من آل بيت النبوة 

أُسَامَةُ بنُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ بنِ شَرَاحِيْلَ

مولى رسول الله

ابْنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ امْرِئِ القَيْسِ المَوْلَى، الأَمِيْرُ الكَبِيْرُ.

حِبُّ رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- وَمَوْلاَهُ، وَابْنُ مَوْلاَهُ.

أَبُو زَيْدٍ.وَيُقَالُ: أَبُو مُحَمَّدٍ.وَيُقَالُ: أَبُو حَارِثَةَ.وَقِيْلَ: أَبُو يَزِيْدَ.

اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- عَلَى جَيْشٍ لِغَزْوِ الشَّامِ، وَفِي الجَيْشِ عُمَرُ وَالكِبَارُ؛ فَلَمْ يَسِرْ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ -؛ فَبَادَرَ الصِّدِّيْقُ بِبَعْثِهِمْ.

وَقِيْلَ: إِنَّهُ شَهِدَ يَوْمَ مُؤْتَةَ مَعَ وَالِدِهِ، وَقَدْ سَكَنَ المِزَّةَ مُدَّةً؛ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى المَدِيْنَةِ، فَمَاتَ بِهَا.

وَقِيْلَ: مَاتَ بِوَادِي القُرَى.

ثَبَتَ عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- يَأْخُذُنِي وَالحَسَنَ، فَيَقُوْلُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا، فَأَحِبَّهُمَا).

وقد كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الحَسَنِ بِأَزْيَدَ مِنْ عَشْرِ سِنِيْنَ.

وَكَانَ شَدِيْدَ السَّوَادِ، خَفِيْفَ الرُّوْحِ، شُجَاعاً، رَبَّاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَحَبَّهُ كَثِيْراً.

وَهُوَ ابْنُ حَاضِنَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ -: أُمِّ أَيْمَنَ، وَكَانَ أَبُوْهُ أَبْيَضَ، وَقَدْ فَرِحَ لَهُ رَسُوْلُ اللهِ بِقَوْلِ مُجَزِّزٍ المُدْلِجِيِّ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.

وَرَوَى: مُغِيْرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يُبْغِضَ أُسَامَةَ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُوْلُ: (مَنْ كَانَ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ، فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ).

وَقَالَتْ عَائِشَةُ فِي شَأْنِ المَخْزُوْمِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا:

مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ يُكَلِّمُهُ فِيْهَا إِلاَّ أُسَامَةُ؛ حِبُّ رَسُوْل اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ -.

  • بين عمر وأسامة

    قَالَ زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ: عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: فَرَضَ عُمَرُ لأُسَامَةَ ثَلاَثَةَ آلاَفٍ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَفَرَضَ لابْنِهِ عَبْدِ اللهِ ثَلاَثَةَ آلاَفٍ.

    فَقَالَ: لِمَ فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ، فَوَاللهِ مَا سَبَقَنِي إِلَى مَشْهَدٍ؟

    قَالَ: لأَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ مِنْ أَبِيْكَ، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْكَ؛ فَآثَرْتُ حُبَّ رَسُوْلِ اللهِ عَلَى حُبِّي.حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.

    وعَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ لَمْ يَلْقَ أُسَامَةَ قَطُّ إِلاَّ قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الأَمِيْرُ وَرَحْمَةُ اللهِ! تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - وَأَنْتَ عَلَيَّ أَمِيْرٌ.

    قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّرَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- أُسَامَةَ، فَطَعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ؛ فَقَالَ: (إِنْ يَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ، فَقَدْ طَعَنُوا فِي إِمَارَةِ أَبِيْهِ، وَايْمُ اللهِ، إِنْ كَانَ لَخَلِيْقاً لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ ابْنَهُ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ).

    لَمَّا أَمَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ الجَيْشِ، كَانَ عُمُرُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.

    وعن عروة : أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَّرَ الإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَةَ مِنْ أَجْلِ أُسَامَةَ يَنْتَظِرُهُ، فَجَاءَ غُلاَمٌ أَسْوَدُ، أَفْطَسُ، فَقَالَ أَهْلُ اليَمَنِ: إِنَّمَا جَلَسْنَا لِهَذَا!

    فَلِذَلِكَ ارْتَدُّوا -يَعْنِي: أَيَّامَ الرِّدَّةِ-.

  • من مظاهر حب النبي لأسامة

    عن عَائِشَةُ رضي الله عنها، قَالَتْ : أَرَادَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- أَنْ يَمْسَحَ مُخَاطَ أُسَامَةَ، فَقُلْتُ: دَعْنِي حَتَّى أَكُوْنَ أَنَا الَّتِي أَفْعَلُ.فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ، أَحِبِّيْهِ، فَإِنِّي أُحِبُّهُ).

    وعنها رضي الله عنها قالت أَمَرَنِي رَسُوْلُ اللهِ أَنْ أَغْسِلَ وَجْهَ أُسَامَةَ وَهُوَ صَبِيٌّ.

    قَالَتْ: وَمَا وَلِدْتُ، وَلاَ أَعْرِفُ كَيْفَ يُغْسَلُ الصِّبْيَانُ، فَآخُذُهُ، فَأَغْسِلُهُ غَسْلاً لَيْسَ بِذَاكَ.

    قَالَتْ: فَأَخَذَهُ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ وَجْهَهُ، وَيَقُوْلُ: (لَقَدْ أَحْسَنَ بِنَا أُسَامَةُ إِذْ لَمْ يَكُنْ جَارِيَةً، وَلو كُنْتَ جَارِيَةً لَحَلَّيْتُكَ، وَأَعْطَيْتُكَ).

    وَفِي (المُسْنَدِ): عَنِ البَهِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ: (لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةً لَكَسَوْتُهُ، وَحَلَّيْتُهُ حَتَّى أُنْفِقَهُ).

    وَقَالَ قَيْسُ بنُ أَبِي حَازِمٍ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ حِيْنَ بَلَغَهُ أَنَّ الرَّايَةَ صَارَتْ إِلَى خَالِدٍ، قَالَ: (فَهَلاَّ إِلَى رَجُلٍ قُتِلَ أَبُوْهُ؟)

    يَعْنِي: أُسَامَةَ.

    وعَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي جَهْمٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا...، الحَدِيْثَ.

    فَلَمَّا حَلَّتْ، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ -: (هَلْ ذَكَرَكِ أَحَدٌ؟).

    قَالَتْ: نَعَمْ، مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو الجَهْمِ.

    فَقَالَ: ( أَمَّا أَبُو الجَهْمِ فَشَدِيْدُ الخُلُقِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوْكٌ، لاَ مَالَ لَهُ، وَلَكِنْ أُنْكِحُكِ أُسَامَةَ؟ ) (صلعوك) بضم الصاد أي فقير.

    فَقُلْتُ: أُسَامَةُ! - تَهَاوُناً بِأَمْرِ أُسَامَةَ - ثُمَّ قُلْتُ: سَمْعاً وَطَاعَةً للهِ وَلِرَسُوْلِهِ، فَزَوَّجَنِيْهِ، فَكَرَّمَنِي اللهُ بِأَبِي زَيْدٍ، وَشَرَّفَنِي اللهُ، وَرَفَعَنِي بِهِ.

    وقَالَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأَنْ تَخْطَفَنِي الطَّيْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَبْدَأَ بِشَيْءٍ قَبْلَ أَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

    فَبَعَثَ أُسَامَةَ، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي عُمَرَ أَنْ يَتْرُكَهُ عِنْدَهُ.

    قَالَ: فَلَمَّا بَلَغُوا الشَّامَ، أَصَابَتْهُمْ ضَبَابَةٌ شَدِيْدَةٌ، فَسَتَرَتْهُمْ حَتَّى أَغَارُوا، وَأَصَابُوا حَاجَتَهُمْ.

    فَقَدِمَ عَلَى هِرَقْلَ مَوْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- وَإغَارَةُ أُسَامَةَ عَلَى أَرْضِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

    فَقَالَتِ الرُّوْمُ: مَا بَالُ هَؤُلاَءِ يَمُوْتُ صَاحِبُهُمْ وَأَنْ أَغَارُوا عَلَى أَرْضِنَا!

    وعَنْ مُحَمَّدِ بنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- هَبَطْتُ، وَهَبَطَ النَّاسُ المَدِيْنَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَصْمَتَ فَلاَ يَتَكَلَّمُ، فَجَعَلَ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيَّ، ثُمَّ يَرْفَعُهُمَا؛ فَأَعْرِفُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي.

    أَحْمَدُ فِي (مُسْنَدِهِ): عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُسَامَةَ عَثَرَ بِأُسْكُفَةِ البَابِ، فَشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - يَمُصُّهُ، ثُمَّ يَمُجُّهُ، وَقَالَ: (لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةً لَكَسَوْتُهُ، وَحَلَّيْتُهُ حَتَّى أُنْفِقَهُ).

    وعَنْ جَبَلَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - إِذَا لَمْ يَغْزُ أَعْطَى سِلاَحَهُ عَلِيّاً أَوْ أُسَامَةَ.

    وعَنْ يَزِيْدَ بنِ عِيَاضٍ، قَالَ : أَهْدَى حَكِيْمُ بنُ حِزَامٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - فِي الهُدْنَةِ حُلَّةَ ذِي يَزَنٍ، اشْتَرَاهَا بِثَلاَثِ مائَةِ دِيْنَارٍ، فَرَدَّهَا، وَقَالَ: (لاَ أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ).

    فَبَاعَهَا حَكِيْمٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - مَنِ اشْتَرَاهَا لَهُ.

    فَلَبِسَهَا رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمَّا رَآهُ حَكِيْمٌ فِيْهَا، قَالَ:

    مَا يَنْظُرُ الحُكَّامُ بِالفَصْلِ بَعْدَ مَا                بَدَا سَابِقٌ ذُوْ غُرَّةٍ وَحُجُوْلُ

    فَكَسَاهَا رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ.

    فَرَآهَا عَلَيْهِ حَكِيْمٌ، فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ يَا أُسَامَة! عَلَيْكَ حُلَّةُ ذِي يَزَنٍ!

    فَقَالَ لَهُ رَسُوْلُ اللهِ: (قُلْ لَهُ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَبِي خَيْرٌ مِنْ أَبِيْهِ).

    والزُّهْرِيِّ، قَالَ: لَقِيَ عَلِيٌّ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، فَقَالَ: مَا كُنَّا نَعُدُّكَ إِلاَّ مِنْ أَنْفُسِنَا يَا أُسَامَةُ، فَلِمَ لاَ تَدْخُلُ مَعَنَا؟

    قَالَ: يَا أَبَا حَسَنٍ، إِنَّكَ -وَاللهِ- لَوْ أَخَذْتَ بِمِشْفَرِ الأَسَدِ، لأَخَذْتُ بِمِشْفَرِهِ الآخَرَ مَعَكَ، حَتَّى نَهْلِكَ جَمِيْعاً، أَوْ نَحْيَا جَمِيْعاً؛ فَأَمَّا هَذَا الأَمْرُ الَّذِي أَنْتَ فِيْهِ، فَوَاللهِ لاَ أَدْخُلُ فِيْهِ أَبَداً.

    وعن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، قَالَ: أَدْرَكْتُ رَجُلاً أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا شَهَرْنَا عَلَيْهِ السَّيْفَ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.

    فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ، حَتَّى قَتَلْنَاهُ.

    فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَاهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: (يَا أُسَامَةُ ! مَنْ لَكَ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؟).

    فَقُلْنَا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذاً مِنَ القَتْلِ.

    قَالَ: (مَنْ لَكَ يَا أُسَامَةُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؟).

    فَمَا زَالَ يُرَدِّدُهَا، حَتَّى لَوَدِدْتُ أَنَّ مَا مَضَى مِنْ إِسْلاَمِي لَمْ يَكُنْ، وَأَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، وَلَمْ أَقْتُلْهُ.

    فَقُلْتُ: إِنِّي أُعْطِي اللهَ عَهْداً أَلاَّ أَقْتُلَ رَجُلاً يَقُوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، أَبَداً.

    فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ-: (بَعْدِي يَا أُسَامَةُ؟).

    قَالَ: بَعْدَكَ.

    وعن مَوْلَى أُسَامَةَ قَالَ: كَانَ أُسَامَةُ يَرْكُبُ إِلَى مَالٍ لَهُ بِوَادِي القُرَى، فَيَصُوْمُ الاثْنَيْنَ وَالخَمِيْسَ فِي الطَّرِيْقِ.

    فَقُلْتُ لَهُ: تَصُوْمُ الاثنِيْنَ وَالخَمِيْسَ فِي السَّفَرِ، وَقَدْ كَبِرْتَ، وَضَعُفْتَ، أَوْ رَقَقْتَ!

    فَقَالَ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُوْمُ الاثنِيْنَ وَالخَمِيْسَ، وَقَالَ: (إِنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثنِيْنِ وَالخَمِيْسِ).

    وعن أُسَامَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَصُومُ شَهْراً مِنَ السَّنَةِ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (أَيْنَ أَنْتَ عَنْ شَوَّالٍ !).

    فَكَانَ أُسَامَةُ إِذَا أَفْطَرَ، أَصْبَحَ الغَدَ صَائِماً مِنْ شَوَّالٍ، حَتَّى يُتِمَّ عَلَى آخِرِهِ.

    لَهُ فِي (مُسْنَدِ بَقِيٍّ): مائَةٌ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيْثاً، مِنْهَا فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِي البُخَارِيِّ: حَدِيْثٌ، وَفِي مُسْلِمٍ: حَدِيْثَانِ.

    قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَاتَ أُسَامَةُ بِالجُرْفِ.

    وَعنِ المَقْبُرِيِّ، قَالَ:

    شَهِدْتُ جِنَازَةَ أُسَامَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: عَجِّلُوا بِحِبِّ رَسُوْلِ اللهِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.



حياء الأصحاب رضي الله عنهم

 

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - : (( إن الله تعالى حيي ستير يحب الحياء والستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر )) 

الحياء خلق يبعث على ترك القبائح ، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق ، وعلى حسب حياة القلب ، يكون خلق الحياء .

ومن عظيم صفات ربنا سبحانه الموصوف بأوصاف الجمال ، والمنعوت بنعوت الجلال أنه حيي كريم .

روى البهقي في السنن الكبرى: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله  وسلم - : (( إن الله حيي كريم ، يستحي أن يرفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين )).1

وفي " سنن أبي داود " من حديث يعلى بن أمية – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - : (( إن الله تعالى حيي ستير يحب الحياء والستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر )) . 2

قال ابن القيم – رحمه الله - : (( وأما حياء الرب تعالى من عبده ، فذاك نوع آخر ، لا تدركه الأفهام ، ولا تكيفه العقول ، فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال ، فإنه – تبارك وتعالى – حيي كريم ، يستحي من عبده أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام )) أ.هـ 3

فالله - سبحانه - مع كمال غناه عن خلقه ، من كرمه يستحي من هتك العاصي ، وفضيحته ، وإحلال العقوبة به ، فيقيض له أسباب الستر ، ويعفو عنه ، ويغفر له ، ويتحبب إليه بالنعم ، ويستحيي ممن مد إليه يديه سائلاً ، متذللاً أن يردهما خائبتين .

يا خجلة العبد من إحسان سيده                    يا حسرة القلب من ألطاف معناه

فكم أسأت وبالإحسان قابلني             وأخجلني وا حيائي حين ألقاه

يا نفس كم بخفي اللطف عاملني                  وقد رآني على ما ليس يرضاه

يا نفس كم زلة زلت بها قدمي           وما أقال عثاري ثم إلا هو

يا نفس توبي إلى مولاك واجتهدي               وصابري فيه إيقانا برؤياه

ومن استحيا من الناس أن يروه بقبيح دعاه ذلك إلى أن يكون حياؤه من ربه أشد ، فلا يضيع فريضة ، ولا يرتكب خطيئة ، لعلمه بأن الله يرى ، وأنه لابد أن يقرره يوم القيامة على ما عمله ، فيخجل ويستحي من ربه .

روى أحمد في " المسند " عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال : (( استحيوا من الله حق الحياء )) قالوا : فإنا نستحيي يا رسول الله . قال : (( ليس ذاكم ، ولكن من استحي من الله حق الحياء ، فليحفظ الرأس وما وعى ، وليحفظ البطن وما حوى ، وليتذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك قد استحيا من الله حق الحياء )) . 4

وقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – آية في الحياء ، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : (( كان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أشد حياء من العذراء في خدرها ، فإذا رأى شيئا كرهه ، عرفناه في وجهه )) . 5

وانظر إلى حيائه – صلى الله عليه وسلم – مع ربه ، ففي " صحيح البخاري " عن مالك بن صعصعة – رضي الله عنه – في خبر فريضة الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج ، وتردد النبي – صلى الله عليه وسلم – بين ربه ، وموسى – عليه السلام - ، ليسأل ربه التخفيف في الصلاة حتى جعلها الله خمساً ، فقال له موسى – عليه السلام - : (( ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك )) قال : (( سألت ربي حتى استحييت ، ولكن أرضى وأسلم )) . 6

قال أبو دهبل الجمحي يمدح رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - :

إن البيوت معادن فنجاره                           ذهب وكل بيوته ضخم

عقم النساء فلم يلدن شبيهه               إن النساء بمثله عقم

متهلل بـ ط نعم " ، بـ "لا" متباعد      سيان منه الوفر والعدم

نزر الكلام من الحياء تخاله                       سقما وليس بجسمه سقم 7

ولقد أدب الرسول – صلى الله عليه وسلم – آله وأصحابه – رضوان الله عليهم – خير أدب ، فكانوا أعظم الناس حياءً بعد الأنبياء والرسل – عليهم السلام - .

كانوا يستحيون من الله حق الحياء ، فكفوا عن الحرام ، وحفظوا سرائرهم كحفظهم علانيتهم .

وكانوا يستحيون من الرسول – صلى الله عليه وسلم – فكانوا لا يرمونه بأبصارهم ، ولا يديمون النظر له في وجهه إجلالاً له .

وكانوا يستحيون فيما بينهم حتى ضربوا أروع الأمثلة في جمال الأدب وبهاء الأخلاق وسلامة الظاهر ونقاء السرائر.

إن الحياء من الإيمان جاء به            لفظ النبي وخير كله فيه

فليتصف كل من يرى مشاهده                    وليس يعرف هذا غير منتبه

مستيقظ غير نوام ولا كسل              مراقب قلبه لدى تقلبه

إن الحييّ من أسماء الله وقد              جاء التخلق من بالأسماء فاخطبه

 

عثمان بن عفان رضي الله عنه - :

عن عائشة – رضي الله عنها - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيتي ، كاشفا عن فخذيه . أو ساقيه . فاستأذن أبو بكر فأذن له . وهو على تلك الحال . فتحدث . ثم استأذن عمر فأذن له . وهو كذلك . فتحدث . ثم استأذن عثمان . فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وسوى ثيابه - قال محمد : ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث . فلما خرج قالت عائشة : دخل أبو بكر فلم تهتش له . ولم تباله . ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله . ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك ! فقال " ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"8

عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - :

أتى عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: إني لا أحب أن ترى امرأتي قال محمد بن يزيد " عريتي" وقال يعلى بن عبيد" عورتي" قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ولم؟ قال: أستحيى من ذلك وأكرهه , قال : " إن الله جعلها لك لباساً وجعلك لها لباساً وأهلي يرون عورتي وأنا أرى ذلك منهم " , قال : أنت تفعل ذلك يا رسول الله ؟ قال : "نعم " , قال: فمن بعدك , فلما أدبر قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وٍسلم - " إن ابن مظعون لحييُ ستيرُ " .9

 

أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - :

قال أبو موسى - رضي الله عنه - : إني لأغتسل في البيت المظلم , فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي ؛ حياء من ربيّ عزّ وجل ّ . 10

 

 الأشج بن عبد قيس - رضي الله عنه - :

وأخرج ابن أبي شيبة عن أشج عبد القيس - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - :

 " إن فيك لَخُلُقَيْنِ يحبهما الله " , قلت : ما هما ؟ قال: "الحلم والحياء ", قلت: قديماً كانا أو حديثاً ؟ قال : " لا بل قديماً , قلت : الحمد لله الذي جبلني على خُلقين يحبهما الله . 11

بمثل هذه الروائع ومثلها جملت أخلاق الآل والأصحاب ، فإن الحياء من أحسن ما تزين به العبد من حلة ، ولذا كان محبوباً عند العرب في رجالهم ونسائهم ، فإذا رأوا انتهاكاً له ، وعبثاً به وبغيره ذموا صاحبه ؛ لأنهما ستار واق من الانغماس في الرذيلة ، والشين .

ولم يكن حياء هؤلاء النبلاء في علاقتهم مع الخلق فحسب ، بل تعدى ذلك إلى حيائهم من خالقهم ، وسيدهم ، ومولاهم – جل في علاه - .

وهل يجمل الحياء إلاّ من الله ؟!

إنهم وهم في خلواتهم يحققون معنى الحياء من الله – تعالى - ، فمن كان هذا حياؤه من ربه ، فكيف حياؤه من البشر ؟!

أليس كثيراً من أبناء هذا الزمان بحاجة إلى الاتصاف بهذه الصفة ، والاقتداء بهؤلاء السلف في زمن غاب عند البعض مفهوم الحياء ، ومعنى المروءة ، وشاع الاتصاف برذائل الأخلاق ، والانشغال بسفاسف الأمور .

نسأل الله الصلاح ، والتوفيق لنا ولهم . اللهم آمين .

 

 

الهوامش :

[1] رواه البيهقي في الكبرى: ح(2965).

2 رواه أبو داود في السنن: ح(4012) وصححه الألباني.

3 مدارج السالكين 2/261 .

4  رواه أحمد : ح(3671) ورواه الترمذي في السنن: ح(2458) وحسنه الألباني.

5 رواه البخاري(6102)، ومسلم  (2320 ).

6 رواه البخاري ( 4653 )، ومسلم ( 162 ).

7 ديوان الحماسة لأبي تمام 2/524 .

8 رواه مسلم ( 2401 ).

9 رواه ابن سعد3/287.

10 رواه ابن سعد 4/84.

11 رواه البخاري في الأدب المفرد: ح(584) وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد: صحيح.

 

 

 



شيء من محبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

 

* أبو بكر الصديق رضي الله عنه - :

عن أنس – رضي الله عنه – قال : توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأصبح أبو بكر – رضي الله عنه – يرى الناس يترامسون , فأمر غلامه يستمع ثم يخبره . فقال : سمعتهم يقولون : مات محمد , فأشتد أبو بكر وهو يقول : و انقطاع ظهري , فما بلغ المسجد حتى ظنوا أنه لم يبلغ . 1

ومن أعظم الدلائل على محبة الصديق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما حدث يوم الهجرة، فقد روى الحاكم في المستدرك بسنده إلى محمد بن سيرين قال:

محمد بن سرين : قال : ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما قال : فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال : و الله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر و ليوم من أبي بكر خير من آل عمر لقد خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم لينطلق إلى الغار و معه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه و ساعة خلفه حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي و ساعة خلفي ؟ فقال : يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال : يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني قال : نعم و الذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من ملمة إلا أن تكون بي دونك فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر : مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار فدخل و استبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الحجرة فقال : مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الحجرة فدخل واستبرئ ثم قال : انزل يا رسول الله فنزل فقال عمر : والذي نفسي لتلك الليلة خير من آل عمر.2

الهوامش :

[1] كذا في الكنز 7/388، ح(18738) .

2 رواه الحاكم في المستدرك: ح(4268) هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين لولا إرسال فيه ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: صحيح مرسل.



من شعر الآل والأصحاب

 

أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب رضي الله عنه - :

أبو سفيان شاعر , هجا النبي – صلى الله عليه وسلم - في بداية الدعوة ثم أسلم يوم فتح مكة وحسن إسلامه . توفي سنة ( 20 هـ ) وصلى عليه عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - .

قال يبكي النبي – صلى الله عليه وسلم - :

 

أرقت فبات ليلي لا يزول                             وليل أخي المصيبة فيه طول

وأسعدني البكاء وذاك فيما                                أصيب المسلمون به قليل

فقد عظمت مصيبته وجلت                            عشية قيل : قد قبض الرسول

وتصبح أرضنا مما عراها                                  تكاد بنا جوانبها تميل

فقدنا الوحي والتنزيل فينا                                   يروح به ويغدو جبرئيل

وذاك أحق ما سالت عليه                           نفوس الناس أو كادت تسيل

نبي كان يجلو الشك عنا                                 بما يوحى إليه وما يقول

ويهدينا فلا نخشى ضلالا                                 علينا والرسول لنا دليل

فلم نر مثله في الناس حيا                         وليس له من الموتى عديل . [1]

 



[1] أسد الغابة 6/143

 



حمل الآن كتاب

إني رزقت حبها " السيرة العطرة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها "

إعداد: محمد سالم الخضر - رئيس مركز البحوث والدراسات بالمبرة

 

عن طريق ( QRcode)

فقط حمل برنامج أو تطبيق على جوالك يقوم بقراءة هذا الكود وكشف المعلومات المخزنة به
فقط تدخل على سوق البرامج الخاص بجوالك ( نوكيا - جلاكسي - ايفون - البلاك بيري ) ثم ثبته جهازك .