(صدقوا ما عاهدوا الله) 

جاهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالغالي والنفيس في سبيل الله، ووجدوا أن دماءهم وأموالهم ثمن بخس يدفعونه لتحصيل عظيم النعيم ،  ونستعرض هنا سباقهم وتنافسهم في ميادين الجهاد.

قد حرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - الناس على الجهاد يوم بدر وقال: «لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة (1)» فقال عمير بن الحمام : (وفي يده تمرات يأكلهن) بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل (2).

وقد غاب أنس بن النضر - رضي الله عنه - عن بدر فشق عليه ذلك وقال: «لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد أسرع إلى المعركة، وهو يقول: إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ضربة وطعنة ورمية فقالت أخته: فما عرفت أخي إلا ببنانه (3)».

وقد رصد معاذ بن عمرو بن الجموح أبا جهل في بدر حتى أمكنه الله منه فقطع رجله قال عمرو: (وضربني ابنه - يعني ابن أبي جهل - فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنها، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها) (4).

ولا يخفى مدى صبر هذا الصحابي ومصابرته، إذ أشغله القتال عن يده وبقي يسحبها خلفه، وأخيرا رمى بها.

وهذا عمرو بن الجموح رجل شديد العرج وهو ممن عذر الله، وله أربعة أبناء مثل الأسد يشهدون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشاهد، يصر على الخروج يوم أحد قائلا: (إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة) فقتل شهيدا (5).

ولما طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أصحاب أحد الخروج في اليوم الثاني طلبا للقوم، وقد أصاب المسلمين ما أصابهم من ألم وجراح خرجوا من غير تردد أو تذمر، فقد قال رجل من بني عبد الأشهل: (شهدت أحدا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخروج في طلب العدو قلت لأخي: أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنت أيسر جرحا فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون) (6).

وقد كان حسيل بن جابر اليماني " وقيل حسل "، وثابت بن وقش شيخين كبيرين، فبقيا مع النساء والصبيان في غزوة أحد فقال أحدهما لصاحبه: (لا أبا لك ما تنظر؟ فوالله ما بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يعلم بهما، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه (7).

ولما قرأ أبو طلحة - رضي الله عنه - قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (8).

قال: (أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبانا جهزوني يا بني فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك فأبى فركب البحر فمات. . . .) (9).

وقد حضرت أم عمارة نسيبة بنت كعب - رضي الله عنها - أحدا تسقي الماء، فلما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقامت تباشر القتال، وتذب عنه بالسيف، وترمي عنه بالقوس حتى خلصت الجراحة إليها (10).

وكانت أم سليم بنت ملحان - رضي الله عنها - ممسكة بخطام جملها صامدة مع من صمد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ومعها خنجر تقول: «إن دنا مني أحد من المشركين بعجته وتقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنك لذلك أهل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أو يكفي الله يا أم سليم (11)».

وقد بادر أولاد الصحابة - رضي الله عنهم - في الاشتراك في الجهاد، فهذا معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، يقف أحدهما عن يمين عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -، والآخر عن يساره، ويقول كل واحد منهما لعبد الرحمن سرا عن صاحبه: «يا عم هل تعرف أبا جهل؟ فيقول عبد الرحمن: نعم ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ فيقول الشاب: أخبرت أنه يسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، يقول عبد الرحمن: فتعجبت لذلك، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته (12)».

وقد سبق أن معاذا قطع رجل أبي جهل، وأن ابن أبي جهل قطع يد معاذ ولا منافاة بين الخبرين، والله أعلم.

(وقد عرض رافع بن خديج على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر فرده لصغر سنه ثم أجازه في أحد، وجاء سمرة بن جندب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرده، فقال سمرة: أجزت رافعا ولو صارعته لصرعته، فصارع رافعا بحضرته فصرعه فأجازه، وكان رافع ابن خمس عشرة سنة وكان راميا) (13).

وقد «أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيفا يوم أحد فقال: (" من يأخذ مني هذا "؟ فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا. فقال: " من يأخذه بحقه "؟ فأخذه سماك أبو دجانة وقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: " أن تضرب به العدو حتى ينحني "، فأخذه وأخرج عصابة حمراء تسمى عصابة الموت فعصب بها رأسه وجعل يتبختر، وهي علامة، على شدة بأسه واستعداده لإعطاء هذا السيف حقه كما وعد) (14)».

وهذا «علي - رضي الله عنه - كان قد تخلف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمدا، فخرج فلحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله: لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ". قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، وفي بعض الألفاظ: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يرجو أن يعطاها، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال: امش على رسلك ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟. . . . . (15)» إلخ.

في هذه القصة من تسابق الصحابة. وتنافسهم على أخذ الراية والفوز بمحبة الله ورسوله، كما لا يخفى موقف علي - رضي الله عنه - وخروجه إلى الغزو متناسيا ما به من ألم الرمد وغير متعلل بذلك.

وهذا أبو محجن الثقفي - رضي الله عنه -، كان سجينا في بيت سعد بن أبي وقاص أثناء معركة القادسية، وكان سعد مريضا - يومئذ - وفرسه تجول، فتعطش أبو محجن إلى القتال، ولم يصبر عن المسارعة إلى أداء الواجب والاشتراك في المعركة فطلب من زوج سعد أن تخلي سبيله، ويعدها إن سلمه الله أن يأتي ويضع رجله في القيد، وهكذا يخرج أبو محجن على فرس سعد ويبلي بلاء حسنا، فيتعجب الناس له، ثم يعود ويضع رجله في القيد كما وعد (16).

وهكذا لم يمنع السجن أو القيد هذا البطل من القيام بالواجب، وكان من الممكن أن يقول يكفيني ما أنا فيه من سجن، وقيد، وهم، وحزن أن لو كان الأمر أمرا سهلا أو أمر أعذار ومراوغة، ولكنها التربية الجهادية التي أشربها الصحابة أجمعون، ومنهم هذا البطل.

وهكذا فإن حب الشهادة وحب لقاء الله قد سرى في عروقهم، وأشربتها قلوبهم، فكان الواحد منهم يطير إلى الشهادة حامدا الله شاكرا لأنعمه مودعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - داعيا له إذ كان سببا في بلوغه هذه النعمة، فالجراح وآلامها ومفارقة الدنيا والأحباب كل ذلك لا ينسيهم توديعهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

فهذا سعد بن الربيع يقول لمن أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - لينظر هل في الأحياء هو أم في الأموات؟ وذلك في غزوة أحد، قال سعد: (أنا في الأموات فأبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم - صلى الله عليه وسلم - ومنكم عين تطرف، قال الرجل ثم لم أبرح حتى مات) (17).

وهذه امرأة من بني دينار ينعى لها يوم أحد زوجها، وأخوها، وأبوها وتقول: فما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالوا: خيرا يا أم فلان وتقول: أرونيه حتى أنظر إليه؟ فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (18)، تريد صغيرة.

وهذا أبو عامر الأشعري - رضي الله عنه - أمير جيش أوطاس أصيب في تلك السرية، وأمر أبا موسى الأشعري بعده وقال له: أقرئ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقل له: استغفر لي، ثم مات (19).

 

الهوامش :

  1. مسند أحمد بن حنبل (3/ 352).

  2. سيرة ابن هشام (المجلد الأول ص 627).

  3. صحيح البخاري " الجهاد " باب قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا) (6/ 21)، سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 83).

  4. سيرة ابن هشام (المجلد الأول ص 635).

  5. سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 90).

  6. سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 101).

  7. سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 87).

  8. سورة التوبة الآية 41

  9. تفسير ابن كثير (2/ 359).

  10. انظر القصة في صحيح البخاري " فرض الخمس " (6/ 246)، وفي " المغازي " (7/ 307).

  11. سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 66)، الإصابة (2/ 79).

  12. انظر صحيح مسلم " فضائل الصحابة " (4/ 1917)، سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 66).

  13. صحيح البخاري " فضائل الصحابة " (7/ 70)، صحيح مسلم " فضائل الصحابة " (4/ 1871 - 1873)، والنص بشيء من التصرف. مجلة البحوث الإسلامية (37/ 282)

  14. سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 94 - 95)، الإصابة (2/ 26)، الموطأ (2/ 466).

  15. سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 99).

  16. صحيح البخاري " المغازي " (8/ 41).



من معلقات المبرة

محمد الباقر رضي الله عنه

محمد الباقر – محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب- رضي الله عنهم

هو السيد الإمام، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المدني، أبوه زين العابدين، ولد سنة ست وخمسين.

لقب بالباقر لبقره العلم (أي شقه وعرف أصله وخفيه)

من أشهر شيوخه وأكبرهم ثلة من الصحابة الكرام،  مثل جابر بن عبد الله الانصاري وأنس بن مالك، وأبوسعيد الخدري، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، مما يعطينا نموذجاً مشرقاً للتواصل العلمي والصلة الثقافية  بين الآل والأصحاب.

بل إن للباقر قرابة (244) رواية في أمهات كتب الحديث النبوي ناهيك عن كتب التفسير وغيرها.

وكما سبق فإن الباقر صاهر بيت أبي بكر الصديق في ابنتهم أم فروة بنت القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأنجبت له جعفراً الصادق، أسوة بجده رسول الله ص لما تزوج من الصديقة عائشة، وبعم أبيه  الحسن بن علي لما تزوج من حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، بل إن ابن أخيه إسحاق بن عبدالله بن علي بن الحسين تزوج من البيت البكري! يالها من ملحمة ودّ وإخاء وحب ووفاء !

ونختم هذه المعلقة  بما رواه الأربلي عن الباقر لما سئل عن حلية السيف فقال: قال: «لا بأس به، قد حلَّى أبو بكر الصديق سيفه، قلت: وتقول الصّدّيق، قال: فوثب وثبة استقبل القبلة، ثم قال: نعم الصّدّيق، نعم الصّدّيق ثلاثاً، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له  قولاً في الدنيا ولا في الآخرة ! » «كشف الغمة (2/360)».

 

 



الطبعة الجديدة من كتاب الوصية الخالدة

حقيقة التوحيد عند أئمة أهل البيت

taweya-006.jpg

 

محمد سالم الخضر رئيس مركز البحوث والدراسات بالمبرة 

أخي القارئ الكريم هذه هي الطبعة الجديدة من الكتاب التاسع من الناحية التسلسلية في سلسلة قضايا التوعية الإسلامية التي تهتم بالجانب التوعوي الذي يبين حقيقة ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة وآل البيت الأخيار من خلال قراءة سيرتهم العطرة من ينابيعها الصافية ومصادرها الصحيحة بعيداً عن العواطف والميول والرغبات الشخصية المصلحية.

تقرأ في هذا الكتاب الذي سماه صاحبه « الوصية الخالدة .....» مظهراً من مظاهر هذه التوعية التي ذكرنا يتمثل في الجانب العقدي عند أئمة أهل البيت حيث وضح الباحث في هذه الرسالة اللطيفة على حد تعبيره العقيدة الصحيحة المعضدة بالأدلة من الكتاب والسنة التي كان يعتقدها أئمة أهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين، وهذه الرسالة على اختصارها قد وضحت هذه الحقيقة، وقد أبدع الباحث في هذه الخطة وبهذه المنهجية بعيداً عن منهجية الكتب والرسائل المبوبة والمفصلة والتي قد يمل القارئ قبل أن يأخذ منها الفكرة الجامعة للكتاب، كما أنها شملت جل موضوعات العقيدة حيث تعرض للشرك والدعاء والعبادة والتوسل والاستغاثة والفرق بين التوسل المشروع والاستغاثة الممنوعة.

وقد اتسم هذا البحث بوضوح الأمثلة وحسن اختيارها وكذلك العنوان الذي ختم به المؤلف بحثه «كفانا شعارات» إذ خلص القول إلى أن من يتكلم نيابة عن آل البيت ويدعى حبهم عليه أولاً أن يطبق منهجهم في التوحيد وألا ينشغل بتعظيم أهل البيت عن تعظيم الخالق الرازق جل جلاله وألا يكون كل همه هو شتم الأموات والوقيعة بين المسلمين وإثارة النعرات الجاهلية.

إن هذا البحث بحق يعتبر وصية خالدة في ذاكرة كل من يتعطش لعبق الحقيقة وينظر بعين العدل والإنصاف كما يعتبر رسالة لطيفة إلى كل من غلب الهوى على نفسه وتملكه التقليد والتميز، وقد اكتسبت اسمها من وصية لقمان الحكيم لابنه عليه السلام: وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم.