ثناء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم على آل البيت

  • أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

    ها هو الصديق رضي الله عنه يثني على القرابة بما يليق به وبهم رضي الله عنهم، كما روى البخاري(1) في صحيحه أن أبا بكر رضي الله عنه قال لعلي رضي الله عنه: "والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أحب إليَّ أن أصل قرابتي؟".

    وروى أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبي بكر رضي الله عنه قال: "ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته" (2).

    وفي مسند أبي يعلى عن عقبة بن الحارث: " صلى أبو بكر رضي الله عنه العصر ، ثم خرج يمشي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بليال، فرأى الحسن رضي الله عنه يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه وقال:

    بأبي شبيه بالنبي   ليس شبيهاً بعلي وعلي رضي الله عنه يضحك"(3).

    وقوله (بليال) تدل على أن ما انتشر في بعض كتب التاريخ من أن علياً رضي الله عنه لم يبايع، وأنه فارق الجماعة لأشهر باطل، ولا يليق بمقام أبي السبطين وحاشاه أن يفارق إخوانه الصحابة رضي الله عنهم، أو أن يشق الجماعة.

  • ثناء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    مما لاشك فيه عظيم العلاقة بين أهل البيت رضي الله عنهم والفاروق رضي الله عنه، وقد ظهرت آثارها في ثناء بعضهم على بعض، وزواج عمر من أم كلثوم بنت علي، وتسمية أهل البيت رضي الله عنهم كثيراً من أولادهم باسم عمر، ومما ورد عنه رضي الله عنه ما روى البخاري: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل(4) إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل(4) إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون"(5).، وهنا نرى كيف كان توسل الفاروق بدعاء عم النبي صلى اله عليه وآله وسلم العباس في حياته، وفي طبقات ابن سعد أن عمر رضي الله عنه قال للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: "والله لإسلامك يوم أسلمت أحب إلى َّ من إسلام الخطاب لو أسلم، لأن إسلامك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب"(6).

    ومن ثنائه رضي الله عنه على علي رضي الله عنه ما ورد في فضائل الصحابة للإمام أحمد برقم (1089) عن عروة بن الزبير: "أن رجلاً وقع في علي بن أبي طالب بمحضر من عمر، فقال له عمر : تعرف صاحب هذا القبر؟ وهو محمد بن عبد المطلب فلا تذكر علياً إلا بخير، فإنك إن أبغضته آذيت هذا قبره"(7).

    وفي الاستيعاب لابن عبد البر، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أفضانا علي(8).

    وجاء في تاريخ دمشق لابن عساكر: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دوَّن الديوان وفرض العطاء، ألحق الحسن والحسين رضي الله عنهما بفريضة أبيهما رضي الله عنه على أهل بدر، لقرابتهما لرسول الله عليه وآله وسلم، ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف(9).

    وفي سير أعلام النبلاء للذهبي: "أن عمر رضي الله عنه كسا أبناء الصحابة ولم يكن ذلك ما يصلح للحسن والحسين، فبعث إلى اليمن فأتى بكسوة لهما فقال: "الآن طابت نفسي"(10). فانظر رحمك الله إلى اهتمام عمر رضي الله عنه حتى بلباسهما، وأنهما عنده ليسا كغيرهما.

    وفي تاريخ دمشق لابن عساكر: "أن عمر رضي الله عنه قال للحسين: يا بني، لو كنت تأتينا وتغشانا قال: أي الحسين رضي الله عنه: فجئت يوماً وهو خال بمعاوية رضي الله عنه وابن عمر بالباب ولم يؤذن له فرجعت فلقيني بعد، فقال لي: يا بني لم أرك تأتينا؟ فقال: جئت وأنت خال بمعاوية ورأيت ابن عمر ابنك عبد الله رجع فرجعت. فقال: أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر، إنما في رؤوسنا ما ترى الله ثم أنتم. قال: ووضع يده على رأسه" فانظر رحمك الله إلى سن الحسين رضي الله عنه في عهد عمر ومع ذلك يحرص عليه هذا الحرص الشديد، أفليس هذا بدليل على عظم اهتمام وحب الفاروق لهم رضي الله عنهم أجمعين؟

    وقد جاء في مستدرك الحاكم عن علي بن الحسين: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب إلى علي رضي الله عنه أم كلثوم. فقال: أنكحنيها. فقال علي: إني أرصدها(11) لابن أخي عبد الله بن جعفر فقال عمر: أنكحنيها فوالله ما من الناس أحد يرصد من أمرها ما أرصده، فأنكحه علي، فأتى عمر المهاجرين فقال: ألا تهنئوني؟ فقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ فقال: بأم كلثوم بنت علي وابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل نسب وسبب ينقطع إلا سببي ونسبي)(12).

    وفي سير أعلام النبلاء للذهبي عن محمد بن علي (ابن الحنفية) قال: "دخل عمر رضي الله عنه وأنا عند أختي أم كلثوم، فضمني وقال: ألطفيه بالحلواء"(13).

    فانظر -عافاك الله-، لو لم يكن عمر رضي الله عنه يحب علياً وذريته ما كان ليضم محمد بن علي، ويطلب من ام كلثوم أن تعطيه الحلواء.

     

    ثناء أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه :

    هذا الخليفة الراشد مثله مثل باقي إخوانه من الصحابة، يعرف لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضلهم، فيثني عليهم بما هم له أهل، ومن ذلك ما ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية": "... ويقال: إن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا إذ مرا بالعباس وهما راكبان ترجلا إكراماً له"(14).

    وقال ابن كثير رحمه الله:

    "كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يكرم الحسن والحسين رضي الله عنهما ويحبهما وقد كان الحسن بن علي يوم الدار- وعثمان بن عفان محصور- عنده ومعه السيف متقلداً به يحاجف عن عثمان فيخشى عثمان عليه، فأقسم عليه ليرجعن إلى منزله، تطيباً لقلب علي رضي الله عنه، وخوفاً عليه رضي الله عنهم"(15).

 

  1. صحيح البخاري (3712) باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانظر بحار الأنوار 43/301.

  2. صحيح البخاري (3713) باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما.

  3. مسند أبي يعلي برقم (38) طبعة دار المأمون للتراث ت/ حسين سليم أسد 1984، وقال المحقق: إسناده صحيح، وأصل الحديث في البخاري برقم (3542)، وكشف الغمة في معرفة الأئمة 2/16..

  4. التوسل إنما كان بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، ثم بعد وفاته كان التوسل بدعاء العباس رضي الله عنه لقرابته من النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

  5. صحيح البخاري (1010)باب ذكر العباس بن عبدالمطلب .

  6. الطبقات الكبرى 4/23 ، والبداية والنهاية 2/298 .

  7. صححه المحقق وصي الله عباس.

  8. الاستيعاب ترجمة رقم (1871) أقضانا (أي أعلمنا بالقضاء).

  9. تاريخ دمشق لابن عساكر 14/ 179.

  10. سير أعلام النبلاء 3/285 وتاريخ دمشق 14/180.

  11. أرصدها: أعدها.

  12. رواه الحاكم برقم (4684) 3/153 ، وصححه لطرقه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (2036).

  13. سير أعلام النبلاء 4/115 .

  14. البداية والنهاية 7/162 .

  15. أي يقاتل دونه .

  16. البداية والنهاية 8/36.



إجلال أهل البيت لأصحاب رسول الله وبرائتهم من مبغضيهم

 

ما من صحبة أعظم في تاريخ البشرية من صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كم تمنيت وتمنى كل مسلم لو تشرّفت أعيننا وتكحلت برؤية المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

لو سألت مسلماً عن فضائل الحجر الأسود لذكر لك من تلك الفضائل أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وضعه بيديه الشريفتين، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد قبّله بفمه الطاهر، فيكفيه ذاك شرفاً.

وما قيمة الثوب الذي لبسه رسول الله أو النعل الذي انتعله؟ لقال لك يكفيهما شرفاً أن مسا جسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فكيف بمن صحبه وجالسه وصلى خلفه وربما عانقه يوماً أو دافع عنه بنفسه وأهله وماله؟

إنّ فضيلة صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم معلومة، لا يكاد يرتاب فيها وفي فضلها إلا من في قلبه مرض.

فمن الأدلة الصحيحة الصريحة على شرف هذه الصحبة ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يأتي على الناس زمان، يغزو فئام من الناس فيُقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيُقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيُقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فيقولون: نعم ، فيُفتح لهم)1.

وقد ذكر الطوسي في «الأمالي» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً بما يلقى بعده فبكى، وقال: يا رسول الله، أسألك بحقي عليك وقرابتي منك، وحق صحبتي إياك، لما دعوت الله (عز وجل) أن يقبضني إليه...)2.

والمرء ليعجب من الطائفيين الذين يرددون دوماً وفي كل حين عبارة (يا ليتنا كنا معكم)، وهم يرجون من كل قلوبهم لو أنهم صحبوا الإمام الحسين في ذهابه للعراق فنصروه وذبوا عنه، فيرى أحدهم في صحبته للحسين ابن رسول الله الشرف والقيمة، في حين يقف عند صحابة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خير الخلق والنبي الخاتم الذي أُرسل للناس كافة، وتمالأت عليه قوى الكفر فنصره هؤلاء وضحوا بدمائهم وأهليهم ووقفوا معه في أحلك الظروف، فلا تزن صحبتهم عنده جناح بعوضة!

هذا إن لم يطلق لسانه فيهم بالسب واللعن والقذع والتشنيع.

رصيد هذه الفئة المؤمنة المجاهدة من هذا الجهاد العظيم ومن الإسلام الذي نشروه وأوصلوه إلينا وإلى الأمم أن يُطعن فيهم وفي نزاهتهم وفي عقيدتهم وفي كل شيء.

لقد كتب الله تعالى لبعض أئمة أهل البيت أن يكونوا مستهدفين من جِهة الغلاة، ينسبون إليهم الأباطيل باسم حبهم وتوليهم، ولذلك كان على عاتقهم أن يُبرئوا أنفسهم دائماً وأبداً من تلك التُهم الرخيصة التي كانوا يُرمون بها ومنها تُهمة الطعن في صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فهذا الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) رضي الله عنه يقدِم عليه نفر من أهل العراق من أولئك الذين احترفوا مهنة التشنيع على الصحابة الكرام وسبهم ولعنهم في الآفاق يتكلمون أمامه بكلام قبيح في حق أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ويحسبون أنه سيثني على فعلهم هذا فإذ بالإمام زين العابدين يفاجئهم بقوله: (قال تعالى ]لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[- الآية تعني المهاجرين- قال الإمام زين العابدين لهم: أأنتم هؤلاء؟ قالوا: لا، ثم تلا زين العابدين الآية التي بعدها ]وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ الفَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون[- الآية تعني الأنصار- فقال الإمام زين العابدين: أأنتم هؤلاء؟ قالوا: لا، قال الإمام زين العابدين: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم ]وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا [3  اخرجوا عني، فعل الله بكم!) 4.

أما ابنه الإمام زيد بن علي فإجلاله لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما أشهر من أن يُشار إليه، فقد ضحى بأناس كان أحوج ما يكون إلى نصرتهم في قتاله مع أعدائه لا لشيء إلا لأنهم أرادوا منه النيل من الشيخين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما!

ومن أقواله في هذا الشأن: «كان أبو بكر رضي الله عنه إمام الشاكرين، ثم تلا {وسيجزي الله الشاكرين}5» ثم قال: «البراءة من أبي بكر براءة من علي»6.

ولذلك كان أخوه الإمام محمد الباقر يقول: «أجمع بنو فاطمة على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول» 7ويقول: «من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السُنَّة» 8.

وقد سأله سالم بن أبي حفصة يوماً عن أبي بكر وعمر فقال له: يا سالم، تولهما وابرأ من عدوهما فإنهما كانا إمامي هدى، وقال: ما أدركت أحداً من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما 9.

وقال يوماً لجابر الجعفي: «يا جابر، بلغني أنّ قوماً بالعراق يزعمون أنهم يحبونا ويتناولون أبا بكر وعمر ويزعمون أني أمرتهم بذلك، فأبلغهم عني أنِّي إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده- يعني نفسه- لو وُلِّيت لتقربت إلى الله بدمائهم، ولا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما، إنّ أعداء الله لغافلون عن فضلهما وسابقتهما، فأبلغهم أني بريء منهم وممن تبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما»10.

ويروي ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه أتى الإمام الباقر فسلّم عليه وقعد، فقال له الباقر: لا تقعد إلينا يا أخا العراق فإنكم قد نهيتم عن القعود إلينا، قال أبو حنيفة: فقعدت، فقلت: يرحمك الله هل شهد علي موت عمر؟ فقال: سبحان الله أو ليس القائل ما أحد من الناس ألقى الله عز وجل بمثل عمله أحب إليَّ من هذا المسجى عليه ثوبه، ثم زوّجه ابنته، فلولا أنه رآه لها أهلاً أكان يزوجها إياه؟ وتدرون من كانت- لا أبا لك اليوم-؟ كانت أشرف نساء العالمين». وفي زيادة «كان جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبوها علي ذو الشرف والمنقبة في الإسلام، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخواها حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وجدتها خديجة قال: قلت: فإنّ قوماً عندنا يزعمون أنك تتبرأ منهما وتنتقصهما، فلولا كتبت إلينا كتاباً بالانتفاء من ذلك، قال: أنت أقرب إليّ منهم أمرتك أن لا تجلس إليّ فلم تطعني فكيف يطيعني أولئك» 11.

وقد كانت الإشاعات المغرضة الرامية إلى تشويه علاقة أهل البيت بالصحابة رضوان الله عليهم تؤرقه حتى وهو مريض.

وفي هذا يقول سالم بن أبي حفصة: «دخلت على أبي جعفر وهو مريض فقال- وأظن قال ذلك من أجلي: اللهم إني أتولَّى وأحبُّ أبا بكر وعمر، اللهم إن كان في نفسي غير هذا، فلا نالتني شفاعة محمد-  صلى الله عليه وآله وسلم-  يوم القيامة»12.

وقد ورث سليل المجد (الإمام جعفر الصادق) عن هؤلاء الأكابر الموقف الصحيح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى عبد الجبار بن العباس الهمداني أنّ جعفر بن محمد أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من المدينة، فقال: «إنكم إن شاء الله من صالحي أهل مصركم، فأبلغوهم عني: من زعم أني إمام معصوم مفترض الطاعة، فأنا منه برئ، ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر، فأنا منه بريء» 13.

وقال زهير بن معاوية: قال أبي لجعفر بن محمد: إنّ لي جاراً يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر، فقال جعفر: بريء الله من جارك. والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر. ولقد اشتكيت شكاية فأوصيت إلى خالي عبد الرحمن بن القاسم 14.

ولذلك كان الإمام جعفر يعجب أشد العجب من نِسبة سب الصحابة ولعنهم إليه وبالذات أبي بكر الصدّيق لأنه جدّه، وكذلك عمر بن الخطاب فاروق الإسلام، فقال لسالم بن أبي حفصة: يا سالم، أيسب الرجل جده؟ أبو بكر جدي، لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما15.

 

  1. رواه مسلم-كتاب فضائل الصحابة- باب (فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ...)- حديث رقم (2532).

  2. الأمالي ‏للطوسي ص501-502 (المجلس الثامن عشر) – حديث رقم (1098).

  3. سورة الحشر آية(10).

  4. كشف الغمة في معرفة الأئمة (2/291).

  5. سورة آل عمران آية (144).

  6.  تاريخ الإسلام للذهبي( 8/107).

  7.  سير أعلام النبلاء للذهبي (4/406).

  8. البداية والنهاية (9/340).

  9. تهذيب التهذيب  (9/312)، تاريخ الإسلام (7/463).

  10. البداية والنهاية ( 9/340). 

  11. تاريخ مدينة دمشق (54/ 289 – 290).

  12. سير أعلام النبلاء للذهبي (4/406).

  13. تهذيب الكمال 5/82 وسير أعلام النبلاء (6/259).

  14. ينتسب الإمام جعفر الصادق إلى الإمام أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه من طريقين:

    الأول: عن طريق والدته أم فروة (قريبة) بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر.

    الثاني: عن طريق جدته أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر (هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر).

    ولذلك كان الإمام جعفر الصادق يفخر قائلاً: (لقد ولدني أبو بكر مرتين).

  15. تهذيب الكمال (5/80) وسير أعلام النبلاء (6/258) وتاريخ دمشق (35/332).



من روائع الحكم



قال ابن القيم في (مفتاح دار السعادة 1/140): (قال لي شيخ الاسلام رضى الله عنه وقد جعلت أورد عليه غير إيراد بعد إيراد: «لا تجعل قلبك للايرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته وإلا فإذا اشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات أو كما قال فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك وإنما سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل وأكثر الناس أصحاب حسن ظاهر فينظر الناظر فيما البسته من اللباس فيعتقد صحتها وأما صاحب العلم واليقين, فإنه لا يغتر بذلك بل يجاوز نظره في باطنها وما تحت لباسها فينكشف له حقيقتها )