مع الصحـابة في رمضـان

أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد

عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:

كان عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - شديد الاجتهاد في العبادة؛ كما في صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا عبدالله، ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟))، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: ((فلا تفعل، صُم وأَفطِر، وقُم ونَم، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزَوْرك عليك حقًّا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله))، فشَددتُ، فشدَّد عليّ، قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، قال: ((فصم صيام نبي الله داود - عليه السلام - ولا تَزِد عليه))، قلت: وما كان صيام نبي الله داود - عليه السلام؟ قال: ((نصف الدهر))، فكان عبدالله يقول بعد ما كَبِر: يا ليتني قبِلت رُخصة النبي - صلى الله عليه وسلم "(1).

ومن اجتهاده في العبادة ما ورد في صحيح البخاري أيضًا عن عبدالله بن عمرو، قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسبٍ، فكان يتعاهد كَنَّته، فيسألها عن بَعْلها، فتقول: نِعم الرجل من رجلٍ، لم يطأ لنا فراشًا، ولم يُفتِّش لنا كنَفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه، ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: الْقَني به، فلقيتُه بعدُ، فقال: كيف تصوم؟ قال: كلَّ يوم، قال: وكيف تختم؟ قال كلَّ ليلة، قال: صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر، قال: قلت أُطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة، قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: أَفطِر يومين وصُم يومًا، قال قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصوم صومَ داود: صيام يوم، وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليالٍ مرة، فليتني قبِلت رُخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذاك أني كبِرتُ وضَعُفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يَعرضه من النهار؛ ليكون أخفَّ عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى، وصام مثلهنَّ؛ كراهية أن يترك شيئًا فارَق النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، قال أبو عبدالله: وقال بعضهم: في ثلاث وفي خمسٍ، وأكثرهم على سبع(2) ".

وعن عبدالله بن هُبيرة عن عبدالله بن عمرو قال: (( لأن أدمع دمعة من خشية الله - عز وجل - أحبُّ إليّ من أن أتصدَّق بألف دينار، توفي عبدالله بن عمرو بن العاص بالشام سنة خمس وستين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة(3) ".

ومما يتعلق في هذا الشهر الكريم من مواقف عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - ما ورد في سنن ابن ماجه بسند صحيح عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن للصائم عند فطره لدعوة ما تُرَد))، قال ابن أبي مُليكة: سمعت عبدالله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسِعت كلَّ شيء أن تغفر لي(4) ".

وفي سنن الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ثلاثة لا تُرَد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يُفطر، ودعوة المظلوم ...))  (5) "..

أنس بن مالك رضي الله عنه :

من مواقف هذا الصحابي الجليل أنس بن مالك - رضي الله عنه - التي تتعلق في هذا الشهر الكريم: ما ورَد في صحيح مسلم عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في رمضان، فجِئت فقُمت إلى جنبه، وجاء رجل آخر فقام أيضًا، حتى كنا رهطًا، فلمَّا حسَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّا خلفه، جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رَحْله، فصلى صلاة لا يصليها عندنا، قال: قلنا له حين أصبحنا: أفطِنت لنا الليلة؟ قال: فقال: نعم، ذاك الذي حملني على الذي صنَعت، قال: فأخذ يواصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما بال رجال يواصلون؟ إنكم لستُم مثلي، أما والله لو تمادَّ لي الشهر، لواصلت وصالاً يَدَع المتعمقون تعمُّقهم(( ..  (6) ".

 

في هذا الموقف دلالة على حرص أنس بن مالك - رضي الله عنه - على الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك انطلاقًا من قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ (الأحزاب: 21.(

وذلك حين قام أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قام يصلي من الليل في رمضان؛ تحقيقًا للاقتداء، وطلبًا للثواب العظيم المترتب على قيام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ لما ورَد في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه)) (7) "..

انتهز الشاب أنس بن مالك - رضي الله عنه - وأقول: شابًّا؛ لأنه يُعَد من شباب الصحابة - رضي الله عنهم - وذلك أن رسول الله توفي وأنس في العشرين من العمر، فكان هذا الموقف من أنس بن مالك - رضي الله عنه - وهو في العقد الثاني من العمر، أقول: انتهَز أنس فرصة رؤيته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي من الليل في رمضان، فقام إلى جنبه يصلي بصلاته دون أن يستأذِن؛ لأن هذا العمل لا يحتاج إلى استئذان.

أبو هريرة رضي الله عنه :

ومما يتعلق من مواقف هذا الصحابي الجليل بهذا الشهر الكريم: موقف يتعلق بحفظ الصيام، فقد روى أبو نُعيم في الحِلية عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه كان وأصحابه إذا صاموا قعَدوا في المسجد، وقالوا: نُطهر صيامنا(8) ،يحفظون صيامهم من اللغو والرفَث وقول الزور، ومن كل ما يُفسده أو ينقص أجره.

ولكن ما هو الأمر الذي كانوا يخشونه على أنفسهم وهم على ما هم عليه من الاستقامة والصلاح؟! لا شك أنهم ما فعلوا ذلك إلا من التقوى والخشية على صيامهم، ولكن كيف هي حال الصائمين في هذا الزمان الذين يكثُر في مجالسهم اللغو وقول الزور، ويتعرضون لكثيرٍ من المُنقصات، بل والمبطلات أحيانًا، أين هم من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجه البخاري من حديث صاحبنا في هذه الحلقة أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن لم يَدَع قولَ الزور والعملَ به والجهل، فليس لله حاجة أن يدَع طعامه وشرابه))  (9) ".

 

وموقف آخر يتعلق بالاقتصاد في الإفطار والسحور، فعن أبي زياد مولى ابن عباس عن أبي هريرة قال: كانت لي خمس عشرة تمرة، فأفطرت على خمس تمرات، وتسحَّرت بخمس، وبقِيت خمس لفطري(10) ، وإن كان هذا الاقتصاد من قلة الطعام، إلا أن أبا هريرة - رضي الله عنه - يخشى من الشِّبَع، ويحذر عاقبته، فيقول في ذلك: ويلٌ لي من بطني، إذا أشبَعته كظني، وإذا أجعته سبَّني.

نعم إن مضرة الشِّبع معروفة، وخاصة في هذا الشهر الكريم، لِما يُفوته على الإنسان من فرص الخير والتقرب إلى الله بطاعته.

وموقف أخير يتعلق بقيام الليل، فقد كان أبو هريرة - رضي الله عنه - هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أثلاثًا، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا(11) ، فيكون منزله في الليل كله لا يخلو من قائم يصلي، وإن كانت هذه الحال ليست مقصورة على ليالي شهر رمضان، بل إن اجتهاده في شهر رمضان أشد، فهو الراوي لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه))(12) .

زيد بن ثابت: رضي الله عنه :

ومن المواقف المتعلقة بهذا الشهر الكريم من حياة زيد بن ثابت - رضي الله عنه - ما ورد في صحيح البخاري عن أنس عن زيد ثابت - رضي الله عنه - قال: ((تسحَّرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قام إلى الصلاة، قلت كم كان بين الأذان والسَّحور، قال قدر خمسين آية )) (13).

ففي هذا الحديث أخبر زيد - رضي الله عنه - أنه تسحَّر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قام إلى الصلاة، فلو تأمَّلنا سبب سَحور زيد بن ثابت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاصة أن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - ما كان ينام عند رسو الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يكون سحوره عارضًا، بل كان مقصودًا، وأن السبب في ذلك من أجل أن يتعلم الهدي في السحور فيما يتعلق بوقته والسنة فيه.

ويدل على ذلك سؤال أنس بن مالك - رضي الله عنه - لزيد بن ثابت - رضي الله عنه - كم كان بين الأذان والسحور؟ وقد ورد الحديث بألفاظ أخرى، فعند البخاري في موضع آخر: عن قتادة عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وزيد بن ثابت - رضي الله عنه - تسحَّرا، فلما فرَغا من سَحورهما، قام نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة، فصلى، فقلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سَحورهما ودخولهما في الصلاة، قال كقدر ما يقرأ الرجل خمسين آية)) (14).

فهذه الروايات تدل على استحباب تأخير السَّحور، وفي هذا دليل على حرص السلف على تعلم الهدي النبوي، فقتادة سأل أنسًا، فتعلم منه، وأنس سأل زيد بن ثابت، وتعلم منه، وزيد تعلَّمه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

لا بد أيضًا أن نتأمل جواب زيد بن ثابت - رضي الله عنه - عن سؤال أنس بن مالك - رضي الله عنه - حيث قال: (قدر خمسين آية)؛ أي: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية متوسطة لا طويلة ولا قصيرة، ولا سريعة ولا بطيئة، هذا الجواب فيه قياس للزمن بعمل البدن، وكان العرب يستعملون ذلك؛ كقولهم: قدر حلْب شاة، أو قدر نحْر جَزور ونحوها، ولكن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قاسه بأمر مرتبط بالعبادة، وفي ذلك تميُّز في حياة المسلم، والتخصيص بالقراءة فيه إشارة إلى أن ذلك الوقت وقت عبادة وتلاوة؛ قال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة.

، في هذا الموقف حَثٌّ على جوانب كثيرة من الخير، ففيه تناول طعام السَّحور والاجتماع عليه، ولا سيما مع أهل العلم والفضل الذين ينتفع الإنسان من صحبتهم ومجالستهم، وكذلك في الحث على تأخير السحور، فهو أرفق للصائم وأدعى لحضور صلاة الصبح مع جماعة المسلمين، وفيه أيضًا اغتنام الفرصة بين السحور وإقامة الصلاة فيما يُقرِّب إلى الله - سبحانه وتعالى - وخاصة بقراءة القرآن.

سعد بن معاذ رضي الله عنه :

ومما يتعلق بهذه الشهر الكريم من مواقف سعد بن معاذ - رضي الله عنه - هو تفطيره لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رواه ابن ماجه بسند صحيح عن عبدالله بن الزبير، قال: أفطر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال: ((أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة)) (15).

في هذا  الموقف نجد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أفطر عند سعد بن معاذ - رضي الله عنه - وهذا خير جزيل ساقه الله - سبحانه وتعالى - للصحابي الجليل سعد بن معاذ - رضي الله عنه - من وجهين:

أما الوجه الأول: فهو تفطير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو القائل كما في حديث زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من فطر صائمًا، كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا )) (16).

فبهذا العمل حصل لسعد بن معاذ - رضي الله عنه - أجرٌ عظيمٌ من صيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أتم الصيام وأكمله وأوفره أجرًا.

الوجه الثاني: دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن معاذ - رضي الله عنه - بهذا الإفطار؛ حيث قال له: ((أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة))، وكم في هذه الدعاء من الخير لسعد بن معاذ - رضي الله عنه؟!

وفي هذا الدعاء ثلاثة أمور:

الأول: دعاء له بأن يفطر عنده الصائمون، وإفطار الصائمين عنده يقتضي كثرة الأجر المترتب على فطرهم عنده؛ لأن له مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، وكلما كثُر إفطار الصائمين عنده، كثُر أجره بالمقابل.

الثاني: الدعاء له بأن يأكل طعامه الأبرار، والأبرار هم القائمون بحقوق الله، وحقوق عباده، الملازمون للبر في أعمال القلوب وأعمال الجوارح(17).

وهذا يترتب عليه كثرة الخير له؛ إما بدعائهم له، أو بما يحصل منهم من العلم والإعانة على الخير، ويحتمل أيضًا أن يكون الذين يأكلون طعامه هم أصحابه، وبهذا يكون أصحابه هم الأبرار، ونعمة الصحبة التي تعود عليه بالخير.

الثالث: الدعاء له بصلاة الملائكة عليه، وصلاة الملائكة عليه هي دعاؤهم واستغفارهم له؛ كما في قوله - سبحانه -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (الأحزاب: 56).

 

الهوامش

  1. كتاب الصيام، حديث رقم 1975.

  2. الجامع الصحيح، كتاب فضائل القرآن، حديث رقم 5052.

  3. انظر: ابن الجوزي؛ صفة الصفوة 1/655-660.

  4. كتاب الصيام، حديث رقم 1753، وقال في الزوائد: إسناده صحيح.

  5. سنن الترمذي، كتاب صفة الجنة، حديث رقم 2525، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم 2050.

  6. صحيح مسلم، كتاب الصيام، حديث رقم 1104.

  7. الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، حديث رقم 37.

  8. أبو نُعيم؛ حِلية الأولياء 1/382.

  9. الجامع الصحيح، كتاب الأدب، حديث رقم 6057.

  10. أبو نعيم؛ حلية الأولياء 1/384.

  11. ابن الجوزي، صفة الصفوة 1/692.

  12. أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، حيث رقم 37.

  13. الجامع الصحيح، كتاب الصيام، حديث رقم 1921.

  14. الجامع الصحيح، كتاب المواقيت، حديث رقم 576.

  15. أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الصيام، حديث رقم 1747، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه حديث رقم  1417.

  16. أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الصيام، حديث رقم 807، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 6291.

  17. تفسير ابن سعدي 7/584.

 

 



المختار من بدائع بيان الفاروق

خطبته إذ ولي الخلافة:

صَعد المِنْبَر فحَمد اللهّ وأثنى عليه، ثم قال:

يأيها الناس، إني داعٍ فأمِّنوا.

اللهم إني غَليظ فَلَينِّي لأهل طاعتك بموافقة الحقّ، ابتغاء وجهك والدار الآخرة، وارزقْني الغِلْظة والشدّة على أعدائك وأهل الدَّعارة والنِّفاق، من غير ظُلم منّي لهمِ ولا اعتداء عليهم.

اللهم إني شحيح فسَخِّني في نوائب المَعروف، قَصْداً من غير سرف ولا تَبْذير ولا رياء ولا سُمعة، واجعلني أبتغي بذلك وَجْهَك والدارَ الآخرًة.

الَّلهم ارزقني خَفْض الْجَناح وَلين الجانب للمُؤمنين.

اللهم إني كثيرُ الغَفْلة والنِّسيان فألْهمني ذِكرَك على كلّ حال، وذِكرَ الموت في كلّ حين.

اللهم إني ضعيف عند العمل بطاعتك فارزقني النشّاط فيها والقوّة عليها بالنيّة الحسنة التي لا تكون إلا بعزّتك وتَوْفيقك.

اللهم ثَبِّتني باليقين والبرّ والتَّقوى، وذِكْر المَقام بين يديك، والْحَياء منك، وارزقني الخُشوع فيما يُرْضيك عني، والمحاسبة لنفسي، وصلاح النِّيات، والحَذر من الشّبهات.

اللهم ارزقني التفكّر والتدبّر لما يتلوه لِساني من كتابك، والفَهْم له، والمَعرفة بمَعانيه، والنّظر في عجائبه، والعملَ بذلك ما بقيتُ، إنك على كلّ شيء قدير.

    • وكان آخرً كلام عمر الذي إذا تكلم به عُرف أنه فَرغ من خُطبته:

      اللهم لا تَدعني في غَمْرة([1])، ولا تأخذني على غِرِّة([2])، ولا تَجْعلني من الغافلين([3]).

      رسالته إلى ابنه:

      كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ابنه عبد الله:

      أمّا بعد، فإنه مَن اتَّقى اللَهَ وَقَاهُ، ومن توكّل عليه كَفَاهُ، ومن شكر له زادهُ، ومنْ أقرَضهُ جَزَاهُ.

      فاجْعَلِ التقوى عماد قلبك، وجلاء بصرك، فإنه لا عمل لمن لا نيّة له، ولا أجْرَ لمن لا خشيةَ له، ولا جديد لمن لا خلَقَ([4]) لهُ.

      فقر من قصار كلامه رضي الله عنه:

      - ما الخمر صِرْفاً بأَذْهَب لعقولِ الرجالِ من الطمع.

      - لا يكن حبُّك كَلَفا، ولا بغضك تَلَفا([5]).

      - من كتم سرّه كان الْخِيارُ في يده([6]).

       - أشقى الوُلاة من شَقِيَتْ به رعيَّتُهُ.

       - أعقلُ الناس أعذرُهم للناس.

       - قلَّما أدْبر شيء فأقبل.

       - أشكو إلى اللّه ضَعْفَ الأمين، وخيانةَ القوي.

        - لو أن الشكر والصبر بَعِيرانِ ما باليت أيَّهما أركب.

         - من لا يعرفُ الشرّ كان أجدر أن يقع فيه.

        - إياك ومؤاخاة الأحمق، فإنه ربما أراد أن ينفعك فضرّك

       



[1] الغمرة: الشدة والحيرة.

[2] الغِرَّة: الغفلة.

[3] العقد الفريد 4/156.

[4] ثوب خَلق: بالٍ.

[5] أي لا تبالغ في الحب والكره.

[6] زهر الآداب 1/73.



المصاهرات بين آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وآل عمر بن الخطاب رضي الله عنه

تبرز لنا كتب الرجال والأنساب مصاهرات بين آل النبيصلى الله عليه وآله وسلم وآل عمر رضي الله عنه، أشهرها وأعظمها زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وبقاؤها زوجة له، تم هذا الزواج المبارك سنة 3 هـ بعد أن استشهد زوج حفصة في غزوة بدر.

أما المصاهرة الثانية فهي زواج عمر بن الخطاب من ابنة علي وفاطمة الزهراء (أم كلثوم) رضي الله عنهم أجمعين حفيدة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ولدت أم كلثوم في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجها عمر قبل سنة 20 هـ  .( انظر معلقة أنا ابن الخليفتين).

وكانت لما قتل والدها علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قالت : «مالي ولصلاة الغداة».

تريد أن زوجها عمر رضي الله عنه قتل على يد المجوسي أبي لؤلؤة في صلاة الغداة (الفجر)، ووالدها على يد المجرم عبد الرحمن بن ملجم في صلاة الغداة، ويشاء الله أن يموت ولدها زيد بن عمر في صلاة الغداة، لتفارق الحياة هي وإياهُ في لحظة واحدة حتى إنهم لم يعلموا من يرث من الآخر ؟!  (رياض المسائل للطبطبائي 12/664 ، مستند الشيعة للنراقي (19/452) تاريخ دمشق ترجمة علي بن أبي طالب).

هذا وقد تزوجها  عوف بن جعفر بن أبي طالب بعد استشهاد عمر بن الخطاب  ثم إن عوفاً مات عنها، فتزوجها أخوه محمد، ثم مات عنها، فتزوجها أخوه عبد الله بن جعفر فماتت عنده فكانت تقول: «إني لأستحي من أسماء بنت عميس مات ولداها عندي فأتخوف على الثالث» فماتت عنده ولم تلد لأحد منهم. ذكرها ابن حجر في الإصابة في ترجمة أم كلثوم.

أما المصاهرة الثالثة فتمت في الجيل الخامس أي أحفاد الأحفاد بين الحسين بن علي بن علي بن الحسن الأفطس بن علي بن أبي طالب وحفيدة حفيد عمر رضي الله عنهما وهي جويرية بنت خالد بن أبي بكر بن عبد الله بن عمر تأكيداً لما كان عليه أباؤهم من الودّ والإخاء.

المصاهرات بين آل النبي صلى الله عليه و آله و سلم و آل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه