة منه، وأجراً عظيماً.

وداوم على قراءة القرآن مع تدبّره والعمل به ؛ فقد علمت أنّه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة، وقائدا لهم إلى دار الكرامة، وليكن لك في كلّ شهر -على الأقلّ- ختمة؛ كما قال صلّى الله عليه وآله وسلّم - فيما رواه البخاريّ- لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ).

والزم قيام اللّيل ؛ فإنّه دأب الصّالحين ، وفيه مرضاة لربّ العالمين، وفي ثوابه يقول أحكم الحاكمين: )فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( [السجدة:17].

وأتبع صيام رمضان بصيام ستّة أيّام من شوّال؛ يكن ذلك كصيام السنّة كلّها بلا إشكال؛ فقد روى مسلم في (صحيحه) عن أبي أيوب الأنصاريّ رضي الله عنه : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)، وروى الإمام أحمد في(مسنده)، والنّسائيُّ في (سننه الكبرى)-واللفظ له- عن ثوبان رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ؛ فَذَلِكَ صِيَامِ السَّنَةِ).

واعلم بأنّ صيام هذه الأيّام؛ من جملة الشّكر لله على التّوفيق لإكمال شهر الصّيام؛ ولهذا كان بعض السّلف إذا وُفّق لقيام ليلة من اللّيالي؛ أصبح في نهارها صائماً شكراً للباري. وهو علامة من علامات قبول صوم رمضان؛ لأنّ الله تعالى إذا تقبّل عمل عبده؛ وفّقه لعملٍ صالح بعده؛ ولهذا قال بعض السّلف: "إنّ من ثوابِ الحسنةِ الحسنةَ بعدها، وإنّ من ثوابِ السيّئةِ السيّئةَ بعدها"؛ فما أحسن الحسنةَ بعد الحسنةِ تتلوها، وما أقبح السيّئةَ بعد الحسنة تمحقها وتعفوها. كما أنّ صيام هذه الأيّام بالنّسبة لرمضان؛ كالسّنن الرّواتب بالنسبة للصّلوات؛ يستكمل بها ما وقع فيها من نقصان، وأكثر النّاس لا يخلو صومه من نقص أو خلل؛ فيحتاج إلى ما يجبره من صالح العمل.

وهكذا؛ فإنّ عمل المؤمن متّصلٌ بعد رمضان؛ لأنّه مأمورٌ بطاعة ربّه في كلِّ آن؛ بما شرع له الرّحمن من خصال البرّ والإحسان، وبما نهاه عنه وحذّره منه من موجبات الخزي والحرمان؛ من الفسق والفجور والعصيان؛ الموجبات لدخول النيران، والحرمان من سكنى الجنان.

فاتّق الله يا عبد الله! ، وداوم على صالح العمل حتّى يحضرك الأجل ؛ وليكن لسان حالك كما قال ذاك الرّجل الصّالح من سلفك: "صم الدّنيا، واجعل فطرك الموت".

وذلك لأنّ الدّنيا شهر صيام المتّقين؛ يصومون فيها عن الشّهوات والمحرّمات، ويكفّون جوارحهم عن المعاصي والسّيّئات؛ فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم، واستهلوا عيد فطرهم.

قال الحافظُ ابن رجب الحنبليّ رحمه الله في (لطائف المعارف ) (1 / 158): "من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته، و شاهد ذلك قوله تعالى : )أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا( [الأحقاف:20] الآية، وقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ)  [رواه النسائي في الكبرى وغيره؛ بتقديم وتأخير، ، وجملة الخمر في الصّحيحين]". 

 

فاللّهمّ تقبّل منّا صيام رمضان، وثبّت قلوبنا على طاعتك في سائر شهور العام، واختم لنا بالباقيات الصّالحات؛ يا ذا الجلال والإكرام...آمين.

 

 



تتقدم لكم مبرة الآل والأصحاب

بأحر التهاني وأطيب الأماني بمناسبة

عيد الفطر المبارك

أعاده الله عليكم بالخير واليمن والبركات

فكل عام وأنتم بخير



جديد إصدارات المبرة في سلسلة

( ذرية آل البيت الأطهار )

 

  1.  ( أعلام الشافعية من أهل البيت )

المؤلف : بسام عبدالكريم الحمزاوي

مراجعة وتنقيح مركز البحوث والدراسات

 albayet-002.jpg

 

  1.  ( أعلام الحنفية من أهل البيت )

المؤلف : محمد وائل الحنبلي

مراجعة وتنقيح مركز البحوث والدراسات

 albayet-003.jpg

 

  1.  ( أعلام المالكية من أهل البيت )

    المؤلف رزق محمد عبدالعليم

    مراجعة وتنقيح مركز البحوث والدراسات

     albayet-001.jpg

     

  2. قريباً ( أعلام الحنابلة من أهل البيت )

    المؤلف محمد يوسف المزيني

    مراجعة وتنقيح مركز البحوث والدراسات

albayet-004.jpg