الأخوة عند الآل والأصحاب

  • قال تعالى "إنما المؤمنون إخوة  " [ الحجرات :10]

  • قال أبو الدرداء : معاتبة الأخ أهون من فقده ، ومن لك بأخيك كله ، فأعط أخاك وهب له ، ولا تطع فيه كاشحًا فتكون مثله .

  • ·    مجاهد : صحبت ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني أكثر.

 

أرشد المصطفى - صلى الله عليه وسلم -  أمته إلى أهمية التآخي بينهم فقال عليه الصلاة والسلام : " وكونوا عباد الله إخواناً " 1، ولم يكتف - عليه الصلاة والسلام -  بالدعوة إلى الأخوة بل امتثلها في حياته ، ويكفي في بيان ذلك ما كان بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين صاحبه أبي بكر - رضي الله عنه - من مودة وتآخي، صورها - عليه الصلاة والسلام – بقوله : " لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً،ولكن أخوةُ الإسلام ومودته "2 وفي رواية " ولكن أخوة الإسلام أفضل "3.

عندما وطئت أقدام محمد - عليه الصلاة والسلام - أرض طيبة الطاهرة عني عناية خاصةً بإقامة رابطة الأخوة الإيمانية بين أبناء مجتمعه الأول ، فكانت على رأس سُلم أولوياته - عليه الصلاة والسلام - ، أخرج البخاري عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قدم علينا عبد الرحمن بن عوف ، وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سعد بن الربيع ، وكان كثير المال ، فقال سعد : قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالا ، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين ، ولي امرأتان ، فانظر أعجبهما إليك فأطلقها ، حتى إذا حلت تزوجتها ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ، فلم يرجع يومئذ حتى أفضل شيئا من سمن وأقط ، فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه وضر4 من صفرة ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مهيم ) . قال : تزوجت امرأة من الأنصار ، فقال : ( ما سقت إليها ) . قال : وزن نواة من ذهب ، أو نواة من ذهب ، فقال : ( أولم ولو بشاة ).5

قال سفيان - رحمه الله - : لا بد من أخ تبثه شكواك ، ويعينك على بلواك، ومن وجد له أخاً تهواه نفسه ، وتعجبه فعاله ، ويرضى الله عن خصاله ، فليتمسك به ، فإن أعجز الناس من فرط في طلب الأخوان الأوفياء ، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم .

 ويقول عمر - رضي الله عنه -  : لقاء الأخوان جلاء الأحزان .

وما الــمـــرء إلا بإخوانه          *****       كما يقبض الكف بالمعصم

ولا خير في الكف مقطوعة         *****       ولا خير في الساعد الأجذم

إن ثمرة الأخوة لا تقتصر على الدنيا فقط بل يمتد أثرها ، ونفعها إلى الدارة الآخرة ، وهي الدار التي أحوج ما يكون فيها المرء إلى إخوانه وإحسانهم ، وهل هناك أعز وأغلى من أخ لك لم تلده أمك يكون سبباً في الشفاعة لك ، وإنقاذك من النار ، قال بعض السلف : استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة .وشاهد ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن النبي – صلى الله عليه وسلم – " فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون " .6

والأخوة والألفة بين المؤمنين لتبقى معهم في دنياهم وفي برزخهم أيضاً ، وأما إذا أنعم الله على الأخوين بدخول الجنة فإخوتهم هناك تختلف عن أخوة الدنيا ، فهي أخوة صافية خالصةٌ جاءت بعد نزع الأحقاد والضغائن التي بقيت من آثار الدنيا : " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " [ الحجر :47 ] .

إن الأخوة في الله لا تؤتي أكلها وتجنى ثمارها ما لم تكن في الله ولله ، فهي قرينة الإيمان لا تنفك عنه ، ولذا جمع الله بينهما في قوله سبحانه : " إنما المؤمنون إخوة  "   [ الحجرات :10]

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله - : وهذا عقد عقده الله بين المؤمنين ، أنه إذا وجد من أي شخص كان في مشرق الأرض ومغربها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فإنه أخ للمؤمنين ، أخوةٌ توجب أن يحب له المؤمنون ما يحبونه لأنفسهم ويكرهون له ما يكرهون لأنفسهم . أ . هـ إن من الأمثلة التي تصور أصالة الأخوة وارتباطها بالدين والإيمان موقف مصعب بن عمير رضي الله عنه مع أخيه أبا عزيز الذي قدم مع معسكر المشركين يوم بدر ، فتحركت في نفس مصعب رضي الله عنه أواصر الأخوة الإسلامية حينما تعارضت مع أخوة النسب ، يقول أبو عزيز : مرَّ بي أخي مصعب بن عمير ، ورجل من الأنصار يأسرني ، فقال : مصعب لأخيه في الإسلام من الأنصار شد يديك به ، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك ، فقال له أخوه في النسب أبو عزيز : يا أخي أهذه وصاتك بي ، فقال مصعب رضي الله عنه: إنه أخي دونك .

كم من أخٍ لك لم يلده أبوك * وأخ أبوه أبوكــا قد يجفوك

كم نحن بحاجة إلى أن نجرد أخوتنا فلا تكون إلا لله ، وأن نترك ما سواها إذا كانت تتعارض مع أخوة الدين كأخوة النسب ، أو الوطن ، فهذه صور للأخوة ، والروابط لا تأبها الشريعة ، لكن شريطة أن لا تتعارض مع أخوة الدين ، والإيمان .

وهذه المسلك هو الذي سلكه الآل والأصحاب – رضوان الله عليهم في مواقف يصعب حصرها اقتصرت على بعضها اختصارا .

* كان موسى الكاظم يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصّرة ألف دينار . 7

قال أبو الدرداء – رضي الله عنه - : إني لأدعو لسبعين رجلاً من إخواني في صلاتي اسميهم بأسمائهم وأسماء آبائهم .8

قال أبو الدرداء : معاتبة الأخ أهون من فقده ، ومن لك بأخيك كله ، فأعط أخاك وهب له ، ولا تطع فيه كاشحًا فتكون مثله .9

  • مجاهد : صحبت ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني أكثر . 10

    كان عمر رضي الله عنه يذكر الأخ من إخوانه في بعض الليل فيقول : يا طولها من ليلة فإذا صلى المكتوبة غدا إليه واعتنقه 11

  • كان بين عاصم بن عمر بن الخطاب وبين الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب منازعة في أرض فلما تبين عاصم من الحسن الغضب قال : هي لك ، فقال له : بل هي لك فلما تركاها ولم يتعرضا لها ولا أحد من ذريتهما حتى أخذها الناس من كل جانب .  12

  • قال عمر ـ رضي الله عنه ـ : (( لا يعجبنكم طنطنة الرجل ، ولكن من أدى الأمانة ، وكف عن أعراض الناس هو الرجل )) . 13

  • قال ميمون بن مهران: سمعت ابن عباس يقول : ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا أنزلته إحدى ثلاث منازل ، إن كان فوقي عرفت له قدره وإن كان نظري تفظلت عليه وإن كان دوني لم أحفل به . هذه سرتي في نفسي ، فمن رغب عنها فإن أرض الله واسعة. 14

  • عاتب عثمان عليًا رضي الله عنهما فقال عثمان : ما لك لا تقول ؟   فقال : إن قلت لم أقل إلا ما تكره ، وليس لك عندي إلا ما تحب . 15

  • قال الأعمش : كان ابن مسعود إذا جاءه أصحابه قال : أنتم جلاء قلبي .16

  • قال معاذ بن جبل : إذا كان لك أخ في الله فلا تُمارِهِ ولا تَسمعْ فيه من أحدٍ ، فربما قال لك ما ليس فيه ، فحال بينك وبينه . 17

  • قال الحسن بن علي رضي الله عنهما : لو أن رجلًا شتمني في أذني هذه ، واعتذر في أذني الأخرى ، لقبلت عذره .  18

  • قال ابن عباس : أعز الناس عليّ جليسي الذي يتخطى الناسَ إليَّ ، أما والله إن الذباب يقع عليه فيشق علي . 19

  • روى الطبراني بإسناده في " مكارم الأخلاق " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ثلاثة لا أقدر على مكافأتهم : فرجل أوسع لي في مجلسه ، ورجل سقاني على ظمأ ، ورجل اغبرت قدماه في الاختلاف إلى بابي ، وأما الرابع الذي لا يكافئه عني إلا الله عز وجل : فرجل عُرضت له حاجة فظل ساهرًا متفكرًا بمن ينزل حاجته وأصبح فرآني موضعًا لحاجته ، فهذا لا يكافئه عني إلا الله عز وجل ، وإني لأستحي من الرجل أن يطأ بساطي ثلاثًا لا يُرى عليه أثرٌ من أثري . 20

  • قال علي : إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرًا للقدرة عليه . 21

  • قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : شرط الصحبة إقالة العثرة ، ومسامحة العشرة ، والمواساة في العسرة . 22

مواقف يعجز القلم عن تسطير وصف لها ، ومشاعر مقرونة بأفعال تظهر فيها عظمة العظماء ، وروعة الفضلاء .

تعمدت الاكتفاء ببعض ما جاء عن الآل والأصحاب – رضي الله عنهم- في تفسيرهم لمعنى الأخوة ، لنتخذ منها ميزاناً نزن به بعض أخلاقنا ، ونبين حقيقة نظرتنا لأخوة في الله – تعالى - ، وممارساتنا الخاطئة مع بعضنا البعض – إلا من رحم الله تعالى - .

إن القلوب لا يمكن أن يجمعها إلا الأخوة في الله تتضاءل إلى جانبها الأحقاد التاريخية ، والثارات القبلية ، والأطماع الشخصية ، والآفات العنصرية .

 وإخوان حسبتموها دروعاً                  فكانوا ولكن للأعادي

وخلتموها سهاماً راميات                  فكانوا ولكن في فؤادي

وقالوا قد صفت منا قلوب               لقد صدقوا ولكن عن ودادي

 

إنني آمل أن نعرض سلوكنا الذي يعبر عن حقيقة فهمنا لمعنى الأخوة على هذه الآثار ، والأخبار ، ونسعى جاهدين لتغيير ما يعكر جمال الأخوة ، ويفسد حلاوتها .

إن الأخوة في الله يذوب عندها كل تعصب لمذهب ، أو طائفة ، أو عرف ، أو تراب ، ويكون الولاء كله لله ، وفي الله . نسأل الله عوناً على تحقيق الأخوة الصادقة .

 

الهوامش :

  1. رواه البخاري ( 6076 ).

  2. رواه البخاري: (454).

  3. رواه البخاري: (3457).

  4. وَسَخُ الدَّسَمِ واللَّبَنِ وغُسالةُ السِّقاءِ والقَصْعةِ ونحوِه (لسان العرب: 7/54).

  5. رواه البخاري ( 3781 ).

  6. رواه البخاري ( 7439 )

  7. وفيات الأعيان " 5/308

  8. تهذيب الأسماء واللغات " 2/229

  9. الآداب الشرعية " [ 1/ 321 ]

  10. " غذاء الألباب شرح منظومة الآداب: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي، 2/377

  11. غذاء الألباب " 2/379

  12. البداية والنهاية "  8 / 298

  13. رواه أحمد في " الزهد " " الردود العلمية " ص 420 

  14. البداية والنهاية " 9 / 319

  15. الآداب الشرعية والمنح المرعية " الإمام أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي  [ 1/ 378 ]

  16. الآداب الشرعية " [ 1/ 243 ]

  17. الآداب الشرعية " [ 1/ 258 ]

  18. الآداب الشرعية " [ 1/ 319 ]

  19. الآداب الشرعية "  [ 1/ 325 ]

  20. الآداب الشرعية "  [ 1/ 326 ]

  21. الآداب الشرعية " [ 1/ 378 ]

  22. الآداب الشرعية " [ 3/453 ]



من معلقات المبرة

من الأسماء التي يحبها علي وأبناؤه رضي الله عنهم أجمعين

 

تمعن في هذه الشجرة المباركة !

أبو بكر وعمر وعثمان يشهدون كربلاء ويستشهدون !

تعال نتأمل هذا الأمر !

أبو بكر بن علي بن أبي طالب، وابن أخيه أبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب وعمر بن الحسن وعمر بن الحسين ومع عميهم العباس وعثمان ابني علي بن أبي طالب ( أمهما أم البنين الكلابية) .

ولاننسى عمر بن علي بن أبي طالب آخر أبناء علي وفاة، وعمر وعثمان ابني علي ابن الحسين.

 بل امتد الأمر إلى الجيل السادس، ليسمي موسى الكاظم ابنين من أبنائه: أبابكر وعمر !

هل تريد المزيد من آل بيت النبوة صادقي الود والإخاء ، الذين يعرفون للمهاجرين والأنصار قدرهم وفضلهم وصحبتهم لجدهم الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ؟

إليك المزيد

عائشة بنت جعفر الصادق!

عائشة بنت موسى الكاظم!

عائشة بنت علي الرضا!

عائشة بنت الجواد!

أخي الكريم .. هناك كم كبير من هذه العلاقات الفريدة، والتسميات ذات المغزى المعبر في بطون الكتب المعتمدة، هل تريدنا بعد هذا أن نصدق كلام المستشرقين المغرضين، ومن تلوث بفكرهم بأن العلاقة كانت عداء وبغضاء؟ اللهم لا ، وأبرأ إلى الله  من وساوسهم  ونفثهم ومكرهم بالمسلمين.

أسماء يحبها علي بن أبي طالب و أبناؤه رضي الله عنهم



مقدار ترابط الآل والصحابة وتجمعهم لنشر الإسلام

عندما نتذكر مدح الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه بقوله سبحانه:

مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ (1) فإننا نعلم بأن الثناء كان متوجهاً إلى آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، حيث جمعهم الله بخطاب واحد للدلالة على ترابطهم واجتماعهم على الخير والمحبة تحت مسمى مبارك يشملهم جميعاً وهو: «الصحابة».

وسنعلم أيضاً أنهم عاشوا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفق ما يحبه الله سبحانه وتعالى، تحت سمع وبصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهناك الأمثلة العديدة المظهرة لمقدار هذا التداخل والارتباط بما يعلم به مَنْ كان معهم، ومن سيأتي بعدهم من أنهم كانوا أمة متراحمة متوادة تعيش بوئام وسلام، وتزاوج ومصاهرات، حتى وإن كان هناك بعض الأمور الناشئة عن اختلاف الرأي والتدبير لبعض القضايا، لكن كل هذا لم يصل إلى قلوبهم، ولم يفسد روح المودة فيما بينهم، وحسن ظنهم تجاه من خالف رأيهم، فوجهات النظر وتباين الآراء في فروع الدين لم تفسد للود بينهم قضية، وذلك لاتحاد معتقدهم، وسلامة منهجهم، واتفاقهم في أصول الشريعة ومن يقرأ مسيرتهم رضي الله عنهم، يجد هذا الترابط والتواد، ظاهراً في حياتهم ومن ذلك أن الحسن رضي الله عنه كان من المحبين لعثمان رضي الله عنه، ولا يفرق بين حبه له وحبه لمن سبقه من الخلفاء كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولم لا يحبه؟ وهو من العشرة المبشرين بالجنة؟ ولم لا يحبه وهو زوج خالتيه رقية وأم كلثوم ، ولما لا يحبه وهو يعلم أن عثمان رضي الله عنه حبيب لجده صلى الله عليه وآله وسلم وحبيب لأبيه علي رضي الله عنه الذي كان وفياً لعثمان كما كان وفياً لأبي بكر وعمر.

واستمر الحسن رضي الله عنه على وفائه لعثمان مثلما كان أبوه رضي الله عنه ومن شابه أباه فما ظلم.

أليس ما حدث يوم الدار دليلاً على الوفاء يوم أن وقف الحسن يدافع عن عثمان رضي الله عنه عندما أرسل كبار الصحابة أبناءهم ليدفعوا عنه السوء، ومن هؤلاء الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وعندما تفاقم أمر الفتنة، وحوصر عثمان، أقسم عثمان رضي الله عنه على الحسن بالرجوع إلى منزله خشية أن يصاب بمكروه، فقال له: «ارجع يا ابن أخي، حتى يأتي الله بأمره» فدافع عنه الحسن حتى حمل جريحاً من الدار»(2).

ولا نستغرب أن نرى آل البيت رضي الله عنهم، قد أظهروا الحب قولاً وفعلاً للصحابة رضي الله عنهم، وعلى الملأ، ومن ذلك ما قاله جعفر بن محمد بن علي: «برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر»(3).

وأيضاً كانوا لا يبخسون وزيري النبي حقهما في التقديم، فعن وهب السوائي قال: خطبنا علي رضي الله عنه فقال: من خير هذه الأمة بعد نبيها؟ فقلت: أنت يا أمير المؤمنين، قال: لا خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنه، وكان يقول: ما نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله عنه(4).

وعلى هذا سار بقية العشرة، ومن ذلك ما جاء عن ابن أبي حازم أنه قال: جاء رجل إلى علي بن حسين رضي الله عنه فقال: ما كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: كمنزلتهما منه الساعة(5).

فما كان الصحابة رضي الله عنهم في علاقتهم واتصالهم ومحبتهم لبعضهم البعض إلا أنموذجاً فريداً من المودة والرحمة والترابط والتحاب.

ومما سبق يظهر لنا أن محبة آل البيت والصحابة الكرام واجب عيني دلت عليه النصوص الشريعة، وذلك أنهم خير من جسد العلم بحقوق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وترجموا هذا العلم إلى واقع تجسد في الإيمان به ومحبته وتفضيله حتى على أنفسهم بل وفدائه بالأرواح والمهج، ثم أنهم خير من اقتدى به، واقتفى أثره بدقة لم تعهد لأصحاب نبي، ومعرفتهم بهذه الحقوق والعمل بمقتضاها جعلهم كأنهم رجل واحد يفكر بعقل واحد الأمر الذي مكّن لهم في الأرض وسهل لهم نشر نور الإسلام في شتى البقاع.

 

  • الهوامش :

([1]) سورة الفتح الآية «29».

(2) الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه للصلابي (187) وعز الخبر إلى الرياض النضرة.

(3) رواه أحمد في فضائل الصحابة رقم (143) وقال محققه: إسناده صحيح إلى جعفر بن محمد بن علي.

(4) رواه أحمد في فضائل الصحابة رقم (50) وعبد الرزاق في مصنفه (11/222) وحسنه محقق فضائل الصحابة.

(5) رواه أحمد في فضائل الصحابة رقم (223) وقال محققه: رجال الإسناد ثقات لكنه منقطع، وابن أبي حازم هو عبد العزيز بن أبي حازم لم يدرك علي بن حسين بن زين العابدين ثم بيّن بأن الدارقطني رواه في فضائل الصحابة (جزء 11 لـ 19ب) موصلاً بإسناد صحيح عن ابن أبي حازم عن أبيه.