احبب من شئت فإنك مفارقه

 بقلم : محمد سالم الخضر

 

 

شهدت في مقبرة الصليبخات إحدى الجنازات، وكنت أرى الرمال وهي تتدفق على القبر تدفق الماء، مشهدٌ يُلهمك معاني عظيمة يعجز اللسان أحياناً عن التعبير عنها بأحسن العبارة.

وتذكرت حينها وأنا أحدِّق بتلك الرمال التي غطت القبر، وبالناس الذين يحثون ذاك التراب، أهذه نهاية كل واحد منا؟

وتذكرت مقولة الفاروق عمر رضي الله عنه: (هذه دُنياكم التي تبكون عليها وتحرصون عليها) (1).

وما هي إلا سويعات حتى بلغني خبر وفاة أخي ورفيق دربي في الدعوة إلى الله تعالى (أبو حسين العازمي)، لنصلي عليه في (مقبرة صبحان) ويتكرر المشهد ذاته.

حكم المنية في البرية جاري    *    ما هـذه الدنيا بدار قرار

بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا * حتى يُرى خبرًا من الأخبار

وعند هذا الجبل الأشم الراسي أقف حائراً من أين أبدأ وبماذا يُمكن أن أبوح.

في سنة 1998م تقريباً تعرفت على أبي حسين، كنت أبحث حينها عن مهتم بتراث الآل والأصحاب، فيه خصلتان:

الأولى: أن يكون عاقلاً متزناً، لم تستخفه الطائفية أو يتدثَّرُ بدِثار أهل الجاهلية في عصبياتهم.

الثانية: أن تكون قضية (الآل والأصحاب) قضيته، ومشروعه الرئيس.

فلا والله لم أرَ في حياتي في الكويت ولا في غيرها رجلًا تحققت فيه هاتان الخصلتان كأبي حسين رحمه الله.

ولعلي لا أستثني من هذا أحداً سوى د.عبد المحسن الجارالله الخرافي حفظه الله، على ما عَلِمت منه وشَهِدت.

وكان محمد العازمي مع هذا أسبقنا جميعاً، وأكثرنا نشاطاً في الكويت وخارجها.

لعمرك ما الرزية فقد مال * ولا شاة تموت ولا بعير

ولكن الرزية فقد شـهمٍ   *  يموت بموته بشـرٌ كثير

كان محمد العازمي ممن أحيى سُنة التسمي بأسماء أهل البيت والصحابة الكرام، فله من الأولاد بالترتيب: حسين (1993م)، وعلي (1995م)، وحسن (1996م)، وفاطمة الزهراء (1998م)، حتى إني كنت أمازحه وأقول له: جمعت أهل الكساء كلهم.

وله أيضاً: عمر (1999م)، وعثمان (2001م)، وعبد الله -وكان يعني به أبا بكر- (2006م)، وعبد المحسن (2010م)-سمَّاه بهذا الاسم تحبباً في مؤسس المبرة د.عبد المحسن الجارالله الخرافي-.

وأبو حسين العازمي هو أحد مؤسسي مبرتنا (مبرة الآل والأصحاب) وعضو مجلس إدارتها، والمشرف على مشروع ترجمة كتب المبرة إلى اللغات العالمية.

ساهم في نشر رسالة المبرة في السعودية والبحرين وقطر والإمارات والأردن وسوريا ولبنان ومصر وتركيا واليمن والسودان وتايلند وأندونيسيا وطاجكستان وغيرها.

وكان ينفق من ماله على هذه الرحلات، محتسباً في ذلك الأجر والثواب.

ولمَّا فقدناه لاحظنا كمَّ الاتصالات والرسائل والاهتمام الكبير به من خارج الكويت.

عرفته كريم النفس، حُلو المعشر، صاحب دُعابة مع رزانة وتصوِّنٍ وعفَّة لسان.

من عرفه لا يملك إلا أن يُحبه، ولا أعرف له مبغضاً من أهل الخير، لحرصه على الخير لكل الناس.

كان يكره الاختلاف، وينبذ التعصب، يعمل ولا يحب الالتفات إلى المثبطين.

قاعدته في الحياة: انظر إلى المشروع ولا تنظر إلى المناهج والأفراد.

آثر أن يعيش بعيداً عن صخب الإعلام وحب الظهور، لا يعرفه كثيرٌ من الناس لكن الله تعالى يعرفه، أسدٌ قلَّ أن يأتي الزمانُ بمثله.

 

آثاره تنبيك عَن أخباره    ...      حَتَّى كَأَنَّك بالعيان ترَاهُ

تالله لَا يَأْتِي الزَّمَان بِمثلِهِ ... أبداً وَلَا يحمي الثغور سواه

ومن الناس من يموت فتنطفئ شمعته، ومنهم من يموت فتبقى آثاره حيَّة تنطق باسمه.

رحم الله تعالى فقيدنا الحبيب ... تدمع العين ويحزن القلب وإنا لفراقك يا أبا حسين لمحزونون، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا عزَّ وجل.

«أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ»(2).

الهوامش :

([1]) رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (297) وأحمد في الزهد (616) وأبو نعيم في حلية الأولياء: 1/48 وابن بشران في الأمالي (1218).

(2) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء: 3/202 والبيهقي في شعب الإيمان (10058).



من المعلقات التي حرص فقيد المبرة على نشرها وترجمتها إلى عشرات اللغات

بوستر ( ولدني أبو بكر الصديق مرتين )

 مقولة الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه “ولدني أبو بكر الصديق مرتين” 

 



 

الجامع في بيته : أصحاب الكساء والخلفاء الراشدين

 

أي هوية أرقى واسمى من الهوية التي اختارها لبيته ؟ أي عطر وشذى اختاره ليفوح في رحاب داره أكثر من أن يجمع أسماء أصحاب الكساء والخلفاء الراشدين في بيته ؟

ولك أن تتأمل عزيزي القارئ هذا العشق العجيب لآل البيت والصحابة الأطهار الأخيار  رضي الله عنهم وأرضاهم.

اسمه محمد ، وسمى ابنه البكر "حسيناً" عام 1993 ثم ثنى باسم "علي" لأبنه الثاني عام 1995 ، ثم ثلث "بحسن" اسما لابنه الثالث عام 1996، ثم أكمل أصحاب الكساء الخمسة باسم " فاطمة الزهراء" عام 1998، ويا سبحان الله لقد آتاه الله من البنين والبنات ما أكمل المنظومة التي عشقها وكأنه هو الذي يختار من الذكور أو الاناث ما يحقق أمانيه، ولعل هذا من إكرام الله سبحانه له وعلمه بحسن نيته وجميل مقصده.

وليعرف القارئ الكريم من يمثل هؤلاء الخمسة أقول أن أصحاب الكساء هم المصطفى محمد وابنته فاطمة الزهراء وزوجها علي وابناهما الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة الذين أدخلهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم تحت ردائه ثم تلى قول الله تعالى في سورة الأحزاب:

{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً }.

وبعد أن أدرك صبابته من هذه الأسماء هل عاد الى الأسماء التي درج عليها أهل بيئته مثل حمد وسعد وفهد... الخ ؟.

 لا والله . لقد بدأ بأسماء أصحاب الكساء ثم ثنى بأسماء الخلفاء الراشدين الذين قال فيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: " [خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم .. الحديث] فسمى أبناءه التالين : عمر عام 1999، ثم عثمان عام 2001، ثم عبدالله ( وهو أبو بكر الصديق الذي اسمه الفعلي عبدالله بن أبي قحافة ولقبه أبو بكر الصديق ) عام 2006.

وهكذا جمع أسماء أصحاب الكساء والخلفاء الراشدين في بيته ، فأي بركة وتيمن فوق هذا ؟ وأي حب يعكس هذا التيمن بهذه الأسماء دون غيرها ؟ ان هذا الولع بآل البيت والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كان رائده الأكبر حين ساهم في تأسيس مبرة الآل والأصحاب منذ اليوم الأول من انشائها... بل أنه قد سبق إنشاء المبرة منذ أكثر من ربع قرن من الزمان ومنذ بداية شبابه من حيث الاهتمام بتراث الآل والأصحاب من بذل كل أسباب الدعوة إلى الله تعالى في هدى المصطفى صلى الله عليه وسلم وهدي الآل والأصحاب لقد بلغ من شدة تأثره بالآل والأصحاب أن تعلق قلبه بهذه المبرة التي اختارت الآل والأصحاب اسماً ، فكانت وبلا مبالغة مأكله ومشربه، وقيامه وقعوده، وحديثه وخلجات سريرته، ولقد كان من شدة هذا الولع بالمبرة أنه لما رزقه الله تعالى بالمولود الثامن وقد استنفذ الأسماء المباركة لأصحاب الكساء والخلفاء الراشدين الأربعة، لم يجد إلا أن يختار إسم " عبد المحسن" رئيس هذه المبرة وأحد مؤسسيها معه لبنة لبنة من لبنات تكوين هذه المبرة ، وإشرافه فيها على قسم الترجمة لتكون رسالتها عالمية لا محلية فقط.

وأي شرف لعبد المحسن وأي تشريف للعبد الفقير كاتب هذه السطور أن يسمى المرحوم بإذنه الله تعالى ابنه الثامن باسمه بعد هؤلاء العظام الثمانية؟! اللهم احشره واحشرني معهم يوم الفوز بمعيتهم.

أما من هو ؟ فإنه صاحب اسم اراد له أن يكون اسماً مغموراً ، ولكني احسبه عند الله مشهوراً ، حيث كان يهرب من الأضواء حين يعمل في الدعوة الى الله تعالى بكل اخلاص وجد واجتهاد ، وكأنما يعمل لمشروع شخصي فيه مصلحته، لكنه ـ وبلا مبالغة ـ يقدم العجب العجاب في تقديم القدوة الحسنة في الدعوة الى الله تعالى لإحياء سيرة وتراث الآل والأصحاب بعلو همة وثابة تجعله يستسهل السهر والسفر رغم التعب والمرض احياناً ليوصل فكرة، أو كتاباً أو بحثاُ أو ترجمة الى مطبعة أو باحث أو داعية في شبكة عريضة من الدعاة داخل الكويت وخارجها،من شتى المشارب والمدارس الفقهية ، في قدرة عجيبة على جمع الفرقاء ، ولم شملهم ، بخلق رفيع . لم يعرف عنه يوماً إساءة الى أحد ، بل تسبقه دائماً روح الدعابة والابتسامة الحانية. ولقد شاء الله تعالى أن تكون جنازته يوم الاثنين الماضي هي الوحيدة في مقبرة صبحان ليستبين الأمر أن امتلاء المسجد في صلاة الجنازة عليه كان تشييعاً لجنازته هو لا غيره ، حيث بكت المآقي  عليه من كل محبيه صغاراً وكباراً ، حضراً وبدواً، كويتيين ومقيمين ، وبلا مبالغة.

أخي بو حسين : قد يبدو  اسمك الرباعي مغموراً وليس مشهوراً حتى بين قبيلتك العوازم، ولكنه والله الذي لا اله إلا هو أحسبه مشهوراً في جنان الخلد بإذن الله تعالى، وأعلم يا أخي أنك لم تكن مُلكاً لإخواننا العوازم لشعورنا بأنك تنتمي لنا في البيت الدعوي الكبير ، الذي خرجت به من إطار القبيلة الى عالم الأخوة الاسلامية الرحب الواسع الفسيح بعيداً عن التعصب البغيض.

ولولا محدودية المساحة في المقال ، وأني غالبتني دموعي عند هذا الحد لحبرت لك المقال تحبيراً. فإلى الملتقى تحت لواء المصطفى والآل والأصحاب الذين أفنيت حياتك في خدمة تراثهم  يا أخي  محمد قعم متروك بليق العازمي (1) .

بقلم د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

ajkharafi@yahoo. com

 

 

الهوامش :

  1. ولعله من المناسب في سياق ولعه بأسماء هؤلاء الأعلام أن نعرف أولاً معانى أسماء أبيه وأجداده :

    قعم : من منطقة الخيران والنويصيب والخفجي التي كانت تسمى " قعمة "

    متروك : اسم عربي دارج

    بليق: ابلق العين وأخته بلقاء – وقيل الحصان العربي وقيل السحابة السوداء.

    وهي بالمناسبة أسماء ليست مشهورة في قبيلة العوازم حالياً ولكنها عادة التيمن بأسماء الأجداد ، والذي لا يعرفه كثير من محبيه أن اسمه الأصلي كان " بليق " على اسم جده ، ولكن تعلقه باسم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم جعله يغير اسمه إلى " محمد " عام 1984 حين كان عمره 18 عاماً ، وهي بداية اهتمامه بالآل والأصحاب فكان من أبرز مؤسسي مبرة الآل والأصحاب.

 

 

 



بعض إنجازات فقيد المبرة

ترجمة إصدارات المبرة إلى اللغات المختلفة

قال تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران(104) ، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً) رواه مسلم ، وقال عليه الصلاة والسلام (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ) رواه مسلم .

هنا نلقي الضوء على جزء من إنجازات فقيد المبرة التي قدمها لخدمة الإسلام والمسلمين غير الناطقين بالعربية ، ونظراً لتزايد أعدادهم كان لابد من السعي لتوصيل رسالة المبرة إلى أكبر عدد من المسلمين ، ومن هنا بدأ فقيدنا مشروع ترجمة إصدارات المبرة إلى العديد من اللغات، فتعاون مع الكثير من الجهات والدعاة المخلصين  ممن يتقنون هذه اللغات حتى تأخذ حركة الترجمة جانب الأصالة .

وكان لهذا النشاط أثره الطيب في الجاليات المختلفة، وردود أفعال  إيجابية ظهرت بوضوح من قبل هذه الجاليات، التي تمثلت في زيادة الاهتمام بزيارة المبرة والتعرف على أدبياتها والشغف بتراث الآل والأصحاب والاستفسار عن القضايا المتعلقة بهم.

وقد تمثلت هذه الإنجازات في ترجمة عدد 26 كتاب من إصدارات المبرة إلى (13) لغة وهم اللغة الفارسية تم ترجمة عدد 16 كتاب ، اللغة الأوردية (8) ، اللغة البوسنية (7) ، اللغة الروسية ( 2) ، اللغة الأندونيسية (1) ، اللغة الفرنسية (1) ، اللغة الطاجيكية (2) ، الأذربيجانية (2) ، اللغة البنغلادشية (5) ، اللغة الهندية ( 5)، اللغة السواحيلية (3) ، اللغة الإنجليزية (2) ، وأخيراً اللغة الصينية ( 1 ) .

ليبلغ عدد الكتب المترجمة ( 55) كتاب تم توزيعها داخل وخارج الكويت ، بالإضافة إلى ترجمة معلقات المبرة ( البوسترات ) والبالغ عددها 23 بوستر إلى العديد من اللغات ليبلغ عدد البوسترات المترجمة إلى (82) بوستر.

وختاماً نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الجهد المبارك في ميزان حسناتكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم ، رحم الله بوحسين وأسكنه فسيح جناته .