حرص الآل والأصحاب على العلم

 

مراتب السعادة والفلاح لكل عبد إنما تكون بهمة ترقّيه ، وترغب في الوصول إلى المراتب العليا ، أو بعلم يبصره ، ويهديه ، ويجنبه مضلات الفتن ، ومزالق المحن .

وحري بالسائر إلى الله – تعالى – أن تعلو همته ، ويسمو قصده ، ليكون في منأى عن حضيض الطبع ، والخلق .

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله                 وأجسامهم قبل القبور قبور

وأرواحهم في وحشة من جسومهم         وليس لهم حتى النشور نشور

وقد عظم الله – سبحانه – شأن العلم ، ورغب فيه ، ورفع من قدر أهله . قال تعالى : (( شهد الله أن لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ))]  آل عمران : 18 [ .

وقال سبحانه : (( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ))

] العنكبوت : 49 [.

ولم يأمر الله – جل وعلا- رسوله – صلى الله عليه وسلم – أن يسأله المزيد في شيء كما سأله المزيد في العلم ، فقال سبحانه : (( وقل رب زدني علما )) ] طه : 114 [ .

وفي فضل العلم ، وأهله يقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله وملائكته ، حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير )) رواه الطبراني عن أبي أمامة – رضي الله عنه – وروى الترمذي في السنن عن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (( فضل العالم كفضلي على أدناكم )) . [1]

وروى أبو داود عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (( من سلك طريقاً يبتغي به علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإن العالم لستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، إنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر .[2]

وقال الإمام أحمد – رحمه الله - : الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين ، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس .[3]

قال سابق البربري :

والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه       كما يجلى سواد الظلمة القمر

وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها           ولا البصير كالأعمى ماله بصر

وقال ابن القيم – رحمه الله - : لا ينال العلم إلا بهجر اللذات ، وتطليق الراحة . قال ابراهيم الحربي : أجمع عقلاء كل أمة أن النعيم لا يدرك بالنعم ، ومن آثر الراحة فاتته الراحة ، فما لصاحب اللذات ؟! وما لدرجة الأنبياء ؟!

فدع عنك الكتابة لست منها       ولو لطخت وجهك بالمداد

فإن العلم صناعة القلب وشغله ، فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها ، ومن لم يغلب لذة إدراكه العلم وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه لم ينل درجة العلم أبداً . أ. هـ[4]

ولعظيم شأن العلم فإن كثيراً من السلف كانوا يبذلون فيه النفس ، والنفيس ، ويتحملون فيه كل المشاق ، فالمكارم موطنة بالمكاره ، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة ، فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد .

قال يحي بن أبي كثير : لا ينال العلم براحة الجسد . [5]

ومن نظر في سير آل البيت ، والصحابة – رضوان الله عليهم – وجد أنهم من أحرص الناس على العلم ، وأكثرهم اجتهاداً في نيله ، وقضاء إربهم منه .

وقد تنوعت مواقفهم المعبرة عن حب العلم ، والتعلق فيه ، فهذا يعظم العلم ، ويجل أهله ، ويقف عنده فلا يتجاوزه ، وثان يلازم خطام ناقة آخر إكراماً لسابق فضله ، وعلمه ، وثالث يبيت عند باب غيره ليستفيد منه ، ورابع يرحل من أجل حديث واحد مئات الكيلومترات .

إنه العشق الذي يقصر دونه كل عشق ، والهمة التي لا يذوق حلاوتها إلا الكبار .

وإذا كانت النفوس كباراً          تعبت من مرادها الأجسام

فدونك – حفظك الله – هذه المواقف الرائقة ، والقصص الفائقة في حب العلم ، والسعي في الحصول عليه من تراث آل البيت والصحابة.

* عمر بن الخطاب رضي الله عنه - :

روى البخاري في " صحيحه " عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : " كنت أنا وجار لي من الأنصار , في بني أمية بن زيد , وهي من عوالي المدينة , وكنا نتناوب النزول على رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , ينزل يوماً وأنزل يوماً , فإذا نزل جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره , وإذا نزل فعل مثل ذلك " . [6]

* عبد الله بن مسعود رضي الله عنه - :

عن ابن مسعود قال : " كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط , فمر بي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر , فقال : يا غلام , هل من لبن ؟ قلت : نعم , ولكني مؤتمن , قال : فهل من شاة لم ينز عليها الفحل ؟ فأتيته بشاه , فمسح ضرعها , فنزل لبن , فحلب في إناء , فشرب , وسقى أبا بكر , ثم قال للضرع : اقلص , فقلص – زاد أحمد قال : ثم أتيته بعد هذا , ثم اتفقنا – فقلت : يا رسول الله , علمني من هذا القول , فمسح رأسي , وقال : يرحمك الله , إنك غليم معلم " .

وفيه زيادة , منها : " فلقد أخذت من فيه – صلى الله عليه وسلم – سبعين سورة , ما نازعني  فيها  بشر " . [7]

وروى البخاري عن شقيق بن سلمة قال : خطبنا عبد الله بن مسعود , فقال : والله لقد أخذت من في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بضعاً وسبعين سورة , والله لقد علم أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – أني من أعلمهم لكتاب الله , وما أنا بخيرهم .

قال شقيق : فجلست في الحلق أسمع ما يقولون , فما سمعت راداً يقول غير ذلك . [8]

* أبو الدرداء رضي الله عنه - :

روى البخاري عن أنس – رضي الله عنه – قال : " مات النبي صلى الله عليه وسلم - , ولم يجمع القرآن إلا أربعة : أبو الدرداء , ومعاذ , وزيد بن ثابت , وأبو زيد " . [9]

ولا يفهم أحد من هذا أنه ما جمع القرآن غير هؤلاء الكرام، قال ابن عبد البر: إنما أراد انس بهذا الحديث الأنصار، ولقد جمع القرآن من المهاجرين جماعة منهم: علي وعثمان وابن مسعود، وعبد الله بن  عمرو بن العاص، وسالم مولى أبي حذيفة.[10]

وقال ابن إسحاق : كان الصحابة يقولون : أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء .

وروى ابن عساكر عن يزيد بن عميرة قال : " لما حضرت معاذاً الوفاة , قالوا : أوصنا , فقال: العلم والإيمان مكانهما , من ابتغاهما وجدهما – قالها ثلاثاً – فالتمسوا العلم عند أربعة : عند عويمر أبي الدرداء , وسلمان , وابن مسعود , وعبد الله بن سلام الذي كان يهودياً فأسلم " . [11]

* أبو هريرة رضي الله عنه - :

قال أبو هريرة : " إنكم تقولون : إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم ، وتقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثله ؟ وإن إخواني المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وكان إخواني من الأنصار يشغلهم عمل أموالهم ، وكنت امرأً من مساكين الصفة ، ألزم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ملء بطني ، فأحضر حين يغيبون ، وأعي حين ينسون " . [12]

فقال ابن عمر : كنت ألزمنا لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - , وأعلمنا بحديثه " . [13]

قال الذهبي : " كان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة " .[14]

عن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك ؟ قلت : أسألك أن تعلمني مما علمك الله , فنزع نمرة كانت على ظهري , فبسطها بيني وبينه , حتى كأني أنظر إلى النمل يدب عليها , فحدثني , حتى إذا استوعبت حديثه , قال : اجمعها فصرها إليك , فأصبحت لا أسقط حرفاً مما حدثني " . [15]

هذا غيض من فيض مما جاء عن الآل والأصحاب في حب العلم ، والحرص عليه .

لقد عاشوا في كنف النبي – صلى الله عليه وسلم – أعظم معلم عرفته البشرية ، فكانوا ينشغلون أحياناً عن مصالحهم حباً فيما يخرج من فمه الطاهر – صلى الله عليه وسلم – من نور الوحي والرسالة .

إنهم يرمقون بأبصارهم ، ويتبعون حركات شفتيه ، ويجمعون قلوبهم ، ينتظرون قوتاً تحيى به قلوبهم ، وزاداً يطعمون به أرواحهم .

فقوت الروح أرواح المعاني             وليس بأن طعمت وشربت

ما معنى أن يبيت أحدهم عند باب دار الآخر ليحدثه بحديث سمعه ؟!

ما معنى أن يرحل أحدهم من أجل حديث واحد فقط ؟!

ما معنى أن يأخذ القرشي بخطام من دونه لما عنده من علم ؟!

ما معنى أن يبيت أحدهم طاوياً ، فلا يفكر بطعام بل في العلم ؟!

كرر علي حديثهم يا حادي               فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي

وهم مع هذا كله جمعوا من العلم عملاً يمتثلون به كل ما ونوروا قلوبهم به من العلم .

فما فائدة العلم إذا لم يقتض عملاً يصلح به العبد علاقته مع ربه ؟

نسأل الله لنا جميعاً علماً نافعاً ، وعملاً صالحاً .

 



[1] رواه الطبراني في الكبير: ح(8736) والترمذي في سننه: ح(2685) وصححه الألباني.

[2] رواه أبو داود في سننه: ح(3643) وصححه الألباني، وابن حبان في صحيحه: ح(88).

[3] مفتاح دار السعادة : لابن القيم، 1/61.

[4] مفتاح دار السعادة " 1/142 .

[5] انظر: الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، إبراهيم بن موسى الشهير بالبرهان الأبناسي، 1/404.

[6] رواه البخاري ( 89 ).

[7] رواه أحمد : ح(4412) وحسن الشيخ شعيب إسناده، والطبراني في الكبير: ح(8456) وابن حبان في صحيحه: ح(7061).

[8] فتح الباري " 7/128 .

[9] رواه البخاري :ح(4718). وأبو زيد الوارد في الرواية رجل من الأنصار. (الطبقات: 2/356) وفي الاستيعاب: (3/293) أنه قيس بن السكن الأنصاري الخزرجي وغلبت عليه كنيته.

[10] راجع: الاستيعاب 3/1293 – أسد الغابة: 4/216.

[11] ابن عساكر 13 /  373  .

[12] رواه البخاري : ح(2223).

[13] جزء من رواية لأحمد: رقم (6167) وقال الشيخ شعيب: إسناده صحيح على شرط مسلم.

[14] سير أعلام النبلاء: 2/594.

[15] أخرجه أبو نعيم في " الحلية "1/381 .



الصحابي الجليل

جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه

يوسف  هذه الأمة  ... السيد، البطل، الفاتح، القائد، العالم.

 

هو الصحابي الجليل أبو عمر جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضرة بن ثعلبة البجلي، قيل: يُكنى أبا عبد الله ، قال ابن إسحاق: جرير بن عبد الله سيد قبيلته يعني بجيلة.

إسـلامـه رضي الله عنه:

كان إسلام جرير بن عبد الله قبل سنة عشر على الصحيح، لما أخرجه الطبراني عن جرير قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أخاكم النجاشي قد مات .....» قال ابن حجر: «فهذا يدل على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر؛ لأن النجاشي مات قبل ذلك» والصحيح أنه أسلم سنة تسع للهجرة، وهي سنة الوفود(1).

فضله رضي الله عنه:

قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه : «لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي، ثم حللت عيبتي، ثم لبست حُلَّتي، ثم دخلت المسجد، فإذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، فرماني الناس بالحدق. قال: فقلت لجليس: يا عبد الله، هل ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمري شيئاً؟ قال: نعم، ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته فقال: «إنه سيدخل عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، ألا وإن على وجهه مسحة مُلك» قال جرير: فحمدت الله عز وجل»(2). وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: «ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك»(3).

جرير بن عبد الله رضي الله عنه  يهدم ذي الخَلَصة(4):

وأرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهدم «ذي الخَلَصة» وهي من الأصنام بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج، وكانت «بتبَالة» بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة، وكان سدنتها بنو أُمامة من باهِلَة بن أغصُر، وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم، وبجيلة، وأزد السرَاة، ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن، وذو الخلصة أيضاً الذي فيه هذا الصنم بيت كان يطلق عليه في الجاهلية اسم الكعبة اليمانية(5).

عن جرير قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا تريحني من ذي الخَلَصة؟» فقلت: بلى. فانطلقت في خمسين ومئة فارس من أحمس وكانوا أصحاب خيل - ، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال: «اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً» قال: فما وقعت عن فرس بعد. قال: وكان ذو الخَلَصة بيتاً باليمن لخثعم وبجيلة، فيه نُضُب تُعبد يقال له: الكعبة. قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها. قال: وقدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك. قال: فبينما هو يضرب بها؛ إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها، ولتشهدن أن لا إله إلا الله، أو لأضربن عنقك. قال: فكسرها وشهد، ثم بعث جرير رجلاً من أحمس يُكنى أبا أرطأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبشره بذلك، فلما أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب. قال: فبرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحمس ورجالها خمس مرات»(6).

أرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن:

أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم جرير بن عبد الله إلى اليمن مقاتلاً(7) وداعياً؛ بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذي الكُلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسَّان بن تُبَّع، وإلى ذي عمرو يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما وأسلمت ضُريبة بنت أبرهة بن الصباح امرأة ذي الكُلاع، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجرير عندهم، فأخبره ذو عمرو بوفاته صلى الله عليه وآله وسلم فخرج جرير إلى المدينة(8).

جهاده رضي الله عنه:

عاد جرير إلى المدينة وأخبر أبا بكر بارتداد من ارتدَّ من أهل اليمن عن دينه وبثبات من ثبت عليه(9).

ولكن أبا بكر رد جريراً إلى اليمن ليصمد مع الثابتين على دينهم من قبيلة «بجيلة» تجاه تيار المرتدين الجارف، والشد من عزائم المسلمين القليلين لمشاغلة المرتدين الكثيرين حتى تردهم النجدات، فخرج جرير ونفذ أمر أبي بكر، فلم يصادف مقاومة تذكر ألا من نفر يسير قتلهم وطاردهم(10). فلما وصل المهاجر بن أمية اليمن من عند أبي بكر وكان آخر من تحرك من المدينة لحرب المرتدين حتى إذا حاذى جريراً ضمه إليه(11)، وكان جرير حينذاك «بنجران»(12)، فقاتل جرير وأتباعه أهل الردة تحت لواء المهاجر بن أمية، فسار من نصر إلى نصر، حتى نزل «صنعاء».

ولما غادر خالد بن الوليد العراق إلى الشام، استصحب معه جريراً، وشهد كافة معارك خالد في طريقه إلى الشام، وفي معركة اليرموك برز اسم جرير أحد الفدائيين الفرسان من المهاجرين والأنصار، وهم مئة فارس، انتخبهم خالد من بين جيش المسلمين كله، كل فارس يردُّ جيشاً وحده(13)، للتأثير بهم على معنويات الروم قبيل معركة اليرموك الحاسمة.

جرير البجلي رضي الله عنه بطل من أبطال معركة «البويب»:

«وبلغ عمر بن الخطاب نتائج معركة «الجسر» في العراق واستشهاد أبي عبيد الثقفي وصحبه فيها، فندب الناس إلى المثنى بن حارثة الشيباني، كان فيمن ندب «بجيلة» في الجاهلية وثبت عليه في الإسلام، فأخرجوه في جرير»(14).

«وتجمعت بجيلة وعلى رأسها جرير، فقال له عمر: «أخرج حتى تلحق بالمثنى»، فقال جرير: «بل الشام»، فقال عمر: «بل العراق، فإن أهل الشام قد قووا على عدوهم»، وجعل عمر لجرير وقومه ربع خمس ما فاء الله عليهم في غزواتهم»(15).

ورأى الناس ما صنع بجيلة، فحذوا حذوهم، وكان الذين فروا من معركة «الجسر» في مقدمتهم، ثم تابعهم بنو الأزد وبنو كنانة وخلق كثير من مختلف القبائل، وساروا يريدون العراق(16).

وقاتل جرير وقومه تحت راية المثنى بن حارثة الشيباني القوات الفارسية في معركة «البُوَيْب»(17) أول معركة حاسمة من معارك المسلمين في العراق، ولما انهزم الفرس قال المثنى: «من يتبع الناس؟»، فقام جرير في قومه، فقال: «يا معشر بجيلة! إنكم وجميع من شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء، وليس لأحد منهم في هذا الخمس غداً من النفل مثل الذي لكم منه، ولكم ربع خمسه نقلاً من أمير المؤمنين، فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو ولا أشد عليه منكم للذي لكم منه، ونية إلى ما ترجون، فإنما تنتظرون إحدى الحسنيين: الشهادة والجنة، أو الغنيمة والجنة»(18)؛ وهكذا تطوَّعت بجيلة بقيادة جرير لمطاردة الفرس، وأرسل جرير يخبر المثنى بسلامة بجيلة، كما أخبر القادة الآخرون الذين طاردوا الفرس المثنى بسلامة قواته، وسألوه جميعاً أن يسمح لهم بالتغلغل عمقاً في مطرادتهم، فأذن لهم المثنى، فأغاروا حتى بلغوا «ساباط» على مرأى من المدائن، لا يخافون كيداً ولا يلقون مانعاً(19).

ولما انسحب المثنى بقواته إلى «ذي قار» انتظاراً للإمدادات، كان جرير على رأس بجيلة يقوم بواجب القوات السائرة «المسالح» التي تحمي قوات المسلمين الأصلية(20) من قوات الفرس المتفوقة.

في اليوم الأول من أيام القادسية، وجه الفرس ثلاثة عشر فيلاً، وفي رواية أخرى: ستة عشر فيلاً إلى مواقع «بجيلة»، ففرَّقت بين الكتائب وأذعرت الخيل، وكادت بجيلة أن تفنى عن بَكْرَةِ أبيها بعد فرار خيلها ذعراً من الفيلة، ولكن الرجالة «المشاة» منها صمدوا في مواضعهم صمود الأبطال، وأعانهم على الصمود تدارك سعد لهم ببني أسد الذين هاجموا الفيلة وحماتها هجوماً عنيفاً بقيادة طليحة الأسدي، فاستطاعوا بمعاونة ربيعة بقيادة الأشعث بن قيس بعد جهد جهيد أن يولوا الفيلة والقوات الفارسية التي تساندها الأدبار(21).

وتركت بجيلة كثيراً من الشهداء في ساحة المعركة، ولكن صمودها المدهش أتاح للمسلمين تدارك الموقف الخطير الذي كان نتيجة لهجوم فيلة الفرس على قواتهم.

 

وفي ليلة اليوم الرابع من أيام القادسية «ليلة الهرير»، حملت بجيلة على القوات الفارسية مع من حمل عليها من القبائل غير منتظرة أمر سعد بالحملة، فعذرها سعد قائلاً: «اللهم اغفر لهم وانصرهم»(22)، فقضوا في تلك الليلة على عدد ضخم من الفرس، وفي بلاء بجيلة بقيادة جرير قال سعد:

وما أرجــــو بـــجـــيــلــة غــيـــر أني                 أؤمـــل أجـــرهـــم يـــوم الـحـســاب

فــقــــد لـقـيـت خـيـولـهــم خــيــولاً                 وقـــد وقـع الـفــوارس فـــي ضـــراب

وقـــد دلـفـــت بعــرصتـهـم فـــيـــول                  كــــأن زهــــاءهـــا(23) إبـــل جــــراب

جرير البجلي يشارك في مطاردة الفرس حتى «ساباط» و«جلولاء»:

لما فرَّ الفرس من ساحة المعركة وجه سعدٌ عياض بن غنم وجعل على مقدمه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى ميمنته جرير البجلي، وعلى ميسرته زُهرة التميمي، وتخلف سعد لمرضه حتى وصلوا بمطاردتهم «ساباط» قريباً من المدائن، فأشفقن الناس أن يكون كمين للعدو، ولكن هاشم بن عتبة أمر بالتغلغل في المطاردة حتى انتهوا بمطاردتهم إلى جلولاء(24) وكان بها جماعة من الفرس استطاع المطاردون تشتيتهم.

وشهد جرير مع قومه معركة فتح «المدائن» عاصمة كسرى، كما شهد معركة جلولاء تحت راية هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري، فلما استطاع المسلمون القضاء على القوات الفارسية في «جلولاء» ضم هاشم إلى بجيلة خيلاً كثيفة وجعلهم بقيادة جرير وأبقاهم قوة ساترة في جلولاء لتكون بين المسلمين والفرس، فهاجم جرير «خانقين»، وكان فيها فلول من الفرس فقتل بعضهم وفرَّ الباقي.

جرير البجلي رضي الله عنه الفاتح لخانقين(25) ، و«حلوان»(26)، و«قَرْميسين»(27)، و«همذان»:

فتح جرير «خانقين» وأمد سعد جريراً بنحو ثلاثة آلاف مقاتل، وأمره أن يسير لفتح «حلوان»، فلما كان بالقرب منها هرب «يزدجرد» إلى «أصبهان» وفتح جرير حلوان صلحاً، ثم سار إلى «قَرْميسين» ففتحها صلحاً أيضاً، وبقى جرير والياً على حلوان حتى أمره عمار بن ياسر والي الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص أن يتحرك مدداً لأبي موسى الأشعري في «خوزستان»، فغادرها جرير مخلفاً عليها عزرة بن قيس البجلي، وقد نزل حلوان قوم من ولد جرير، فأعقابهم بها(28).

البطل في «نهاوند»:

وبرز اسم جرير في معركة «نهاوَندْ»(29) الحاسمة، فكان من بين أشراف العرب وأبطالهم المعدوينالذين خاضوا تلك المعركة(30)تحت لواء النعمان بن مُقرن المزني، فأبلى جرير في هذه المعركة بلاءٌ أعظم البلاء.

وكان عمر بن الخطاب قد كتب إلى النعمان بن مقرن: «إن أصبت فالأمير حذيفة بن اليمان، فإن أصيب فجرير بن عبد الله البجلي، فإن أصيب فالمغيرة بن شعبة، ثم الأشعث بن قيس»(31)، مما يدل على منزلته الرفيعة عند عمر بن الخطاب.

وفي رواية: أن المغيرة بن شعبة حين كان والياً على الكوفة أرسل جريراً لفتح «همذان»(32)، فقاتل أهلها وأصيبت عينه بسهم فقال: «احتسبها عند الله الذي زين بها وجهي نوَّر لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله»، ثم فتحها على مثل صلح «نهاوند»، وغلب على أرضها قسراً(33).

رضي الله عن الصحابي الجليل السيد القائد الفاتح، المتحدث الفقيه، جرير بن عبد الله البجلي.

الهوامش :

([1])  الإصابة (1/234). وفتح الباري (7/99)، وطبقات ابن سعد (1/337) ذكر ابن سعد أنه وفد على النبي         صلى الله عليه وآله وسلم.

(2)  صحيح: أخرجه أحمد (4/364)، والنسائي في فضائل الصحابة (1/199)، وابن أبي شيبة في المصنف (12391).

(3)  رواه البخاري (3822)، ومسلم (2475)، والترمذي (3820، 3821)، وابن ماجه (159)، وكذا رواه أحمد (4/358)، وفي «فضائل الصحابة» (1696)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (12390)، والنسائي في «فضائل الصحابة» (197).

(4)  انظر كتاب الأصنام للكلبي ص (34/35).

 

(5)  انظر: شرح النووي على مسلم (5/194).

(6)  أخرجه البخاري (4357)، ومسلم (2476)، وأحمد مختصر (4/360)، والنسائي في فضائل الصحابة مختصر (198).

 (7)  فتح الباري (8/60).

(8)  طبقات ابن سعد (1/203).

(9)  الطبري (2/533).

(10)  ابن الأثير (2/144).

(11)  الطبري (2/540).

(12)  الطبري (2/617)، وابن الأثير (2/161).

(13) فتوح الشام للواقدي (1/120).

(14) ابن الأثير (2/169).

(15) الطبري (2/646).

(16) الطبري (2/647).

(17) البويب: نهر كان بالعراق موضع الكوفة، فمه عند دار الرزق يأخذ من الفرات.

(18) الطبري (2/652).

(19) ابن الأثير (2/171).

(20) الطبري (2/660) إن بعض الروايات تنص على أن جريراً اختلف مع المثنى، فقال جرير: «أنت أمير وأنا أمير»، واعتقد أن ذلك لا يمكن أن يحدث، لأن عمر أرسل جريراً مدداً للمثنى لا أميراً مستقلاً.

راجع: الطبري (2/654) الذي يذكر هذه الرواية.

(21) الطبري (3/49)، وابن الأثير (2/182).

(22) الطبري (3/66)، وابن الأثير (2/189).

(23) الزهاء: العدد الكثير.

(24) تاريخ الطبري (3/80).

(25) خانقين: بلدة بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية، تقع في العراق على طريق بغداد همذان.

 (26) البلاذري ص(264)، حلوان: مدينة في العراق تقع في آخر حدود السواد مما يلي الجبال من بغداد.

(27) قرميسين: جاء اسمها في البلاذري ص(299) قرماسين، وهي على طريق مكة، والصحيح ما ذكرناه أعلاه. وهي بلد معروف بينته وبين همذان ثلاثون فرسخاً وهي بين همذان وحلوان.

(28) البلاذري (299)، ومجمل فتوح الإسلام ملحق بجوامع السيرة لابن حزم ص(345)، ولكن المطيري يذكر أن الذي فتح حلوان وخانقين هو القعقاع ابن عمرو التميمي. راجع الطبري(3/140).

ولا أرى اختلافاً بين ما جاء في الطبري والبلاذري، إذ أن القعقاع فتحها حقاً حين طارد الفرس، ولكن جريراً ثبت هذا الفتح بقواته الضاربة، ثم تسرب بفتحه عمقاً إلى قرميسين داخل إيران.

لا تزال في منطقة خانقين وحلوان وقبيلة باسم «باجلان» وهي بمعنى «بجلي» نسبة إلى بجيلة القبيلة العربية المعروفة، لأن الألف والنون من «باجلان» علامة نسبة بهلوية كما هي الكلمة: بابكان إلى «بابك».

(29)  نهاوند: أعتق مدينة في الجبل، وهي مدينة قديمة في إيران.

(30) ابن الأثير (3/4).

(31) البلاذري ص(300)، ومعجم البلدان (8/329).

(32) همذان: مدينة من أكبر مدن إيران وأقدمها.

(33) ابن الأثير (3/9)، والبلاذري ص(306)، ومجمل فتوح الإسلام ملحق بجوامع السيرة لابن حزم ص(346). أما الطبري في (3/229-230)، فيذكر أن الذي فتحها هو نعيم بن مقرن المزني والقعقاع بن عمرو التميمي. ولا أرى تضارباً بين الروايتين لأن فتح نعيم لها كان بقواته الخفيفة المطاردة، أما فتح جرير فكان بقواته الضاربة حيث ثبت فتحها وضمها نهائياً إلى بلاد المسلمين.