هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة

  • عن أبي بكر أنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» رواه البخاري

بينما ينظر البعض إلى الهجرة كذكريات عطرة تتجدّد كل عام ، يرى الحكماء وأصحاب العقول الراجحة في هذا الحدث نصراً يُضاف إلى رصيد الجماعة المؤمنة ، وهروباً من حياة الظلم والاستعباد ، إلى الحياة الحرّة الكريمة ، وبداية مرحلةٍ جديدة من الصراع بين الإسلام والكفر ، والحق والباطل ، حتى صار تاريخاً للمسلمين يؤرّخون به أحداثهم .

وللوقوف على أهمّية الحدث ، واستشعار أبعاده ، يجدر بنا أن نعود إلى الوراء بضعة عشر قرناً من الزمان ، وتحديداً في العام الثالث عشر من البعثة ، حين نجحت جموع المؤمنين في الخروج من مكة ، واستطاعت أن تتغلّب على المصاعب والعقبات التي زرعتها قريشٌ للحيلولة دون وصولهم إلى أرض يثرب ، ليجدوا إخوانهم الأنصار الذين استقبلوهم ببشاشة وجهٍ ورحابة صدر ، وفتحوا لهم قلوبهم قبل بيوتهم ، مما كان له أعظم الأثر في نفوسهم ، قال الله فيهم:{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(سورة الحشر/8-9).

ولم يبق في مكّة سوى نفرٍ قليل من المؤمنين ما بين مستضعفٍ ومفتونٍ ومأسورٍ.

هنا أحسّت قريشٌ بالمخاطر التي تنتظرهم ، وأدركت أنها لن تستطيع  تدارك الموقف وإعادة الأمور إلى نصابها إلا بالوقوف بأيّ وسيلة دون إتمام هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  .

ونتيجةً لذلك ، كانت المؤامرات تدور في الخفاء للقضاء على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم  -, حتى اتفقت الآراء على قتله ، ولكن بطريقة تَعْجَز بنو هاشم معها عن أخذ الثأر ، وصدق الله عزوجل إذ يقول : {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ( الأنفال : 30 ) .

ولم تكن قريش لتعلم أن الله سبحانه وتعالى أذن لنبيه بالهجرة إلى المدينة ، فبينما هم يبرمون خطّتهم ويحيكون مؤامرتهم كان النبي - صلى الله عليه وسلم  - قد استعدّ للسفر ، وانطلق إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه في وقت الظهيرة  على غير عادته ، ليخبره بأمر الخروج.

وخشي أبو بكر رضي الله عنه أن يُحرم شرف هذه الرحلة المباركة ، فاستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم  - في صحبته فأذن له ، فبكى رضي الله عنه من شدّة الفرح، وكان قد جهّز راحلتين استعداداً للهجرة ، فلما أعلمه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم  -بقرب الرحيل قام من فوره واستأجر رجلاً مشركاً من بني الديل يُقال له عبد الله بن أُريقط ، ودفع إليه الراحلتين ليرعاهما ، واتفقا على اللقاء في غار ثورٍ بعد ثلاث ليالٍ, ثم خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبوبكر رضي الله عنه مهاجرا, ولم يعلم المترصبون بخروجهم, وبعد خروجهما فوراً عمدا إلى غار بثور جبل بأسفل مكة، فدخلاه, وأقاما فيه ثلاث ليال, وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، وكان عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما يأتي كل يوم ليبلغهما أخبار قريش ، و عامر بن فهيرة يأتي بالأغنام ليشربا من لبنها ، ويخفي آثار عبدالله بن أبي بكر ، حتى جاء عبدالله بن أريقط في الموعد المنتظر ، ومعه رواحل السفر .وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، فركبا وانطلقا.

وانتهت هذه الرحلة بما فيها من مصاعب وأحداثٍ ، ليصل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم  -إلى أرض المدينة ، يستقبله فيها أصحابه الذين سبقوه بالهجرة ، وإخوانه الذين أعدّوا العدة لضيافته في بلدهم.

  • صاحبه في الغار والهجرة

كان أبوبكر رضي الله عنه, صاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغار وصاحبه في الهجرة, وهذا مما تواتر به الخبر، وأجمع عليه المسلمون. فقد روي البخاري في صحيحه عن أبي بكر أنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»1.

وفيه نزل قول الله تبارك وتعالي: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(سورة التوبة/40).

  • مبيت الإمام علي رضي الله عنه على فراش النبي

أمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم  - علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يتخلّف عن السفر ليؤدي عنه ودائع الناس وأماناتهم ، وأن يلبس بردته ويبيت في فراشه تلك الليلة, يذكر ابن هشام في تاريخه ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي وتسج  ببردي هذاالحضرمي الأخضر، فنم فيه2.

وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الودائع التي كانت عنده إلى الناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء3.

  • بعض الدروس المستفادة من الهجرة

كان الله -سبحانه- قادرًا على أن يرسل ملكًا من السماء يحمل رسوله إلى المدينة كما أسرى به ليلا من مكة إلى المسجد الأقصى وعرج به السماء، ولكن جعل الهجرة فرصة كبيرة لنتعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دروسًا عظيمة التي توصلنا إلى النجاح في الدنيا والآخرة.من أهمها:

  • بذل الصحابة أنفسهم وأموالهم وأهليهم فداء لنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد نام عليٌّ في فراشه ليلة خروجه، وكان الصديق شريكه في أهوال رحلة الهجرة، فيما جهد ولداه عبد الله وأسماء ومولاه عامر في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم.

  • معية الله لأوليائه المؤمنين ونصرته لهم.

  • ضرورة الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله.

  • إن النصر مع الصبر.

  • من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه, فلما ترك المهاجرون ديارهم، وأهليهم، وأموالهم ، أعاضهم الله بأن فتح عليهم الدنيا، وملّكهم شرقها وغربها.

فما أحوج المسلمين اليوم إلى هجرة إلى الله ورسوله: هجرة إلى الله بالتمسك بحبله المتين وتحكيم شرعه القويم، وهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم باتباع سنته، والاقتداء بسيرته. فإن فعلوا ذلك فقد بدءوا السير في الطريق الصحيح، وبدءوا يأخذون بأسباب النصر، وما النصر إلا من عند الله.

الهوامش :

  1. البخاري, رقم(3653).

  2.  السيرة النبوية لابن هشام:(1/483).

  3.   السيرة النبوية لابن هشام:(1/493).



من وحي العام الجديد

(أريج الحسنات في تعاقب الأعوام والأوقات)

د/ أحمد سيد أحمد علي

وتمر الأيام سراعا يوما تلو يوم، وتتعاقب الشهور تباعا شهرا تلو شهر حتى يكتمل العام فنودعه بكل ما فيه من سرور وحبور وآلآم وأسقام مستقبلين عاما جديدا نرجو فيه تحقيق أمل منشود وحلم مفقود وهدف مبتغى وسعي مرتجى ضارعين إلى ربنا بالدعاء والنداء أن يجعله عام توفيق وقبول ونصرة وسداد، متلمسين هدي نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام في استهلال الشهور والأعوام، مستذكرين دعاءه صلى الله عليه وسلم:

اللهم أهله علينا بالأمن و الإيمان، و السلامة و الإسلام، و العافية المجللة و الرزق الواسع، و دفع الاسقام .. و سلمه لنا، و تسلمه منا و سلمنا فيه‏.

والحديث وإن كان في استقبال رمضان إلا أن فيه تلمس هدي النبي في استقبال ما تعاقب عليه الليل والنهار.

وإننا إذ نودع عاما منصرما مضى بكل ما فيه من أفراح وأتراح سعد فيه من سعد وشقي فيه من شقي، وربح فيها من ربح؟ وخسر فيها من خسر، إلا أننا لا يجب أن نعيش في حدود ما مضى بل نخلص القصد ونشمر عن سواعد الجد في اغتنام أيامنا القادمة والتي لن يعود فائتها بحال، تمثلا بما قاله الشاعر:

دَقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلة ٌ له:          إنَّ الحياة َ دقائقٌ وثواني 

فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها      فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني

فاغتنام الوقت فرض وإضاعته مقت، سيما وأن كل شيء حولنا يذكرنا بقيمة الوقت بدءا من حركة الشمس والقمر والليل والنهار والكواكب السيارة. "لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" ( يس/36) ومرورا بشعرات بيض تعلو رؤوسنا ولِحانا مؤذنة بدنو أجل واقتراب وفاة، وانتهاء بما لا محيص عنه ولا منجى منه.

وعليه فالإنسان مسئول عن وقته ومحاسب عليه، لأنه وقته هو عمره وعمره مناط المحاسبة يوم القيامة، كما قال  ربنا تعالى: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا.

 وقال نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه عنه أبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ». (أخرجه الترمذي في سننه: ح2417).

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: " اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ". (أخرجه الحاكم في المستدرك: ح 7846).

وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقول عندما نستيقظ من النوم: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ". (أخرجه النسائي في الكبرى: ح10636).

إنه حمد على السماح لك بيوم جديد، يزاد فيه من رصيد حسناتك ومجموع طاعاتك.

ولهذا حرص سلفنا الصالح على اغتنام الأيام والشهور والسنين، فمن كلام ابن مسعود – رضي الله عنه-: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي".

وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: «ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ» (حلية الأولياء: 2/148).

وجاء عن بعض السلف، وقيل: عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما

وَقَالَ آخَرُ: اعْمَلُوا لِآخِرَتِكُمْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَسِيرُ، كَأَنَّهَا تَطِيرُ. ".(أدب الدنيا والدين للماوردي: ص122).

قال ابن القيم رحمه الله : إذا أراد الله بالعيد خيرا أعانه بالوقت، وجعل وقته مساعدا له،وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه، وناكده وقته. (مدارج السالكين: 3/125).

فحري بنا أن نستهل عامنا الجديد باستحداث توبة، وابتدار أوبة، واغتنام وقت، وإخلاص طاعة، واجتناب منهي عنه، سائلين ربنا جل وعلا أن يكون عامنا هذا عام خير وبركة على المسلمين أجمعين.



بناء المسجد النبوي

إن للمساجد أهمية بالغة في حياة المسلمين، فهي الزاد الروحي لمسيرة المسلم الطويلة إلى الله تعالى، وهي المدرسة التي يأخذ فيها علومه وآدابه ويعرف ماضيه وحاضره، ويترسم خطى مستقبله، فالمساجد بيوت الله سبحانه وتعالى ولمكانتها وفضلها ذكرها الله في ثمان وعشرين آية من كتابه الكريم، وأضافها إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم.

فمن أول ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدما دخل المدينة في ربيع الأول أن بنى المسجد الذي هو مكان لتجمع المسلمين، ومكان لعبادة الله رب العالمين، تلقى فيه المواعظ والتوجيهات، والخطب النافعات، وتجيش منه الجيوش، وتربى فيه الأجيال، ويأوي إليه المسكين، ويستريح بظله المتعبون من ذوي الفقر والعالة، مع ما في المسجد من اجتماع المسلمين وتآلف قلوبهم، وتعاونهم على البر والتقوى. فبعد أعوام عديدة من حياة الخوف والقلق ، والمعاناة من الشدّة والتضييق ، والحرمان من المجاهرة بالشعائر التعبدية ، والاضطرار إلى الصلاة بعيداً عن أعين الناس في الشعاب والأودية ، أو خفيةً في البيوت ، إذا بهم يجدون حريّتهم الكاملة في أداء صلاتهم وإقامة شعائرهم دون خوفٍ أو وجل ، في بيوت الله تعالى .

أما عن بناء المسجد النبوي وما جرى في ذلك من أحداث فيحدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه كما ذكر ذلك الإمام البخاري رحمه الله: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار، فجاءوا متقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته، وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وأنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملإ من بني النجار فقال: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا»، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين، وفيه خرب وفيه نخل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين، فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم، وهو يقول:

«اللهم لا خير إلا خير الآخرة **** فاغفر للأنصار والمهاجرة»(1).

وقد ثبت في صحيح البخاري في موضع آخر عن الزهري عن عروة أن المكان الذي بني فيه المسجد كان مربداً -وهو المكان الذي يجفف فيه التمر- وكان لغلامين يتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة، وهما سهل وسهيل فساومهما فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول، وهو ينقل اللبن: 

هذا الحمال لا حمال خيبر *** هذا أبرُّ ربنا وأطهر

ويقول:

اللهم إن الأجرَ أجرُ الآخرة *** فارحم الأنصارَ والمُهاجرة(2).

  • دور عمار بن ياسر رضي الله عنه في بناء المسجد:

ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عمار بن ياسر رضي الله عنه كان ممن شارك في بناء المسجد النبوي، وكان -من شدة تفاعله مع هذا العمل العظيم- يحمل لبنتينِ، بينما الناس يحملون لبنة واحدة, كما ذكر ذلك أبوسعيد في ذكر بناء المسجد النبوي, حيث يقول: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين... (3).

وما أعظم سرور الصحابة وهم يعملون جنباً إلى جنب ، بهمّة عالية ، وإرادة صلبة ، وعزيمة لا تلين ، ويروّحون عن أنفسهم بأبيات من الشعر تزيد من نشاطهم ، وتخفّف عنهم مشقّة العمل ، ورسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يشاركهم في نقل الحجارة وإنشاد الأشعار, ويبدي مهارته فيقول: «قدموا اليمامي من الطين، فإنه من أحسنكم له مسا»(4).

وخلال فترةٍ وجيزة ، استطاع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أن ينتهوا من بناء المسجد، ولم يكن في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ ذاك منبر يخطب الناس عليه، بل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب الناس وهو مستند إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي, روي البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرا؟ قال: «إن شئتم»، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يسكن. قال: «كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها»(5).

وما أحسن ما قال الحسن البصري بعدما روى هذا الحديث، عن أنس بن مالك: يا معشر المسلمين، الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه، أو ليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه؟!(6).

  • مسكن الرسول:

بعد أن تم بناء المسجد النبوي الشريف بُني لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوله حُجَرٌ -أي غرف- لتكون مساكن له ولأهله، وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء، وفي الأدب المفرد للبخاري أن أبوابه عليه السلام كانت تقرع بالأظافير(7). فدل على أنه لم يكن لأبوابه حِلق، وقد أضيفت الحُجر كلها بعد موت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد(8).

  • المسجد النبوي يُخرج جيلاً لم تسمع بمثله البشرية!

تم بناء المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح. هذا البناء المتواضع, هو الذي ربى ملائكة البشر، ومؤدبي الجبابرة، وملوك الدار الآخرة, وفي هذا المسجد أذن الرحمن لنبي يؤم بالقرآن خير من آمن به، يتعهدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل.

وكذلك الأسلاف الكبار انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام(9).

فلما صار المسلمون إلى التبذير والإسراف والزخرفة والمظاهر الفارغة -شأنهم في الأندلس- نزع الله الملك من أيديهم، فصار ما بنوه من المساجد كنائس ومتاحف، لا يُذكر فيها اسم الله الواحد الأحد {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[النحل: 33].

 

(1)  رواه البخاري, الرقم(428).

 (2)  رواه البخاري, الرقم(3906).

 (3)  رواه البخاري, الرقم(447).

 (4)  ابن حبان, رقم(1122).

 (5)  رواه البخاري, رقم(3584).

 (6)  البداية والنهاية, ط: دارهجر:(4/541).

 (7)  الأدب المفرد للبخاري, رقم(1080).

 (8)  البداية والنهاية, ط: دارهجر:(4/546).

 (9)  فقه السيرة للغزالي (ص /189). ط: دار القلم - دمشق.