فضل شهر الله المحرم

شهر الله المحرم له فضل عظيم، حتى عدَّه بعض العلماء أفضل الأشهر الحرم.

قال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ: «وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل؟ فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجحه طائفة من المتأخرين، وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن، قال: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه.

خَرّجَ النسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل خير وأي الأشهر أفضل؟ فقال: «خير الليلِ جوفُهُ، وأفضلُ الأشهرِ شهرُ الله الذي تدعونهُ المحرَّم»(1)، وإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أفضل الأشهر، محمول على ما بعد رمضان» ا.هـ(2).

فضل صيام شهر الله المحرم

ومما يدل على فضله أن صيامه أفضل الصيام بعد رمضان.

فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»(3). وهذا الحديث فيه دلالة واضحة على فضل صيام شهر الله المحرم.

قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ: «فإن قيل: في الحديث إن أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم، فكيف أكثر الصيام في شعبان دون المحرم؟ فالجواب: لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه، أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه، كسفر ومرض وغيرهما»(4).

قال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله: «وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم شهر الله(5)، وإضافته إلى الله عز وجل تدل على شرفه وفضله، فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته، كما نسب محمدًا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء إلى عبوديته، ونسب إليه بيته وناقته(6).

ولما كان هذا الشهر مختصًا بإضافته إلى الله تعالى، وكان الصيام من بين الأعمال مضافًا إلى الله تعالى، فإنه له سبحانه من بين الأعمال، ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله، بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام، وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله عز وجل، إنه إشارة إلى أن تحريمه إلى الله عز وجل ليس لأحد تبديله كما كانت الجاهلية يحلونه ويحرمون مكانه صفرًا، فأشار إلى أنه شهر الله الذي حرمه، فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره.

شهرُ الحرام مباركٌ ميمونُ             والصوم فيه مضاعفٌ مسنون وثوابُ صائمهِ لوجه إلههِ             في الخُلدِ عند مليكهِ مخزُونُ

انتهى كلامه رحمه الله(7).

ومن فضل هذا الشهر أن فيه يوم عاشوراء الذي حصل فيه نصر مبين لأهل الإيمان وأظهر الله فيه الحق على الباطل؛ حيث نجّى فيه موسى عليه السلام وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فهو يوم له فضيلة عظيمة.

جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّقَ فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم» فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، متفق عليه(8).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان»(9).

وختامًا علينا أن نغتنم هذه الأيام ونعمرها بما يرضي الله عز وجل لننال رحمته سبحانه وتعالى وأن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل، إنه على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش

(1) رواه النسائي في السنن الكبرى (4612)، وروي بنحوه عن أبي هريرة رواه مسلم كما سيأتي.

(2) لطائف المعارف، ط.دار ابن خزيمة (ص:87-88) تحقيق عامر بن علي ياسين.

(3) رواه مسلم كتاب الصيام، باب فضل صوم المحرم برقم (747).

(4) صحيح مسلم بشرح النووي، ط. دار المعرفة (7-8/296).

(5) كما في حديث: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم».

(6) في قوله تعالى: ﴿اذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾  [ص:45]، وقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:1]، وقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [البقرة:125]، وقوله: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ ﴿ﮆ ﮇ﴾ [الشمس:13].

(7) لطائف المعارف (ص:90-91).

(8) البخاري (3727)، ومسلم (2714) واللفظ له.

(9) البخاري (1902).



صيام يوم عاشوراء

تاريخ يوم عاشوراء

جاء في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرِضَ رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه»(1).

فالحديث دليل على أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون يوم عاشوراء، وأنه يوم مشهور عندهم، وأنهم كانوا يصومونه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه ـ أيضًا ـ، واستمر على صيامه قبل الهجرة، ولم يأمر الناس بصيامه، وهذا يدل على قدسية هذا اليوم وعظيم منزلته عند العرب في الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كانوا يسترون فيه الكعبة، كما في حديث عائشة ـ أيضًا ـ رضي الله عنها، قالت: «كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يومًا تُسترُ فيه الكعبة... الحديث» أخرجه البخاري(2).

قال الإمام القرطبي ـ رحمه الله ـ: «حديث عائشة رضي الله عنها يدل على أن صوم هذا اليوم كان عندهم معلوم المشروعية والقدر، ولعلهم كانوا يستندون في صومه إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ فإنهم كانوا ينتسبون إليهما، ويستندون في كثير من أحكام الحج وغيره إليهما...»(3).

حكم صوم يوم عاشوراء

صوم عاشوراء كان واجبًا في أول الأمر بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، على الصحيح من قولي أهل العلم(4)، لثبوت الأمر بصومه، كما في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من أسلم أن أذن في الناس: أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء» متفق عليه(5).

ولما فرض رمضان في السنة الثانية من الهجرة نُسخ وجوبُ صومه، وبقي على الاستحباب، ولم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلا في سنة واحدة، وهي السنة الثانية من الهجرة حيث فرض عاشوراء في أولها، ثم فرض رمضان بعد منتصفها، ثم عزم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره ـ في السنة العاشرة ـ على ألا يصومه مفردًا بل يصوم قبله اليوم التاسع، كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ وهي صورة من صور مخالفة أهل الكتاب في صفة صيامهم.

فضل صوم يوم عاشوراء

1-أنه يكفر السنة الماضية.

ففي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية»، وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: «يُكفر السنة الماضية»(6).

لكن ما المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية»؟

ثم قال الإمام النووي: وهو الأصح المختار أنه يكفر كل ذنوب الصغائر وتقديره يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر، قال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ: «هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى» ا.هـ(7).

2-أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يطلب فضله على الأيام.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما ـ وسئل عن يوم عاشوراء ـ فقال: «ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهرًا إلا هذا الشهر يعني رمضان»(8).

3-أنه اقتداء بنبي الله وكليمه موسى عليه السلام وشكر لنعمة  الله بانجائه المؤمنين وإهلاك الكافرين.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة رأى اليهود تصوم عاشوراء، قال: «ما هذا؟»، قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال صلى الله عليه وسلم: «فأنا أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه(9).

4-أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصومون فيه صبيانهم.

ففي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة «من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه» فكنا بعد ذلك نصومه ونصوِّم صبياننا الصغار، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه حتى يكون عند الإفطار. متفق عليه(10).

الحكمة من صيام يوم عاشوراء

ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: «ما هذا ؟ » قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومٌ نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: «فأنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه(11). وفي رواية مسلم : « فقالوا : هذا يومٌ عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، فصامه موسى شكرًا...» الحديث(12).

والحكمة من صيام يوم عاشوراء شكر الله عز وجل أن نصر عبده ورسوله موسى عليه الصلاة والسلام على فرعون وقومه، وتأسيًا بنبينا صلى الله عليه وسلم في صيامه لهذا اليوم، والله أعلم.

 

يستحب للمرء أن يصوم اليوم التاسع (تاسوعاء) مع العاشر (عاشوراء) لما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبلُ إن شاء الله صُمنا اليوم التاسع». قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم(13).

قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام العاشر، ونوى صيام التاسع.

وفي صحيح مسلم أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»(14).

الحكمة من استحباب صيام تاسوعاء

قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ: «ذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجُهًا:

أحدها: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر(15).

الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم، كما نهى أن يصام يوم الجمعة وحده، ذكرهما الخطابي وآخرون.

الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع غلطٍ، فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر» ا.هـ(16).

وأقوى هذه الأوجه هو مخالفة أهل الكتاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: نهى صلى الله عليه وسلم عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة مثل قوله في عاشوراء: «لئن عِشتُ إلى قابل لأصُومنَّ التاسع»(17).

وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في تعليقه على حديث: «لئن بقيتُ إلى قابل لأصُومنَّ التاسع»(18): ما همَّ به من صوم التاسع يحتمل معناه ألا يقتصر عليه، بل يضيفه إلى اليوم العاشر؛ إما احتياطًا له، وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح ـ والله أعلم ـ(19).

مراتب صيام عاشوراء وأفضلها

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: مراتب الصوم ثلاثة: أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم(20).

وعلى هذا فالمراتب كالتالي:

المرتبة الأولى: صيام التاسع والعاشر والحادي عشر:

وهذه المرتبة أفضل المراتب وأكملها لأمور منها:

1- أنه قد ورد في بعض الروايات «صوموا يومًا قبله ويومًا بعده»(21).

2- أن الذي يصوم الأيام الثلاثة يكون قد صام عدة أيام من شهر الله المحرم، والصيام فيه من أفضل الصيام بعد شهر رمضان.

3- في صيام الأيام الثلاثة اطمئنان للنفس وتأكد من إدراك يوم عاشوراء؛ لأنه قد يحصل الاختلاف في ظهور هلال شهر محرم لعدم التحري الكامل لبداية هذا الشهر.

المرتبة الثانية: صيام التاسع مع العاشر.

وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»(22)، أي مع العاشر، لمخالفة اليهود في صيامهم، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يفعل ذلك ويقول: «صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود»(23). وكذلك للاحتياط وعدم فوات هذا اليوم.

المرتبة الثالثة: وهي إفراد اليوم العاشر بالصيام.

لعموم الأحاديث الواردة في فضله وفعل رسول الله حيث صامه وأمر بصيامه، ولكن كره بعض أهل العلم إفراد اليوم العاشر لموافقة اليهود في صومهم ومخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخالفتهم.

 

المراجع

(1) البخاري (2002)، ومسلم (1125).

(2) أخرجه البخاري (1952).

(3) المفهم شرح صحيح مسلم (3/190).

(4) مجموع الفتاوى (25/311).

(5) البخاري (2007)، ومسلم (1135)، وله شاهد من حديث الرُّبَيِّع بنت معوِّذ عند البخاري (1960)، ومسلم (1136) وشواهد أخرى عند أحمد وغيره.

(6) رواه مسلم باب صوم يوم عاشوراء، برقم (2804).

(7) المجموع شرح المهذب (6/431).

(8) مسلم (2718)، باب صوم يوم عاشوراء تقدم تخريجه.

(9) البخاري (2004)، ومسلم بنحوه (2714).

(10) البخاري (1859)، ومسلم (2725) واللفظ له.

(11) البخاري (1900)، ومسلم بنحوه (2714).

(12) مسلم (2714).

(13) مسلم (2722).

(14) مسلم (2723).

(15) يستدل على هذا بما جاء في سنن الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود».

(16) صحيح مسلم بشرح النووي (7-8/254).

(17) الفتاوى الكبرى الجزء السادس (سد الذرائع المفضية إلى محرم).

(18) مسلم (2723).

(19) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ط. دار الكتب العلمية (4/308).

(20) زاد المعاد في هدي خير العباد، ط. الرسالة (2/76). تحقيق شعيب وعبدالقادر الأرناؤوط.

(21) عن ابن عباس رضي الله عنهما ولا يصح مرفوعًا والصحيح عنه قوله بلفظ أو، انظر الضعيفة للألباني برقم (4297).

(22) مسلم (2723).

(23) الترمذي (755) ، وقال الشيخ الألباني : صحيح .



مكانة الحسين ومنزلته عند صحابة رسول اللهص

الحسين بن علي رضي الله عنهما

  • قال أبي بكر الصدّيقt: «ارقبوا محمداً في أهل بيته»

  • قال أبو هريرة t : دعني، فوالله لو يعلم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم.

  • قال عمرو بن العاصt: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء.

 

حين أرسلت قريشٌ عروة بن مسعود الثقفي t - حين كان مُشركاً - إلى النبي ص ليصرفه عن العُمرة، رأى من إجلال الصحابة للنبي ص وحرصهم على امتثال أمره عجباً، فرجع إلى قريش وهو يحكي له ما أذهله وأثرّ في نفسه قائلاً:

«أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجِلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.. »(1).

هؤلاء هم الصحابة كما رآهم أعداؤهم ... يحبون نبيهم ص ويُجلونه ويمتثلون أمره ويعظّمون أمره.

لقد سَمِع الصحابة الكرام نبيهم ص وهو يُثني الثناء العطر على سِبطيه الحسن والحسين ب، وراقبوه وهو ينزل من على منبره خوفاً عليهما من التعثر والسقوط، رأوه وهو يحنو عليهما ويُظللهما بعطفه الأبوي، فماذا تُراهم سيفعلون مع الحسن والحسين ب؟

يحكي لنا التاريخ قول الخليفة أبي بكر الصدّيقt : «ارقبوا محمداً في أهل بيته»(2) ، وقوله هذا لا يحتاج إلى بيان.

أما الفاروق عمر بن الخطاب t فيروي عنه الزُّهري أنه كسا أبناء الصحابة، ولم يكن في ذلك ما يصلح للحسن والحسين فبعث إلى اليمن، فأتي بكسوة لهما فقال: الآن طابت نفسي(3).

وروى الواقدي أَنَّ عمر ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما؛ لقرابتهما من رسول الله ص لكل واحد خمسة آلاف(4).

وقال الذهبي: «روى جعفر بن محمد عن أبيه: أَنَّ عمر جعل للحسين مثل عطاء علي خمسة آلاف» (5) .

وأما ابنه عبد الله بن عمر ب فمعلوم نصحه للحسين t قبل خروجه لأهل العراق، وقد قال له: «إنَّ جبريل ؛ أتى النبي ص فخيَّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله ص كذلك يريد منكم» (6).

وأما أبو هريرة t فقد روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن أبي المهزم أنه قال: كنا مع جنازة امرأة ومعنا أبو هريرة فجيء بجنازة رجل فجعله بينه وبين المرأة فصلى عليهما، فلما أقبلنا أعيا الحسين فقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال الحسين: يا أبا هريرة، وأنت تفعل هذا؟!

قال أبو هريرة: دعني، فوالله لو يعلم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم(7).

وأما عمرو بن العاص t ، فمن مظاهر تقديره وإجلاله للحسين t ما رواه ابن أبي شيبة عن الوليد بن العيزار قال: بينا عمرو بن العاصt في ظل الكعبة إذ رأى الحسين بن علي مقبلاً فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء(8).

وأما معاوية بن أبي سفيان t فكان يُكرم الحسين ويجله، وكان الحسين يقبل جوائزه(9).

يقول الحافظ ابن كثير: «لما استقرت الخلافة لمعاوية، كان الحسين يتردد إِليه مع أخيه الحسن فيكرمهما إكراماً زائداً ويقول لهما: مرحباً وأهلاً، ويعطيهما عطاءً جزيلاً، وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند(10) والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطي أنتَ، ولا أحد قبلك، ولا بعدك رجلاً أفضل منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إِلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه (11).

- وشكى معاوية مرة من شدة ردِّ الحسين عليه، فقيل له: «اكتب إليه كتاباً تعيبه وأباه فيه، فقال: ما عسيتُ أن أقول فيه وفي أبيه إلا أن أكذب، ومثلي لا يعيب أحداً بالباطل، وما عسيتُ أن أقول في حسين ولست أراه للعيب موضعاً...» (12).

وجُل أهل البيت ممن عاصروا الحسن والحسين ب كانوا يكرمونهما فقد روى ابن عساكر بسنده عن مدرك بن عمارة قال: «رأيتُ ابن عباس آخذاً بركاب الحسن والحسين، فقيل له: أتأخذ بركابهما وأنتَ أسن منها؟ فقال: إنّ هذين ابنا رسول الله ص أوليس من سعادتي أَنْ آخذ بركابهما» (13).

وروى ابن عساكر بسنده عن رزين بن عبيد: كُنتُ عند ابن عباس فأتى علي بن الحسين فقال ابن عباس: مرحبا بالحبيب ابن الحبيب(14).

تلك نظرة الصحابة رضوان الله عليهم لريحانة المصطفى ص الحسين بن علي t، وهذه مكانته عندهم .

 

الهوامش :

 (1) صحيح البخاري  كتاب الشروط  باب الشروط في الجهاد  حديث رقم (2581).

(2) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول الله ص وباب مناقب الحسن والحسين ب (3751), (3713). ومعنى «ارقبوا محمداً في أهل بيته» أي احفظوه في أهل بيته؛ فلا تسبوهم ولا تؤذوهم، بل قدروهم واحترموهم وأحبوهم.

(3) سير أعلام النبلاء (3/285), وتاريخ دمشق (14/177).

(4) سير أعلام النبلاء (3/285), وتاريخ دمشق (14/177).

(5) سير أعلام النبلاء (3/285)، وتاريخ الإسلام حوادث سنة 61هـ (ص10) وكانت خمسة آلاف هي عطاء أهل بدر، فكأنه جعل الحسن والحسين كأهل بدر, وهذا شرفٌ عظيمٌ يضم لشرفهما وأيضاً دليل عظيم على محبة الفاروق لبيت النبوة ومعرفته حقهم فتأمل!.

(6) الحديث ورد بألفاظ فيها اختلاف يسير كما في: صحيح ابن حِبان (15/424) رقم (6968) والزهد لابن  أبي عاصم (1/134) رقم (267), وسنن البيهقي (7/48) رقم (13098), وتاريخ دمشق (4/127) (14/202). كلهم عن يحيى بن إسماعيل بن سالم عن الشعبي.

(7) تاريخ دمشق (14/179-180) وسير أعلام النبلاء (3/287) مختصراً.

(8) مصنف ابن أبي شيبة (7/269).

(9) سير أعلام النبلاء (3/291).

(10) يشير إلى أمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، تلتقي مع رسول الله ص في الجد (عبد مناف) أسلمت وبايعت وحسن إِسلامها.

(11) البداية والنهاية, ط المعارف (8/150, 151), وتاريخ الإسلام, ترجمة الحسين (104) وتهذيب تاريخ دمشق (4/315).

(12) أنساب الأشراف (3/361).

(13) تاريخ دمشق (14/181).

(14) تاريخ دمشق (41/370), والبداية والنهاية (9/106) ط المعارف.

 



 

حمل الآن شريط

 ( ريحانة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم " الحسين رضي الله عنه " )

 

عن طريق ( QRcode)

 

فقط حمل برنامج أو تطبيق على جوالك يقوم بقراءة هذا الكود وكشف المعلومات المخزنة به فقط تدخل على سوق البرامج الخاص بجوالك ( نوكيا - جلاكسي - ايفون - البلاك بيري ) ثم ثبته جهازك .