فاطمة الزهراء ... سيدة نساء العالمين في زمانها

تعريف موجز

 

سيدة نساء العالمين في زمانها، وأم الحسنين؛ ماتت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة. 

وكان مولدها قبل المبعث بقليل.

 تزوجها سيدنا علي بن أبي طالب في ذي القعدة، أو قبيله، من سنة اثنتين بعد وقعة بدر.

وقال ابن عبد البر: دخل بها بعد وقعة أحد. فولدت له الحسن، والحسين، ومحسنا، وأم كلثوم، وزينب. 

وروت عن أبيها.

 وروى عنها ابنها الحسين، وعائشة، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وغيرهم. وروايتها في الكتب الستة.

 وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحبها ويكرمها ويسر إليها. ومناقبها غزيرة.

 وكانت أشبه الناس بأبيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم. 

قالت عائشة رضي الله عنها: "جاءت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله - صلى الله عليه وسلم. فقام إليها وقال: "مرحبا بابنتي" .

 وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما وحديثا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها، ورحب بها، وكذلك كانت هي تصنع به" .

 وصح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلل فاطمة وزوجها وابنيهما بكساء، وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" .

 وعن داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة"؛ إسناده صحيح، وأخرجه أحمد (1/ 293)، وصححه الحاكم (2/ 594)، ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في "المجمع" (9/ 223)، وزاد نسبته إلى أبي يعلى والطبراني، وقال: ورجالهم رجال الصحيح.

 

ومن طريق أبان بن تغلب، عن أبي بشر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، "لا يبغضنا أهل البيت أحد، إلا أدخله الله النار"؛ أخرجه الحاكم، وصححه، وأقره الذهبي. 

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :"حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ" رواه الترمذي (رقم/3878) وقال: حسن صحيح.

 وغضب لغضبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فعن شعيب، عن الزهري، عن علي بن الحسين، أن المسور أخبره: أن عليا رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل، فلما سمعت فاطمة، أتت فقالت: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل. 

فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسمعته حين تشهد، فقال: " أما بعد: فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وأنا أكره أن يفتنوها، وإنها والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل واحد " فترك علي الخطبة". أخرجه البخاري (7/67، 68) في فضائل أصحاب النبي: باب أصهار النبي - صلى الله عليه وسلم ، ومسلم (2449) (96) في فضائل الصحابة، وأبو داود (2069) في النكاح: باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء.

 وعن أبي عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق: حدثتني عائشة، قالت: "كنا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتمعنا عنده، لم يغادر منهن واحدة. فجاءت فاطمة تمشي ما تخطى مشيتها مشية رسول الله -صلى الله عليه وسلم. فلما رآها، رحب بها، قال: "مرحبا بابنتي" . ثم أقعدها عن يمينه أو عن يساره. ثم سارها، فبكت؛ ثم سارها الثانية، فضحكت.

 فلما قام، قلت لها: خصك رسول الله بالسر وأنت تبكين، عزمت عليك بمالي عليك من حق، لما أخبرتني مم ضحكت؟ ومم بكيت؟، قالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم.  

فلما توفي، قلت لها: عزمت عليك بمالي عليك من حق لما أخبرتني. قالت: أما الآن فنعم، في المرة الأولى حدثني "أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام في هذه السنة مرتين، وأني لا أحسب ذلك إلا عند اقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري، فنعم السلف لك أنا" . فبكيت. فلما رأى جزعي، قال: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، أو سيدة نساء هذه الأمة"؟ قالت: فضحكت. أخرجه البخاري عن أبي نعيم، عن زكريا، عن فراس.

 

وفي رواية أخرى : " أنها قالت لفاطمة: أرأيت حين أكببت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبكيت، ثم أكببت عليه فضحكت؟ قالت: أخبرني أنه ميت من وجعه، فبكيت، ثم أخبرني أنني أسرع أهله به لحوقا، وقال: "أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران" فضحكت. 

وعن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، حدثته: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا فاطمة، فسارها، فبكت، ثم سارها، فضحكت، فقلت لها، فقالت: أخبرني بموته، فبكيت، ثم أخبرني أني أول من يتبعه من أهله، فضحكت. 

وعن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: عاشت فاطمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة أشهر، ودفنت ليلا.  

قال الواقدي: هذا أثبت الأقاويل عندنا. 

قال: وصلى عليها العباس، ونزل في حفرتها، هو وعلي والفضل.

 وقال سعد بن عفير: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة.

 

وهي بنت سبع وعشرين سنة أو نحوها، ودفنت ليلا.  

وروى يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: مكثت فاطمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة أشهر وهي تذوب. 

وعن أبي جعفر الباقر: أنها توفيت بنت ثمان وعشرين سنة. ولدت وقريش تبني الكعبة.  

قال: وغسلها علي - رضي الله عنه.

 



معركة مؤتة

  • الظروف والبدايات :

يُذكر في سبب هذه الغزوة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بكتاب إلى ملك بُصْرى، مع الحارث بن عمير الأزدي، فلمَّا نزل مؤتة عرض له شرحبيلُ بن عمرو الغسَّاني فقتله صبْرًا - وكانت الرسلُ لا تُقْتَل - فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ قَتْل رسوله، فأرسل إلى مؤتة ثلاثة آلاف من المسلمين في جمادى الأولى من السنة الثامنة من الهجرة النبوية[1]، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة ثم قال: "إن قُتل زيدٌ فجعفر، وإن قُتل جعفرٌ فعبدالله بن رواحة"؛ أخرجه البُخَارِي[2]

  • وقائع المعركة :

فمضى الجيش حتى نزلوا مَعَان من أرض الشام، وكانت أخبارُ هذا الجيش قد وصلتْ إلى الروم، فجهزوا لملاقاتِه مِئَة ألف، وانضم إليهم مئة ألف أخرى من نصارى العرب، فكانوا مائتي ألف كافر، مُقابِلَ ثلاثة آلاف من المسلمين، فالمقارنة بينهما ضرب من ضروب الخيال، والدخولُ في القتال مجازفة أيُّ مجازفة، مِمّا جعل المسلمين - فيما يُروى - يترددون في ملاقاة عدوهم، ويقيمون ليلتين يفكرون في أمرهم، فقالوا: "نكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنُخْبِرُه بعدد عدوّنا، فإمَّا أن يمدَّنا بالرجال، وإمَّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له، لكنَّ ابْنَ رواحة قطع تفكيرهم، وشجَّع الناس على المُضِيّ في القتال قائلاً: "يا قوم، والله إنَّ الَّتي تكرهون للتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتلُ الناس بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرةٍ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلِقوا فإنَّما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة"، فقال الناس: "قد - والله - صدق ابن رواحة [3] .

فمضوا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموعُ هرقلٍ من الروم والعرب، فانحاز المسلمون إلى مؤتة، وعبأوا أنفسهم فيها، ثم التحم الفريقان .

وغريبٌ جدًّا أن ينازل المسلمون عدوهم وهو يزيد عليهم بما يقارب سبعين ضعفًا، إن المقاييس والحسابات ترفض ذلك، لكن تحطَّمتِ المقاييس، وألغيت الحسابات؛ فالمقاتلون هنا ليسوا كسائر المقاتلين، بل هم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتلأتْ قلوبُهم إيمانًا ويقينًا، وعلموا أن ما عند الله - تعالى - حق، فلم يُحْجِموا ويعتذروا بكثرة عدوّهم وقِلَّتهم، وقوته وضعفهم؛ بل قاتلوا قتالاً مريرًا، وعانقوا المنايا .

  • بطولة جعفر بن أبي طالب :

لقد خاضُ الصحابة حِمام الموت؛ حتى استُشْهِدَ قائِدُهم زَيْد - رضي الله عنه - فأخذ الراية القائد الذي يليه جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعقر فرسه الشقراء[4]، وقاتل بالراية فقطعت يمينه، فأمسك الراية بشماله، فقطعت شماله، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد وهو ابنُ ثلاث وثلاثين سنة[5]، ولقد أبدله الله - تعالى - عن يديه جناحين يطير بهما في الجنة؛ كما ثبت في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

وقد جاء ذلك في أحاديث عدة، منها:

أ ) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عايه وسلم -: "رأيت جعفرًا يطير في الجنة مع الملائكة" أخرجه أبو يعلى (4935)، والترمذي وقال: هذا حديث غريب (3763)، وصححه ابن حبان (4047)، والحاكم وقال على شرط مسلم ووافقه الذهبي (3/212).

ب) حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عايه وسلم -: "رأيت جعفر بن أبي طالب في الجنة ذا جناحين يطير حيث شاء"؛ أخرجه الطبراني في "الكبير" (11/396) برقم (12112).

جـ) ما جاء عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أنه كان إذا حيّا ابن جعفر قال: ((السلام عليك يا ابن ذي الجناحين))؛ أخرجه البخاري (4264)، والحاكم (3/44).  -[6]  .

وقيل: "إنه ظل محتضنًا الراية حتى قُطِع جسده نصفين[7]، فلِلَّه درُّه ما أثبته، قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: "ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنةٍ ورميةٍ[8].  ، وعلى رغم استشهاده لم تَسْقُطِ الراية بل أخذها القائد الثالث عبدالله بن رواحة فقاتل حتى استشهد. 

  • تولي خالد القيادة والانسحاب بالجيش :

وهكذا مضى الثلاثة الذين عيَّنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قادة للجيش، فأخذ الرايةَ ثابتُ بنُ أقْرَم وصاح: "يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد "  [9]، وثابت بن أقرم - رضي الله عنه - أبى القيادة لا هروبًا من المنية، أو خوفًا من العدو، ولكنه أحس بوجود من هو أكفأ منه، كيف وقد حمل الراية خشية أن تسقط، وصاح في المسلمين أن يعينوا قائدًا والحرب تدور رحاها، إنَّ ذلك لمن آيات الشجاعة والجُرْأَة في هذا الموقف العصيب، وكم هو جميل أن يصيح الناس به ليكون قائدهم فيأبى استصغارًا لنفسه، وهو يرى وجود من هو أولى بالقيادة منه!!

وهذا درس عظيم من هذا الصحابي الجليل - رضي الله عنه - في معرفة أقدار الرجال، وإنزالهم منازلهم التي يستحقّونها؛ حتى لا نكلّف أمَّتنا أن تحمل عجزنا وأثرتنا[10].

لقد اصطلح الناس على خالد بن الوليد، وخالد لها، شجاعة وإقدامًا، وخبرة بأمور الحرب وسياستها، فأخذ الراية، وقاتل قتالاً مريرًا حتى تكسَّرت في يده تِسْعَةُ أسياف من شدة القتال، لا شلت يمينه، روى البخاري عن خالد - رضي الله عنه - أنه قال: "لقدِ انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية " [11].

وكان خالد يُقاتل وهو يحتال للخلوص بالجيش من هذا المأزق المتضايق، وقتال الانسحاب شاقٌّ ومُرْهِق، لا سيَّما وخالدٌ لا يريد إشعار الروم بالحفاظ على الجيش وسحبه.

ودخل الليل على المتحاربين فتوقَّف القتال، فأعاد خالد تنظيم قواته القليلة، فجعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنته؛ فأنكر الأعداء ما كانوا يعرفون من رايات وهيئات المسلمين وقالوا: "قد جاءهم مدد، فرعبوا [12]، وكان هدف خالد مناوشتهم، وإلحاق الخسائر بهم، دونَ إدخال المسلمين في حرب عامة معهم تكون خطرًا عليهم.

واكتفى بذلك، ثم آثر الانصراف بمن معه، وكان من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أخبَرَ أصحابَهُ في المدينة بخبر الجيش. روى أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعى زيدًا وجعفرًا وابنَ رواحة للناس قبل أن يأتِيَهُمْ خبرُهم فقال: ((أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب - وعيناه - صلَّى الله عليه وسلم - تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم))؛ رواه البخاري[13].

وعلى الرغم من ضراوة هذه المعركة، وكثرة أعداد جيش العدو؛ فإنه لم يستشهد من المسلمين سوى اثْنَيْ عشر رجلاً فقط، أمَّا العدُوّ فلم يعرف عدد قتلاهم، غير أنَّ وصف المعركة يدل على كثرتهم، وما انكسرت تسعة أسياف في يد خالد - رضي الله عنه – عبثًا[14].

ولقد كان لشهداء مؤتة مكانة عظيمة عند الله - تعالى - لذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما يسرني - أو قال ما يسرهم - أنهم عندنا))؛ أخرجه البخاري[15].

أمّا أُسَرهم ففي كفالة الله - تعالى - وهو نعم المولى ونعم النصير. عن عبدالله بن جعفر - رضي الله عنهما - قال: "جاءنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ثلاثٍ من موت جعفر فقال: ((لا تبكوا على أخي بعد اليوم، وادعوا لي بني أخي))، قال عبدالله: "فجيء بنا كأننا أفراخ، فقال: ادعوا لي الحلاق، فجيء بالحلاّق، فحلق رؤوسنا، ثم قال - عليه الصلاة والسلام - مداعبًا: ((أمَّا مُحمَّد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبدالله فشبيه خَلْقي وخُلُقي))، قال عبدالله: "ثم أخذ بيدي فأشالها" وقال: ((اللهم اخلفْ جعفرًا في أهله، وبارك لعبدالله في صفقة يمينه)). قالها ثلاثًا، قال عبدالله: "فجاءت أمّنا فذكرت له يُتمنا، وجعلت تفْرحُ له"، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((العيلة تخافين عليهم وأنا وليّهم في الدنيا والآخرة؟!))؛ أخرجه أحمد بسند صحيح[16].

  • الدروس والعبر :

كانت غزوة مؤتة مليئةً بالدروس، حافلةً بالبطولات، تعطي البرهان على أن الإيمان إذا استقرَّ في القلوب، وعمل عمله فيها؛ قاد النفوس إلى استقبال المنايا، وتمني الموت؛ ابتغاء رضوان الله - تعالى - وهكذا سقط القادة الثلاثةُ في مؤتة الواحد منهم تلو الآخر، ولم يكن همهم أنفسهم والرماحُ والسيوفُ قد خالطت أجسادهم، بل همُّهم الإسلام، فلم تسقط رايته من أيديهم رغم ما لاقوه من ألم القتل والتمزيق.

إن طبيعة البشر عدمُ الاهتمام عند الموت إلا بالموت وسكراته، لكن أولئك القادة نسوا ما هم فيه، وقضى كل واحد منهم نحبه وقلبُه مع الإسلام، إن هذه النماذج من البشر إذا وجدت في الأمة تحقق لها النصر بإذن الله تعالى.

إن مجاهدي غزوة مؤتة برهنوا برهانًا واضحًا على أن حروب المسلمين مع عدوهم لاتحسم بكثرة العدد، أو قوة العتاد؛ بل الفيصلُ فيها قوةُ الإيمان، وصدقُ التوكل على الله - تعالى - والإخلاصُ في طلب الشهادة. وتلك سنَّةٌ أبدية، وهي مفسرة لأسباب هزائم المسلمين المتتابعة متى ما ضعف الإيمان، أو تخلّف التوكل والإخلاص؛ كما هو حادث في أزمنة الضعف والانحطاط حتى ولو كان المسلمون أعدادًا كثيرة، فهم بدون إيمان ويقين وإخلاص وتوكل غثاءٌ؛ كغثاء السيل.

إن كل مسلم في الأرض مسؤول عن الأمة ماذا قدم لها؟ هل حافظ على فرائض الله - تعالى - حتى لا يتخلف النصر بسببه؟ هل أدى الأمانة فيما استرعاه الله - تعالى - عليه من أهله وذريته، وفي عمله ووظيفته؛ لكيلا يتخلف نصر الله - تعالى - بسببه؟! هل سعى في الإصلاح على قدر استطاعته وجهده؟ هل أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأخذ على يد السفيه، وعلم الجاهل؛ حتى يتحقق النصر؟!

إن مشكلتنا أن كثيرا منا يتنصل من مسؤولياته، ويلقي باللائمة على غيره، بينما في غزوة مؤتة لم تسقط الراية حتى بعد مقتل القادة الثلاثة، وأحس كل فرد من أفراد الجيش المسلم أن الراية لو سقطت فإنه المسؤول عنها دون غيره، إننا نحتاج إلى هذا الشعور بالمسؤولية؛ حتى يأتيَ نصر الله تعالى.

هوامش :

[1] انظر: "طبقات ابن سعد" (2/128)، و"سيرة ابن هشام" (5/22)، و"البداية والنهاية" (4/241( .

[2] أخرجه من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - البخاري في المغازي؛ باب غزوة مؤتة من أرض الشام (4261)، وأخرجه من حديث أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - أحمد (5/299-300( .

[3] "سيرة ابن هشام" (5/24) و"تاريخ الطبري" (2/150)، و"البداية والنهاية" (4/223) ، و"السيرة الحلبية" (2/787)، و"زاد المعاد" (3/382( .

[4] جاء هذا في حديث عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه من الرضاعة، وهو من بني مرة بن عوف، وقد حضر الغزوة، وشهد فعل جعفر - رضي الله عنه-. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (6/540) برقم (33672)، وأبو داود وقال عقب ذكره: "هذا الحديث ليس بالقوي" (2573)، والبيهقي (9/87)، والطبراني في "الكبير" (2/106) برقم (1492)، وحسنه الحافظ في "الفتح" (7/584)، وانظر كلام الخطابي عن حكم عقر الفرس في خطبة سيرة جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه -ج (4) ص(52) من هذه المجموعة  .

[5] انظر: "الدرر" لابن عبدالبر (210)، و"زاد المعاد" (3/382)، و"السيرة الحلبية" (2/788).

[6]  والأحاديث في ذلك كثيرة، وقد ذكر كثيرًا منها الحافظ في "الفتح" في مناقب جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه – وحسنها.

[7] انظر: "وسيلة الإسلام" لأبي العباس أحمد بن أحمد الخطيب (108) .

[8] أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة مؤتة من أرض الشام (4261) .

[9] أخرجه ابن إسحاق عن عروة مرسلاً ؛ كما في "فتح الباري" لابن حجر (7/584)، وأخرجه الطبري في تاريخه عن ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبدالله ابن الزبير عن أبيه من الرضاعة، وهو من بني مرة بن عوف وكان في الغزوة (2/151)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (4/244-245)، وانظر: "سيرة ابن هشام" (5/30)، و"الثقات" لابن حبان (2/33)، و"الدرر" لابن عبدالبر (210)، و"زاد المعاد" (3/383)، و"السيرة الحلبية" (2/788( .

[10] انظر: "فقه السيرة" للغزالي (367-368( .

[11] أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة مؤتة من أرض الشام (4265)، وابن المبارك في الجهاد (218)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (19443)، وأحمد في "فضائل الصحابة" (1475-1481)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (175( .

[12] "البداية والنهاية" (4/247( .

[13] أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة مؤتة (4262)، والنسائي في الجنائز باب النعي (4/26)، والطبراني في "الكبير" (2/105) (1460( .

[14] أخرجه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -البخاري في الجهاد والسير باب تمني الشهادة (2798)، وأحمد (3/113) .

[15] أخرجه أحمد (1/204-205)، وابن سعد في "الطبقات" (4/3-37)، والنسائي في "الكبرى" (8604)، والطبراني في "الكبير" (2/105) برقم (1461)، وابن عبدالبر في "التمهيد" (22/139) .

[16] أخرجه أحمد (1/205)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (10)، وأبو يعلى في "مسنده" (6801)، وعبدالرزاق في "مصنفه" (6665)، وأبو داود في الجنائز باب صنعة الطعام لأهل الميت (3132)، والترمذي في الجنائز باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت (998)، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت (1610)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (1/372)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في "شرحه على المسند" (1751( .

 



قريباً  كتاب

( بذل الخلاص في سيرة عمرو بن العاص رضي الله عنه )

بدون عنوان-1.gif

 

يأتي هذا الكتاب في إطار سياسة المبرة في التعاون العلمي مع الكفاءات البحثية خارج المبرة بما يصب في هدفها السامي:  تاريخ الآل والأصحاب ، و تصفيته من الشوائب التي كدرته، من قبل المستشرقين ومن دار في فلكهم من أعداء الإسلام، فضلا عن تقديم صورة صافية نقية تبرز صورتهم الحقيقية للناس، و تصحح كثيرا من الأخطاء و المفاهيم التي شاعت بين أبناء المسلمين عنهم.

ومن بين شخصيات الصحابة التي طالها كثير من الظلم و الإجحاف شخصية الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه، مما جعل من المناسب إفراده بجزء كامل من (أولئك مبرؤون )  فقد افتُريَ عليه كثير من الأقوال والمواقف والشبهات التي لا تثبت أمام النقد العلمي و التاريخي الموضوعي،  مع قلة المصنفات التي تناولت تلك القضايا بالدراسة والتحليل.

لهذا كان ذلك الكتاب بين يديك -الذي يتعرض للذب عن الصحابي الجليل (عمرو بن العاص رضي الله عنه) وبيان فضائله ومناقبه ومناقشة الشبهات المثارة حوله بأسلوب علمي دعوي هاديء، أفاد فيه الأخ الباحث/ وليد محمد سالم عبد الحق و أجاد، و بذل فيه جهدا طيبا يشكر عليه، ثم كان دور إخوانه في مركز البحوث والدراسات بالمناقشة والمشاورة وإكساب العمل صبغة أعمال المبرة بمنهجيتها العلمية و الفكرية الفريدة الرائدة.