العباس بن عبد المطلب نظرة إلى سيرته ومناقبه

   د/ أحمد سيد أحمد علي

اسمه ونسبه:

هو أبو الفضل العباس بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف القرشي الهاشمي عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمه نتيلة بنت جناب بن كلب ، ولد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، وقيل: بثلاث ، وهو من سادة قريش في الجاهلية والإسلام ، وجد الخلفاء العباسيين ، وكانت إليه في الجاهلية السقاية وعمارة المسجد الحرام ، حضر مع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم وشهد بدراً مع الكفار مكرهاً فأسر ، ثم افتدى نفسه وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب ورجع إلى مكة ، وأسلم 1وكتم إسلامه وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار قريش ، وهاجر إلى المدينة قبل الفتح بقليل وشهد فتح مكة ، وثبت يوم حنين ، وكان عظيم المكانة عند النبي صلى الله عليه وسلم يعترف له بسداد الرأي ، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة ودفن بالبقيع رضي الله عنه وأرضاه ))2

صفته رضي الله عنه:                                                                                         روى ابن عساكر بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان العباس معتدل القناة3 وكان عبد المطلب معتدل القناة ... قال عكرمة وكان عبد الله معتدل القناة وكان علي بن عبد الله معتدل القناة ، يعني طويلا حسن الانتصاب ليس فيه جنأ. 4

وذكر الذهبي في سيره : كان العباس شريفا ، مهيبا ، عاقلا ، جميلا ، أبيض ، بضا ، له ضفيرتان ، معتدل القامة .. قلت- أي الذهبي- : بل كان من أطول الرجال ، وأحسنهم صورة ، وأبهاهم ، وأجهرهم صوتا ، مع الحلم الوافر ، والسؤدد .5

وعن جهورية صوت العباس يقول الذهبي: قال الضحاك بن عثمان الجزامي : كان يكون للعباس الحاجة إلى غلمانه وهم بالغابة ، فيقف على سلع ، وذلك في آخر الليل ، فيناديهم فيسمعهم . والغابة نحو من تسعة أميال . قلت : ( الذهبي) كان تام الشكل ، جهوري الصوت جدا ، وهو الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يهتف يوم حنين : يا أصحاب الشجرة . قال القاضي أبو محمد بن زبر : حدثنا إسماعيل القاضي ، أخبرنا نصر ابن علي : أخبرنا الأصمعي ، قال : كان للعباس راع يرعى له على مسيرة ثلاثة أميال ، فإذا أراد منه شيئاً صاح به ، فأسمعه حاجته.6

إطلالة على بعض مناقبه وفضائله رضي الله عنه

لقد حاز العباس كثيراً من الفضائل و جمع كثيراً من المناقب، ووردت في بيان مناقبه أحاديث كثيرة كلها دلت على أنه عظيم المقام جليل القدر، ولو أردنا إحصاء فضائله ومناقبه لاحتجنا إلى الكثير والكثير مما لا تحتمله طبيعة هذا المقال الموجز، ولكن تكفينا هنا بعض الإشارات، وكما يقال رُب إشارة أبلغ من عبارة، ومن أراد الاستزادة فعليه بالمصادر والمراجع التي سنشير إليها في الحواشي.

وبداية أقول: إن من أولى مناقب العباس بن عبد المطلب حب النبي صلى الله عليه وسلم له وهو أمر ظاهر واضح ويدل عليه ثقة النبي فيه حتى قبل أن يسلم واصطحابه معه يوم العقبة الثانية وتقديمه في الكلام على غيره .

  • أخرج البغوي في ترجمة أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بسند له إلى الشعبي عن أبي هياج عن أبي سفيان بن الحارث عن أبيه قال: كان العباس أعظم الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة يعترفون للعباس بفضله ويشاورونه ويأخذون رأيه.7

ولقد توج النبي هذا الحب بنص واضح لا يقبل الشك حيث ذكر في مواضع متعددة مشيرا إلى عمه العباس موضحا فضله ومكانته: " إن عم الرجل صنو أبيه"ومن تلك المواضع:

  • ما رواه مسلم بسنده عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِىَ عَلَىَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا ». ثُمَّ قَالَ « يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ ».8

  • وروى الترمذي بسنده  عن أبي البختري عن علي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر في العباس: إن عم الرجل صنو أبيه، وكان عمر تكلم في صدقته. 9

والصنو هنا أي المثل والنظير، قال ابن الأثير : الصنو : المثل ، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد وهو مثل أبي أو مثلي وجمعه صنوان 10. على هذا فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم : (( وأن عم الرجل صنو أبيه )) أي : مثله يعني أصلهما واحد فتعظيمه كتعظيمه وإيذاؤه كإيذائه.

  • وروى الحاكم  أخبرني عبد الله بن الحسين القاضي بمرو ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا عبد الله بن عمرو بن أبي أمية ثنا ابن أبي الزناد عن محمد بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجل العباس إجلال الولد والده خاصة خص الله العباس بها من بين الناس.11

  • وروى الحاكم بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : العباس مني و أنا منه.12

ورد في تحفة الأحوذي : قوله : (( العباس مني وأنا منه )) قال في المرقاة : (( أي من أقاربي ، أو من أهل بيتي أو متصل بي، وقال في اللمعات: رسول الله صلى الله عليه وسلم أصل باعتبار الشرف والفضل والنبوة، والعباس أصل من جهة النسب والعمومة.13

  • وروى الطبراني بسنده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يكرم أحداً ما يكرم العباس.14

  • وروى الترمذي بسنده عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للعباس إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتى أدعو لك بدعوة ينفعك الله بها وولدك فغدا وغدونا معه وألبسنا كساء ثم قال اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا اللهم أحفظه في ولده.15

  • وروى الحاكم أيضاً : بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كان العباس بالمدينة فطلبت الأنصار ثوباً يلبسونه فلم يجدوا قميصاً يصلح عليه إلا قميص عبد الله بن أبي فكسوه إياه قال جابر : وكان العباس أسير رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وإنما أخرج كرهاً فحمل إلى المدينة فكساه عبد الله بن أبي قميصه فلذلك كفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قميصه لما فعل بالعباس16 .

  • وفي البخاري: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:  لما كان يوم بدر أتي بالأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلى الله عليه و سلم له قميصا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه و سلم إياه فلذلك نزع النبي صلى الله عليه و سلم قميصه الذي ألبسه قال ابن عيينة كانت له عند النبي صلى الله عليه و سلم يد فأحب أن يكافئه.17

وهذا الحديث فيه بيان فضيلة ظاهرة للعباس رضي الله عنه بإكرام النبي صلى الله عليه وسلم له حيث أعطى ثوبه عليه الصلاة والسلام كفنا ًلعبد الله بن أبي مكافأة له على إعطائه قميصا للعباس حين كان أسيراً يوم بدر .

  • وروى الحاكم بسنده عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أبي رافع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا أبا الفضل لك من الله حتى ترضى. 18

  • وروى الحاكم بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رجلا ذكر أبا العباس فنال منه فلطمه العباس فاجتمعوا فقالوا : و الله لتلطمن العباس كما لطمه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فخطب فقال : من أكرم الناس على الله ؟ قالوا : أنت يا رسول الله قال : فإن العباس مني و أنا منه لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا به الأحياء.19

كانت هذه لمحات ومقتطفات موجزة عن بعض مناقب وفضائل عم النبي صلى الله عليه وسلم العباس، وهي تعطينا إشارة واضحة على مكانته رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بخاصة  بل وعند الأمة بعامة فرضي الله عنه وأرضاه.

الهوامش :

  1. اختلف العلماء في وقت إسلام العباس ، فبعضهم يرى أنه أسلم في بداية البعثة، والبعض يرى أنه أسلم قبل الهجرة، والبعض على أنه أسلم بعد الهجرة وقبل بدر، والأكثرون على أنه أسلم بعد بدر.

  2. طبقات ابن سعد 4/5-33 ، تاريخ دمشق: 26/273،  الجرح والتعديل 6/210 ، المستدرك 3/321 ، الاستيعاب على حاشية الإصابة 3/94 103 ، صفة الصفوة 1/506 510 ، مجمع الزوائد 9/268 تهذيب التهذيب 5/214 215 ، الإصابة 2/263 ، أسد الغابة 3/109 121 .

  3. القناة: القامة.

  4. تاريخ دمشق: 26/280.

  5. سير أعلام النبلاء - الذهبي - ج 2 - ص 79-80.

  6. سير أعلام النبلاء - الذهبي - ج 2/95.

  7. الإصابة: 3/512.

  8. رواه مسلم: كتاب الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، ح(2324) وأبو داود في سننه: كتاب الزكاة ، باب في تعجيل الزكاة، ح(1625) وقال الشيخ الألباني: صحيح.

  9. رواه الترمذي في سننه: كتاب المناقب، باب مناقب العباس، ح(3760). قال هذا حديث حسن صحيح وقال الشيخ الألباني : صحيح لغيره.

  10.  (النهاية : 3/57)

  11. رواه الحاكم في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر إسلام العباس، ح(5410) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعلق الذهبي في التلخيص : صحيح.

  12. رواه الحاكم في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر إسلام العباس، ح(5411) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعلق الذهبي في التلخيص : صحيح.

  13. تحفة الأحوذي: 10/181.

  14. رواه الطبراني في الأوسط: 7/89، ح(6940) وقال: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا بن أبي الزناد، وقال الذهبي في السير: إسناده صالح. (سير أعلام النبلاء: 2/92).

  15. رواه الترمذي في سننه: كتاب المناقب باب مناقب العباس، ح (3762) وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقال الشيخ الألباني : حسن .

  16. رواه الحاكم في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر إسلام العباس، ح(5425) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، الذهبي في التلخيص : على شرط البخاري ومسلم. والبيهقي في الكبرى: كتاب الجنائز، باب جواز التكفين في القميص، ح(6934). وقد روى النسائي وغيره حديث  كساء العباس في المدينة بقميص عبد الله بن أبي،  ( النسائي: كتاب الجنائز، باب القميص في  الكفن، ح(1902) وصححه الألباني.

  17. رواه البخاري: كتاب الجهاد، باب كسوة للأسارى، ح(2846).

  18. رواه الحاكم في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر إسلام العباس، ح(5411) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعلق الذهبي في التلخيص : صحيح.

  19. رواه الحاكم في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر إسلام العباس، ح(5421) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعلق الذهبي في التلخيص : صحيح.

 



 

من معلقات المبرة ذات الدلالة العميقة على العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب

من جمع بين شرفي القربى والصحبة

إليك أيها القارئ الكريم أسماء أكثر من مائة ممن جمعوا بين شرفي القربى والصحبة.

هؤلاء الأفاضل الذين كان لهم شرف القَرابة النَّسبية والصحبة والاتباع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته.

ولا يخفاك أخي القارئ الكريم أن النَّسَب النبوي فضيلة ومنقبة، ويراد منه أولئك الذين اجتمعوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جده هاشم وهم الذين حرمت عليهم الصدقة، ويضاف إليهم أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين.

ولعل من شواهد حبنا لهؤلاء الأفاضل؛ إبرازنا لأسمائهم والترضي عنهم، ومعرفة فضلهم وقدرهم.

وفي الوقت نفسه ينطبق عليهم تعريف الصحابة وهم من أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنا به ومات على الإسلام.

هذا وقد ميَّزنا في هذه المعلقة بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه وأعمامه وأبناءهم كما ميَّزنا الذكور عن الإناث والمختلف فيهم عن الثابتين بيقين.

رزقنا الله وإياكم حسن الاقتداء بهم وجمعنا وإياهم في فردوسه الأعلى.. آمين

من جمع بين شرفي القربى والصحبة



مبرة الآل والأصحاب استقبلت المستشار في الديوان الملكي

وإمام الحرم المكي الشيخ د.صالح بن حميد

د. صالح بن حميد : مبرة الآل والأصحاب تنشر الثقافة الصحيحة وتبين الحق وتقيم الحجة وتهدم الفتنة.

الشطي : المبرة تشرفت بهذه الزيارة الكريمة، وهذا خير دليل على سمو رسالتنا .

الخضر : زيارة كريمة من شخصية علمية مرموقة وتفاعل طيب مع اطروحات المبرة .

 

استقبلت مبرة الآل والأصحاب المستشار في الديوان الملكي في المملكة العربية السعودية الشقيقة وإمام الحرم المكي الشيخ د.صالح بن حميد ويرافقه القاضي د.خالد السعيد .  

  وقد أبدى الشيخ د.صالح بن حميد خلال زيارته الإعجاب بالمبرة قائلاً " لقد سررت لزيارة هذه المبرة المباركة ، وسرني ما استمعت إليه وشاهدته من العمل القيم المبارك الذي تقوم به المبرة في حفظ حق آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وحقوق أصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وما تقوم به من رصد وتأليف ونشر هذه الثقافة الصحيحة مما يبين الحق ويقيم الحجة ويهدم الفتنة ، فبارك الله في جهود القائمين على المبرة وأسأل الله لهم المزيد من التوفيق والعمل والإنجاز والهداية ومزيد من الإحسان في العمل انه سميع مجيب ".