تعاون المبرة مع الجهات الرسمية

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والأمانة العامة للأوقاف

-  تعددت أوجه التعاون بين المبرة والجهات الرسمية التي كان في مقدمتها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية.

- المبرة صاحبة رسالة , ويشرفها أن تتبني الوزارة فكرتها الوسطية .

- التعاون بين الوزارة والمبرة تتوجه اتفاقية التعاون بين الطرفين .

- التعاون  مع الوزارة في  نشر رسالة المبرة من أهم بشارات وثمار نجاحها.

- من ثمار التعاون مع الوزارة توثيق ونشر تراث الآل والأصحاب على نطاق واسع.

قال الله تعالى : {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}.

وقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: "مثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحُمِهم وتعاطفهم كمثلِ الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

إنّ التعاون والتكاتف والوحدة والتماسك لا بد منها للبناء السليم للمجتمع الإسلامي وكلما كان التعاون قائما على الثقة والقناعة كلما كان هذا المجتمع مبنيا بناءً قوياً سليماً،

وبالنظر إلى المسلمين الأوائل، نرى ما كانوا عليه، من تمسك بالشرع الحنيف وتعاون على كافة الأصعدة، ووحدة الوسائل والأهداف كفيلة بإظهار مجتمعاتهم على أنها مجتمعات مثالية قائمة على أسس سليمة لا خلل فيها، هكذا ينبغي أن نكون متعاونين ومتراحمين ومتكاتفين ومتحدين.

وقد كان التعاون بين المبرة والجهات الرسمية من أقوى وأهم أسباب نشر رسالة المبرة السامية التي تعني بتراث الآل والأصحاب وذلك من خلال إقامة الندوات والمحاضرات والمؤتمرات ونشر الكتب والأشرطة التي تحقق أهداف المبرة وتعني بشؤون التراث المتعلق بآل البيت والصحابة الأطهار الأخيار رضي الله عنهم.

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية أنموذج لهذا التعاون :

هناك العديد من الأمثلة لمجالات التعاون بين المبرة والمؤسسات الرسمية في الكويت، على رأسها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية متمثلة في بعض قطاعاتها وإداراتها، وكان من مظاهر هذا التعاون طباعة كتب وأشرطة تدور حول تراث الآل والأصحاب، كما تم إقامة مؤتمرات وملتقيات وأسابيع ثقافية مشتركة مع المبرة، ولعل من أبرز أوجه هذا التعاون المثمر:

1-     إقامة الدورات الثلاثة لمؤتمر ( السابقون الأولون ومكانتهم لدي المسلمين ) الذي يقام تحت رعاية حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح - حفظه الله - وبشكل مشترك بين كل من وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ومبرة الآل والأصحاب في دولة الكويت ورابطة العالم الإسلامي ( الملتقى العالمي للعلماء والمفكرين المسلمين ) في مكة المكرمة.

وقد تمثلت أهمية مؤتمر " السابقون الأولون ومكانتهم لدى المسلمين" في توضيح العلاقة بين الآل ولأصحاب التي ينبغي أن يتعرف عليها كل مسلم ليعالج المفاهيم الخاطئة حول هذه العلاقة السامية التي يعني كتمانها إعطاء فرصة للمتطرفين للعمل على شق الصف المسلم.

ويشارك في المؤتمر كل عام عدد من علماء الدين والمهتمين بتراث آل البيت والصحابة وفضل ومكانة الآل والأصحاب وعلاقتهم فيما بينهم والدور الريادي لهم ونماذج من عملهم الخيري والمؤسسي ومشروعهم لوحدة الأمة.

وقد كان من نتائج هذا المؤتمر العديد من التوصيات التي يتم العمل على تحقيقها بين الوزارة والمبرة اتفاقية التعاون مع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية.

 

2-     مجلسي السماع لكتاب الأربعين حديثاً  في مآثر ( آل البيت – الصحابة )

ومن أحد صور التعاون الطيب  بين المبرة  ووزارة الأوقاف والشئون الإسلامية أيضاً فعاليات مجلسي السماع لكتاب الأربعين في مآثر آل البيت للعلامة الشيخ عبد الله بن صالح العبيد الذي أقيم بالمسجد الكبير والتي يتم خلالها الاستماع إلى أربعين حديثا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن مآثر ( آل البيت – الصحابة )  بسندها مرفوعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذه الأمسية ما كان لها أن تتم لولا تعاون وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية وبالتحديد مسئولي إدارة المسجد الكبير.

 3- طباعة العديد من إصدارات المبرة :

تبنت وزارة الأوقاف مشكورة طباعة إصدارات المبرة باللغة العربية والمترجمة وحديثاً تم طباعة عدد 11 بحث يتعلق بتراث الآل والأصحاب وذلك بالتعاون مع عدد من باحثي المبرة وبجهود علمية لمركز البحوث والدراسات في المبرة بالمراجعة والتدقيق .

ومبرة الآل والأصحاب  تفخر بجميع أوجه التعاون مع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية والجهات الرسمية بالكويت الذي إن دل فإنما يدل على سمو الأهداف وتأييد المجتمع لرسالة المبرة، ومن خلال هذه الكلمة نتوجه بالشكر لجميع قياديي وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية والأمانة العامة للأوقاف على جهودهم المبذولة وما قدموه من جهد مخلص وعطاء متميز مع المبرة والذي يستحق الثناء ويستوجب تقديم الشكر والتقدير, ونتمنى أن يستمر التعاون مع الوزارة وأن يستمر هذا العطاء الواضح الجلي ، والعظيم أثره, وجزاهم اللـه عنا وعن المسلمين خير الجــــزاء.

والشكر موصول إلى جميع المؤسسات التي تتعاون مع المبرة في نشر تراث الآل والأصحاب، وكذلك الجمعيات الأهلية والأفراد ، ومؤسسات العمل المدني وجمعيات النفع العام، وكل من يتعاون مع المبرة – ولو بالكلمة أو المشاعر الطيبة ، فجزاهم الله جميعاً كل الخير.



هجرة جعفر إلى الحبشة وموقفه مع النجاشي

من كتاب

( عبق الرياحين في سيرة ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب وآله رضي الله عنهم )

seyra-003.jpg

 

اشتد البلاء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، وجعل الكفار يحبسونهم ويعذبونهم, بالضرب والجوع والعطش, ورمضاء مكة والنار، ليفتنوهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من تصلب في دينه وعصمه الله منهم، فلقي جعفر وزوجه من أذى قريش ونكالها ما لا يعلمه إلا الله، ولكنهما صبرا على العذاب فهو ابتلاء من الله عز وجل وفتنة، قال تعالى }:أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ{ (1)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبْتَلَى الرجل على حسب دينه فإن كان فى دينه صُلْبًا اشتد بَلاَؤُهُ وإن كان فى دينه رِقَّةٌ ابْتُلِىَ على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يَتْرُكَهُ يمشى على الأرض وما عليه خَطِيئَةٌ»(2).

فلما رأى رسول الله ص ذلك أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن بينهم جعفر رضي الله عنه وزوجه إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام.

فقد كانت الهجرة هي السمة الغالبة على حياة جعفر رضي الله عنه ، فقد هاجر ثلاث هجرات لم يهاجرها غيره من الصحابة إلا نفرٌ قليل، فقد هاجر الهجرتين إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة المنورة، فحياته كلها كانت هجرةً لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولإقامة الدين والدعوة إليه، ولإقامة شعائره وشرائعه، فهو ممن هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وهاجر إلى الحبشة مع زوجه أسماء بنت عميس رضي الله عنهما الهجرة الثانية، وولد له أولاده الثلاثة في الحبشة كما مرَّ معنا، وعاش فيها ردحاً من الزمن.

وذلك كله يدلنا على أن  جعفراً رضي الله عنه كان من أهل الإيمان الراسخ، واليقين العظيم، والتضحية الكبيرة، حيث ترك داره وأرضه وبلاده، فكانت حياته كلها تضحيةً في سبيل الله، وفي سبيل إعلاء كلمة الله عز وجل.

وبالإضافة إلى ما سبق كان من أسباب هجرة جعفر رضي الله عنه والمسلمين إلى الحبشة:

 

  • ظهور الإيمان والفرار بالدين:

    حيث كثر الداخلون في الإسلام، وظهر الإيمان, وتحدث الناس به، قال الإمام الزهري(3) في حديثه عن عروة قال: فلما كثر المسلمون، وظهر الإيمان فُتحدث به, ثار المشركون من كفار قريش بمن آمن من قبائلهم يعذبونهم ويسجنونهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم فبلغنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للذين آمنوا به: «تفرقوا في الأرض» قالوا: فأين نذهب يا رسول الله، قال: «هاهنا» وأشار إلى أرض الحبشة»(4).

     

    فكان الفرار بالدين خشية الافتتان فيه سببًا مهمًّا من أسباب هجرتهم للحبشة، كما بيَّن ذلك محمد بن إسحاق(5).

     

  •  ومن الأسباب: نشر الدعوة خارج مكة :

    قال سيد قطب: ومن ثم كان يبحث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح فيها أن تتخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة، وهذا في تقديري كان هو السبب الأول والأهم للهجرة، ولقد سبق الاتجاه إلى الحبشة، حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل، القول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية، فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس وجاهة وقوة ومنعة من المسلمين، غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا، إنما هاجر رجال ذوو عصبيات، لهم من عصبيتهم في بيئة قبلية ما يعصمهم من الأذى, ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين(6).

     

  • ومنها البحث عن مكان آمن للمسلمين :

    وهذا السبب هو نتيجة لفرار المسلمين بدينهم، فلا بد لهم أن يبحثوا عن المكان الآمن والأرض الخصبة التي تمكنهم من ممارسة شرائع الإسلام والدعوة إليه.

    وهكذا كانت الخطة الأمنية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم تستهدف الحفاظ على الصفوة المؤمنة؛ ولذلك رأى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن الحبشة تعتبر مكانًا آمنًا للمسلمين ريثما يشتد عود الإسلام وتهدأ العاصفة، وقد وجد المهاجرون في أرض الحبشة ما أمنهم وطمأنهم، وفي ذلك تقول أم سلمة رضي الله عنها : (لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أَمِنَّا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى(7).......الخ).

    الهوامش:

(([1] سورة العنكبوت الآية «2-3».

(2( أخرجه الترمذى (4/601)، رقم( 2398) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (2/1334)، رقم( 4023)، وأحمد (1/172)، رقم( 1481)، والطيالسى (ص 29)، رقم( 215)، والدارمى (2/412، رقم 2783)، والحاكم (1/100)، رقم( 121)، وصححه ابن القيم في طريق الهجرتين (226)، والزرقاني في مختصر المقاصد (102)، والألباني في صحيح الجامع(993).

(3(انظر: المغازي النبوية للزهري، تحقيق سهيل زكار (96)، والطبقات الكبرى لابن سعد (1/203).

(4) أخرجه عبد الرزاق  في المصنف (5/384)، رقم( 9743) عن معمر عن الزهري به، وأخرجه الطبراني في الأوسط (7/258، رقم 7440) قصة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة من حديث أم سلمة رضي الله عنها، وفي إسناد الطبراني يعقوب بن محمد الزهري، قال فيه الهيثمي (7/350): «وثقه غير واحد وضعفه بسبب التدليس، وقد صرح بالتحديث عن شيخ ثقة، وبقية رجاله ثقات».

(5( انظر: سيرة ابن هشام (1/398)، وسيأتي كلامه عن الهجرة إلى الحبشة بسبب الفتنة.

(6(في ظلال القرآن (1/29).

(7(سيأتي ذكر الحديث بطوله وتخريجه.

 



  ( العباس واليوم المحتوم )

 

د/ أحمد سيد أحمد علي الأزهري

قد أظلنا شهر رجب الأصم1، رجب مضر، وهو من الأشهر الحرم، وللأمة فيه ذكريات، ولعل منها وفاة عم النبي العباس بن عبد المطلب، حيث كانت وفاته على المشهور في شهر رجب سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه.

ولنقدم حديثنا بلمحة عن العباس متلوة بوفاته رضي الله عنه.

العباس بن عبد المطلب عمُّ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقُرَّةَ عَيْنِه، سَيِّدُ الْأَعْمَامِ وَالْأَخْدَانِ، جَدُّ الْأَجْدَادِ، وآبَاؤُهُ الْأَجْوَادُ، وَأَجْدَادُهُ الْأَنْجَادُ، لَهُ عَلْمٌ بِالْأُمُورِ، قَدْ زَانَهُ حَلِمٌ، وَقَدْ عَلَاهُ فَهْمٌ، كَانَ يَكْسِبُ حِبَالَهُ كُلُّ مُهَنَّدٍ، وَيَكْسِبُ لِرَأْيِهِ كُلُّ مُخَالِفٍ رِعْدِيدٍ، تَلَاشَتِ الْأَخْدَانُ عِنْدَ ذِكْرِ فَضِيلَتِهِ، وَتَبَاعَدَتِ الْأَنْسَابُ عِنْدَ ذِكْرِ عَشِيرَتِهِ، صَاحِبُ الْبَيْتِ وَالسِّقَايَةِ وَالنَّسَبِ وَالْقَرَابَةِ.2

ورث المجد كابراً عن كابر، فهو سليل بيت كريم، ووريث مجد أصيل، فهو عربي قرشي هاشمي، وقريش سادة العرب، وبنو هاشم واسطة عقد قريش، ومنهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم درَّة تاج بني هاشم، بل درَّة تاج الجنس البشري بعامة.

أسلم وحسن إسلامه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويكرمه ويثق به في أمره كله، ويعظمه ويجله، ويقول: هذا عمي وصنو أبي. ويقول لعمر: أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه.3

حتى قالت أم المؤمنين عائشة قالت: ما رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام يجل أحداً ما يجل العباس أو يكرِم العباس.4

وبعد حياة حافلة بالأحداث والمشاهد جرت على العباس سنة الله في خلقه، وكانت وفاته.

( أما آن للمسافر أن يقيم؟ )

الموت خاتمة الحياة ونهاية مرحلتها، ومصير كل مخلوق، تصديقاً لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. (الرحمن:26-27).

 ولم يكن العباس بدعاً من ذلك، فبعد حياة حافلة بالعطاء مليئة بالأحداث، طال فيها العمر، وكُف فيها البصر، وفُقد فيها الحبيب، تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ، وكانت وفاته يَوْمَ الْجُمُعَةِ لأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ فِي مَقْبَرَةِ بَنِي هَاشِمٍ.5

وقيل: تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لاثْنَتَيْ عشرة ليلة خلت من رجب. وقيل: بَلْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ قَبْلَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِسَنَتَيْنِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ وَدُفِنَ بالبقيع، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل ابْنُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ. أَدْرَكَ فِي الإِسْلامِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ سَنَةً وَفِي الْجَاهِلِيَّةِ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً.

وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: كَانَتْ وَفَاةُ الْعَبَّاسِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ، وَدَخَلَ قَبْرَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الله بن عباس.6

ورجّح الذهبي وفاته سنة اثنتين وثلاثين، حيث قال مخبراً عن وفاته: كَانَتْ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ مِنَ الهِجْرَةِ وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ هَذِهِ السِّنَّ مِنْ أَوْلاَدِهِ وَلاَ أَوْلاَدِهِمْ وَلاَ ذُرِّيَّتِهِ الخُلَفَاءِ.7

وقبل وفات العباس دخل عليه عثمان في مرضه الّذي مات فيه فقال: أوصني بما ينفعني به، وزوّدني، فقال: الزم ثلاث خصال تصب بها ثلاث عوامّ، فالخواصّ: ترك مصانعة الناس في الحق، وسلامة القلب، وحفظ اللسان، تصب بها سرور الرعية، وسلامة الدين، ورضى الرب.8

وهذا من كمال إيمان العباس رضي الله عنه، وسلامة طبعه، وجودة عقله، وحسن تأتِّيه، كما أنه من شواهد العلاقة الطيبة التي كانت بين العباس وعثمان رضي الله عنهما، حيث زاره عثمان في مرض موته خاطباً ودَّه، وطالباً نصحه، لما يعلم عنه من خصال البر، وشواهد الخير، وأجابه العباس رضي الله عنه بما يصلح به رعيته، ويسلم به دينه، وقبل ذلك يرضي ربه جل وعلا.

 وبعدها مات العباس، وصعدت روحه إلى باريها، وحضر جنازته خلق كثير، وكانت جنازة مشهودة.

جنازة مهيبة لعظيم راحل

من المعلوم أن تكثير الجمع في الصلاة على الميت مرغّب فيه، لحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ».9 وفي رواية: أربعون رجلاً. 10

فدلَّ ما سَبق عَلَى فَضِيلَةِ تَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَنَّ شَفَاعَةَ الْمُؤْمِنِ نَافِعَةٌ مَقْبُولَةٌ عِنْدَهُ تَعَالَى.11

وقديماً كان فقهاؤنا يتفاخرون على الملوك والمبتدعة بكثرة شهود الجنائز، فكانوا يقولون: بيننا وبينكم شهود الجنائز. كما روي عن الإمام أحمد بن حنبل. وذلك لأن حضور الجنازة إنما تكون في الغالب لوازع الحب المحض، وهذا طبعاً مقيّد بظاهر الاستقامة والالتزام بالكتاب والسنة.

ولعل من فضل الله على العباس رضي الله عنه حتى بعد مماته كثرة مشيعيه ومن شهد جنازته، فعَنْ نَمْلَةَ بْنِ أَبِي نَمْلَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعَثَتْ بَنُو هَاشِمٍ مُؤَذِّنًا يُؤْذِنُ أَهْلَ الْعَوَالِي: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ شَهِدَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ: فَحَشَدَ النَّاسُ وَنَزَلُوا مِنَ العوالي.12

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ قَالَ: جَاءَنَا مُؤَذِّنٌ يُؤْذِنَّا بِمَوْتِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِقُبَاءَ عَلَى حِمَارٍ. ثُمَّ جَاءَنَا آخَرُ عَلَى حِمَارٍ فَقُلْتُ: مَنِ الأَوَّلُ؟ فَقَالَ: مَوْلًى لِبَنِي هَاشِمٍ، وَالثَّانِي رَسُولُ عُثْمَانَ. فَاسْتَقْبَلَ قُرَى الأَنْصَارِ قَرْيَةً قَرْيَةً حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَافِلَةِ بَنِي حَارِثَةَ وَمَا وَلاهَا فَحَشَدَ النَّاسُ فَمَا غَادَرْنَا النِّسَاءَ. فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ تَضَايَقَ فَتَقَدَّمُوا بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ صَلَّيْنَا عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ ذَلِكَ الْخُرُوجِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ قَطُّ وَمَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَدْنُوَ إِلَى سَرِيرِهِ. وَغُلِبَ عَلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى اللَّحْدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَأَرَى عُثْمَانَ اعْتَزَلَ وَبَعَثَ الشُّرْطَةَ يَضْرِبُونَ النَّاسُ عَنْ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى خَلُصَ بَنُو هَاشِمٍ. فَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ نَزَلُوا فِي حُفْرَتِهِ وَدَلَّوْهُ فِي اللَّحْدِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى سَرِيرِهِ بُرْدَ حِبَرَةٍ13  قد تقطع من زحامهم.14

وما كاد خبر وفاة العباس يشيع إلا أقبل الناس من كل فج وصوب يتسابقون لشهود جنازة عم النبي صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ قَالَتْ: جَاءَنَا رَسُولُ عُثْمَانَ. رَحِمَهُ اللَّهُ. وَنَحْنُ بِقَصْرِنَا عَلَى عَشْرَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَدْ تُوُفِّيَ. فَنَزَلَ أَبِي وَنَزَلَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَنَزَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنَ السَّمُرَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَاءَنَا أَبِي بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ فَقَالَ: مَا قَدَرْنَا عَلَى أَنْ نَدْنُوَ مِنْ سَرِيرِهِ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ. غُلِبْنَا عَلَيْهِ. وَلَقَدْ كُنْتُ أُحِبُّ حَمْلَهُ.15

وَعَنْ عَبَّاسِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: حَضَرَ غَسْلَهُ عُثْمَانُ، وَغَسَّلَهُ: عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَخَوَاهُ؛ قُثَمُ وَعُبَيْدُ اللهِ..16

وروي أن العباس قبل وفاته أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي بُرْدِ حِبَرَةٍ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِيهِ.17

وقالُوا: ونزل فِي حفرة الْعَبَّاس: عَلِي بْن أَبِي طَالِب وعبد اللَّه وعبيد اللَّه ابنا الْعَبَّاس والحسن والحسين ابنا عَلِي وقثم بْن الْعَبَّاس.. وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْعَبَّاس: لَقَدْ كُنَّا محتاجين إِلَى نزول أكثَرَ منّا لبدنه وعظمه.18

وكانت جنازته مهيبة حضرها خلق كثير، حتى نساء الأنصار حرصن على حضورها، فعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ قَالَتْ: حَضَرْنَا نِسَاءُ الأَنْصَارِ طُرًّا جَنَازَةَ الْعَبَّاسِ، وَكُنَّا أَوَّلَ مَنْ بَكَى عليه، ومعنا المهاجرات الأول المبايعات.19

وصلَّى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ يُكَبِّرُ عَلَى الْعَبَّاسِ بِالْبَقِيعِ وَمَا يَقْدِرُ مِنْ لَفْظِ النَّاسِ، وَلَقَدْ بَلَغَ النَّاسُ الْحَشَّانَ20 وَمَا تَخَلَّفَ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.21

وتحت ثرى البقيع هدأ جثمان أبي الفضل واستراح.. ونام قرير العين، بين الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه!!

الهوامش :

  1. سمي رجب بالأصم: لأنه كان لا يُسْمَع فيه لا حركةُ قتالٍ ولا قَعْقَعةُ سلاح، لكونه من الأشهر الحُرُم، من الأَصَمِّ وهو الذي لا يَسْمَعُ. ولم يشرع تخصيصه بعبادة من العبادات، وإن كان يستحب فيه الإكثارُ والمواظبةُ على ما ثبتت به السنّةُ في سائرِ الأيّامِ من نوافلِ الطّاعاتِ. وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ رحمه الله في (تبيين العجب بما ورد في فضل رجب) (ص/9): لم يردْ في فضلِ شهرِ رجبٍ، ولا فِي صيامِه، ولا صيامِ شيءٍ منه معيَّنٍ، ولا في قيامِ ليلةٍ مخصوصةٍ فيهِ حديثٌ صحيحٌ يصلحُ للحجَّةِ، وقد سبقني إلى الجزمِ بذلك الإمامِ أبو إسماعيل الهرويُّ الحافظُ، رُوِّيناهُ عنه بإسنادٍ صحيحٍ، وكذلك رُوِّيناهُ عن غيرِه.

  2. المستدرك: 3/ 371.

  3. رواه مسلم: كتاب الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، ح(2324) وأحمد في المسند: ح(8283) وأبو داود في سننه: كتاب الزكاة ، باب في تعجيل الزكاة، ح(1625) وقال الشيخ الألباني: صحيح. وأخرجه الترمذي من رواية أبي البختري عن علي، ح(3760) وقال: هذا حديث حسن. وقال الألباني: صحيح لغيره.

  4. سير أعلام النبلاء: 3/399، وقال الذهبي: إسناده صالح.

  5.  الطبقات الكبرى: 4/30. الثقات: 2/135.

  6. الاستيعاب: 2/817. أسد الغابة: 3/63.

  7. سير أعلام النبلاء: 3/403.

  8. أخبار الدولة العباسية: ص21.

  9. رواه مسلم: ح(947). والترمذي في سننه: ح(1029). وأحمد في المسند: ح(25950).

  10.  رواه مسلم: ح(984)  وأبو داود: ح(3170) وأحمد في المسند: ح(2509).

  11. سبل السلام: الصنعاني، 1/483.

  12.  الطبقات الكبرى: 4/32. سير أعلام النبلاء: 3/403.

  13. قوله: "برد حبرة" هو بكسر الحاء وفتح الباء: برد مخطط، وهو بالإضافة أو التوصيف. ويضرح، بضاد معجمة وراء وحاء مهملتين من ضرح للميت كمنع: حفر له ضريحاً، والضريح: القبر أو الشق، والثاني هو المراد هاهنا للمقابلة. قاله السندي. - بردُ حِبَرة: ثوب يماني من قطن أو كتان مخطط ملوَّن. ومسجى: مغطى.

  14. الطبقات الكبرى: 4/32. تاريخ دمشق: 26/377. سير أعلام النبلاء: 3/403. وفي الطبقات وتاريخ دمشق: وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ حارثة، وضبطها الذهبي في سيره: ابن جارية.

  15. الطبقات: 4/32. سير أعلام النبلاء: 3/403.

  16. سير النبلاء: 2/1010.

  17. الطبقات الكبرى: 4/33.

  18. أنساب الأشراف: 4/22.

  19.  الطبقات: 4/33.

  20. الحشَّاُن: أُطُمٌ بالمَدِينَةِ، عَلَى طَرِيقِ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ. وضبطت بالضم والكسر.(تاج العروس: 17/147).

  21. الطبقات الكبرى: 4/33.