صلح الحسن بن علي مع معاوية رضي الله عنهما

الحسين بن علي رضي الله عنهما

بويع الحسن رضي الله عنه بيعة عامة، وبايعه الأمراء الذين كانوا مع والده، وكل الناس الذين بايعوا لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وباشر سلطته كخليفة، فرتب العمال وأمّر الأمراء وجند الجنود وفرق العطايا، وزاد المقاتلة في العطاء مائة مائة؛ فاكتسب بذلك رضاءهم ، وكان في وسعه أن يخوض حربًا لا هوادة فيها ضد معاوية، وكانت شخصيته الفذة من الناحية السياسية، والعسكرية، والأخلاقية، والدينية تساعد على ذلك مع وجود عوامل أخرى، كوجود قيس بن سعد بن عبادة، وحاتم بن عدى الطائى وغيرهما من قادة المسلمين الذين لهم من القدرات القيادية الشيء الكثير، إلا أن الحسن بن علي مال إلى السلم والصلح لحقن الدماء، وتوحيد الأمة، ورغبة فيما عند الله وزهده في الملك .

* أهم مراحل الصلح

-دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للحسن بأن يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين: فتلك الدعوة المباركة التي دفعت الحسن رضي الله عنه إلى الإقدام على الصلح بكل ثقة وتصميم ، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: @إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظميتين من المسلمين!، فلم تكن نبوءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الحسن بن علي أنه سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين مجرد نبأ يسمعه الحسن والمسلمون ويصدقونه كالنبوءات النبوية الأخرى، بل كانت الكلمة الموجهة الرائدة للحسن بن علي رضي الله عنهما في اتجاهاته وتصرفاته ومنهج حياته، لابدّ أنها حلّت في قرارة نفسه، واستولت على مشاعره، وامتزجت بلحمه ودمه.

-شرط البيعة الذي وضعه الحسن رضي الله عنه أساسًا لقبوله مبايعة أهل العراق له، ذلك الشرط الذي نص على أنهم يسالمون من يسالم ويحاربون من يحارب2، فعن ميمون ين مهران، قال: إن الحسن بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علىّ على بيعتين، بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه ويرضوا بما رضى به وفى رواية أخرى، من طريق خالد بن مصرَّب، قال: سمعت الحسن بن علي يقول: والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم، قالوا: ما هو؟ قال: تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت3.وأدخل الحسن رضي الله عنه بشرطه في عقلية العراقيين بأن خيار السلم قابل للنقاش والأخذ والعطاء، وليس فيه إرادة السلم على الحرب، فهو يشتمل عليهما معًا، وإن كان يوحى بالسلم وهذا دليل على عبقريته وحسن قيادته، ومعرفته بالأمور، كما أنه رضي الله عنه تقدم للخلافة لما كانت مصلحة الإسلام والمسلمين في ذلك.

 

-تبادل الرسل بين الحسن ومعاوية، ووقوع الصلح بينهما رضوان بن عليهما، فقد سجل الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه تلك اللحظات الحرجة من تاريخ الأمة المسلمة حين التقى الجمعان، جمع أهل الشام وجمع أهل العراق، وذلك في الرواية التى أخرجها من طريق الحسن البصري، قال: استقبل -والله- الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إنى لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خبر الرجلين: أى عمرو، وإن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس، مَنْ لي بنسائهم، من لي بضيعتهم4؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس- عبد الرحمن ابن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه. فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما، وقالا له، وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال5، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟6 قالا: نحن لك به7، فما سألهما إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الحسن أي البصري: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر -والحسن بن علي إلى جنبه- وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: @إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين!8.

 

وقد تحدث ابن حجر رحمه الله عن الفوائد المستنبطة من رواية الصلح فقال:

1 - وفي هذه القصة من الفوائد علم من أعلام النبوة.

2 - ومنقبة للحسن بن علي، فإنه ترك الملك لا لقلة، ولا لذلة، ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى مصلحة الأمة.

3 - وفيها رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون عليًا ومت معه، ومعاوية ومن معه، بشهادة النبى - صلى الله عليه وسلم - بالطائفتين بأنهم من المسلمين.

4 - وفيها فضيلة الإصلاح بين الناس، ولاسيما في حقن دماء المسلمين.

5 - ودلالة على رأفة معاوية بالرعية، وشفقته على المسلمين، وقوة نظره في تدبير الملك، ونظره في العواقب.

أهم أسباب ودوافع الصلح

كانت هناك عوامل وأسباب متعددة ساهمت في دفع أمير المؤمنين الحسن للصلح مع معاوية رضي الله عنه فمنها

 الرغبة فيما عند الله وإرادة صلاح هذه الأمة:

قال الحسن بن علي رضي الله عنهما ردًا على نفير الحضرمى عندما قال له: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة. فقال: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله9، وقال في خطبته التى تنازل فيها لمعاوية: .. إما كان حقًا لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة10.

إن استحضار الحسن رضي الله عنه وإرادة وجه الله وتقديم ذلك، والحرص على إصلاح ذات البين من أسباب الصلح ودوافعه عند الحسن بن علي رضي الله عنه، فمكانة الصلح في الإسلام عظيمة، وهو من أجل الأخلاق الاجتماعية، إذ به يرفع الخلاف وينهى المنازعة التى تنشأ بين المتعاملين ماديًا أو اجتماعيًا، ويعود بسببه الود والإخاء بين المتنازعين لكونه يرضى طرفى النزاع ويقطع دابر الخصام، ولذلك كان الصلح من أسمى المطالب الشرعية لتتحقق به الأخوة التى ينشدها لهم ويصفهم بها، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10]

وهي الأخوة التى يذهبها الخلاف والتنازع فيما بينهم (1) ولذلك اعتنى القرآن الكريم بالصلح كثيرًا، أمرًا به، وترغيبًا فيه، وتنويهًا به وبأهله، وإليك البيان.

إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين:

إن دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين دفعت الحسن إلى التخطيط والاستعداد النفسى للصلح والتغلب على العوائق التى في الطريق، فقد كان هذا الحديث الكلمة الموجهة الرائدة للحسن في اتجاهاته وتصرفاته ومنهج حياته، فقد حلت في قرارة نفسه واستولت على مشاعره وأحاسيسه واختلطت بلحمه ودمه، ومن خلال هذا التوجيه واستيعابه وفهمه له بنى مشروعه الإصلاحى، وقسم مراحله وكان متيقنًا من نتائجه، فالحديث النبوى كان دافعًا أساسيًا وسببًا مركزيًا في اندفاع الحسن للإصلاح.

- حقن دماء المسلمين:

قال الحسن رضي الله عنه: خشيت أن يجىء يوم القيامة سبعون ألفًا، أو أكثر أو أقل، كلهم تنضح أوداجهم دمًا، كلهم يستعدى الله فيما هُريق دمه 11؟ وقال رضي الله عنه: ألا إن أمر الله واقع إذ ليس له دافع وإن كره الناس، إنى ما أحببت أن لي من أمة محمد مثقال حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دم، قد علمت ما ينفعنى مما يضرني ألحقوا بطيتكم12  ، وقال في خطبته التى تنازل فيها لمعاوية عن الخلافة وتسليمه الأمر إليه: ... إما كان حقًا لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة وحقن دمائهم13.

 

الهوامش :

  1. من كتاب أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه - شخصيته وعصره للدكتور علي الصلابي مع اختصار وتصرف.

  2. الطبقات، تحقيق السلمي (1/ 316، 317) إسناده حسن.

  3. الطبقات، تحقيق السلمي (1/ 386، 387) إسناده صحيح.

  4. قال ابن حجر رحمه الله: بشير -يقصد معاوية- إلى أن رجال العسكرين معظم من في الإقليمين، فإذا قتلوا ضاع أمر الناس وفد حالهم بعدهم وذراريهم، والمراد بقوله: ضيعتهم: الأطفال والضعفاء وما يؤول إليه أمرهم، لأنهم إذا تركوا ضاعوا لعدم استقلالهم بأمر المعاش.

  5. أى فرقنا منه في حياة على وبعده ما رأينا في ذلك صلاحه، فنبه على ذلك خشية أن يرجع عليه بما تصرف فيه، الفتح (13/ 69، 70).

  6. أى من يضمن لي الوفاء من معاوية، الفتح (13/ 70).

  7.  أى نحن نضمن، لأن معاوية كان فوض لهما ذلك الفتح (13/ 70).

  8. البخاري، رقم (7109).

  9. البداية والنهاية (11/ 206).

  10. المعجم الكبير للطبراني (3/ 26) إسناده حسن.

  11. البداية والنهاية (11/ 206).

  12.  بطيتكم: جهتكم ونواحيكم.

  13.  المعجم الكبير للطبرانى (3/ 26) إسناده حسن.



معركة حطين الكبرى

عرض للأحداث والآثار

 islam_symbol_sword.gif

ياسر بكر محمد

منذ أعلن البابا أوربان الثاني، الحروب الصليبية على المسلمين سنة (1095م/ 488 هـ)، بدواع دينية، كتحرير قبر المسيح وكنيسته من أيدي المسلمين، ودخلت تلك المنطقة في صراعات هائلة، بين المسلمين أصحاب الأرض، والغزاة الصليبين، الذين حركتهم دوافع عنصرية واقتصادية، مغلفة بالسبب الديني.

وقعت القدس كاملة في أيدي الصليبيين عام (1099م/492هـ) إثر مجزرة عظيمة، لم يفرق فيها الصليبيون بين الأطفال والشيوخ والنساء والشباب، ومنذ ذلك الحين والمسلمون في خطر داهم نتيجة وجود عدوهم في قلب العالم الإسلامي من جهة،  وتحت الضغط المعنوي الرهيب لضرورة استرجاع بيت المقدس من يد الغاصبين.

كان السبب المباشر لمعركة حطين لاسترداد بيت المقدس الغارات التي كان يشنها أمراء الحرب الصليبيون، وبخاصة رينو دي شاتليون، الذي تذكره المصادر العربية باسم أرناط غالبا، وكان أسيرا سابقا لدى نور الدين زنكي، والذي اعتاد نهب القوافل التجارية، والإغارة على ثغور المسلمين وسرقتها، وقد كان أميرا على حصن الكرك.

عبر صلاح الدين نهر الأردن لمهاجمة بيسان التي كانت خاوية. وفي اليوم التالي، أشعلت قواته النار في البلدة وساروا غربًا، ليعترضوا تعزيزات الصليبيين من حصني الكرك والشوبك على طول طريق نابلس وأسروا عددًا منهم. وفي تلك الأثناء، كانت قوة الصليبيين الرئيسية بقيادة غي آل لوزنيان، قرين ملكة القدس سيبيلا أخت بلدوين، قد تحركت من صفورية إلى العفولة. أرسل صلاح الدين الأيوبي 500 مقاتل لمناوشة قوات الصليبيين، وسار بنفسه إلى عين جالوت. وعندما تقدمت القوات الصليبية، والتي كانت أكبر قوة جمعتها المملكة من مواردها الخاصة، ولكنها كانت لا تزال أقل من قوات المسلمين، تراجع الأيوبيون بشكل غير متوقع إلى عين جالوت. رغم وجود بضع الغارات الأيوبية، بما في ذلك الهجمات على زرعين والطيبة وجبل طابور، لم يشارك الصليبيون بكامل قواتهم في معركة العفولة، التي قاد فيها صلاح الدين رجاله عبر النهر منسحبًا ببطء. ومع ذلك، أثارت المزيد من الهجمات الصليبية غضب صلاح الدين الأيوبي. فقد استمر أرناط آل شاتيون يهاجم القوافل التجارية العائدة للمسلمين وطرق الحج بأسطول في البحر الأحمر، وهو الممر المائي الذي كان من اللازم لصلاح الدين بقائه مفتوحًا. وردًا على ذلك، بنى صلاح الدين أسطولاً من 30 سفينة لمهاجمة بيروت في عام 1182م. هدد رينالد بمهاجمة مدن المسلمين المقدسة مكة والمدينة المنورة، وهو ما رد عليه صلاح الدين بمحاصرة الكرك قلعة أرناط الحصينة مرتين، عامي 1183 و1184، فردّ رينالد بنهب قافلة حجيج عام 1185.

وفي أواخر سنة 1186 م أو أوائل 1187 م، شن رينو غارة (خلافا لشروط هدنة عقدت في 1180 ) على قافلة متجهة من القاهرة إلى دمشق ونهب بضائعها، وأسر أفرادها وزجهم في حصن الكرك، ويروى أن القافلة كانت لأخت صلاح الدين بالذات، فما كان من صلاح الدين إلا ان يطالب في الحال ملك القدس آنذاك غي دي لوزينيان بالتعويض عن الضرر والإفراج عن الأسرى ومحاسبة الناهب، ولكن الملك لم يجازف بمس تابعه القوي رينو، فكان أن قرر صلاح الدين إعلان الحرب على مملكة القدس، إلا إن مرض صلاح الدين أخَّر بدء القتال في تلك السنة.

فتح صلاح الدين باب التطوع في مصر لمحاربة الصليبيين، وتواصل مع أمراء الموصل والجزيرة والشام لدعم الجيش، وعسكر في القاهرة، وخرج بعساكره من القاهرة ودمشق، وعين ابنه الأفضل قائدا للقوات، التي بلغت نحو 12 ألفا من الفرسان، و13 ألفا من المشاة، بالإضافة للأعداد الكبيرة من المتطوعين، وفي الجانب الآخر حشد الصليبيون نحو 22 ألفا.

في يوم السبت 25 ربيع الآخر سنة 583 هـ، الموافق فيه 5 يوليو سنة 1187م، نزل الصليبيون قرون حطين، وكان صلاح الدين قد سبقهم إلى هناك وتمركز جيشه في المنطقة العليا منها حيث نبع المياه، وكانت تجهيزات الفرنجة الحربية الثقيلة هي سبب تأخرهم في الوصول، ولمّا حصل ووصلوا إلى الموقع كانوا هالكين من العطش لدرجة أنهم شربوا الخمر بدلاً من الماء فسكر منهم الكثير، وهاجموا جيش صلاح الدين فقُتل من الفريقين عدد من الجنود، وكان الصليبيون متحمسين في البداية للحصول على الماء فهزموا المسلمين في أول النهار ولكن دارت الدوائر في آخر النهار، فإنقض الأيوبيون على الجيش الصليبي ومزقوا صفوفه، واستمرت المعركة ساعات طويلة، وما أن انقشع غبارها حتى تبيّن مدى الكارثة التي لحقت بالصليبيين، فقد خسروا زهرة شباب جنودهم، وقُتل العديد من الفرسان والضبّاط المخضرمين، ووقع الملك غي آل لوزينيان وأخوه وأرناط صاحب الكرك وغيرهم من كبار الصليبيين بالأسر.أما ريموند الثالث صاحب طرابلس، فقد تظاهر بالهجوم على المسلمين، فمر بين صفوفهم وذهب ولم يرجع كأنه أنهزم، واتجه إلى مدينة صور ومكث بها.

بعد هذا النصر جلس صلاح الدين في خيمته، وأمر بإحضار الملك غي وأخوه وأرناط، فلمّا مثلوا أمامه قدّم للملك شربة من جلاّب وثلج، فشربها وكان على أشد حال من العطش، ثم ناولها لأرناط، فقال صلاح الدين للترجمان: «إنما ناولتك، ولم آذن لك أن تسقيه، هذا لا عهد له عندي»، وذلك كون العادة السائدة كانت أنه لو شرب الأسير أو أكل من مال من أسرة أمن، وكان صلاح الدين قد نذر أنه لو ظفر بأرناط قتله بعد أن قتل من المسلمين خلقًا كثيرًا.

 بعد ذلك أمر صلاح الدين بإحضار بعض الطعام للملك غي، وما أن انتهى حتى أمر بإحضار أرناط، وأوقفه بين يديه ودعاه إلى اعتناق الإسلام، فرفض وقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي محمد، فسلّ صلاح الدين سيفه ودق عنق أرناط، وأمسكه الجنود وأخرجوا جثته ورموها على باب الخيمة، ورآه الملك غي يتخبط في دمائه ويلفظ أنفاسه الأخيرة فخاف وشحب لونه معتقدًا أنه لاحق به، فاستحضره صلاح الدين وطيّب قلبه.

ثم استدعى خادمه وسأله أن يحضر شراب فجاء به فأخذه بيده وشرب منه وناوله للملك فشربه وأعطى له ولأصحابه خيمة وجعل عليها حراسًا لحراسته واحتفظ به، وأرسله إلى دمشق أسيرًا، يرافقه القاضي ابن أبي عصرون، حتى تنتهي الحرب وتُفتتح القدس، وأرسل معه أيضًا صليب الصلبوت، وهو الصليب الأعظم عند الصليبيين والذي قيل بأن فيه قطعة من الخشبة التي صُلب عليها المسيح، وكان يُغلّف بالذهب واللآلئ والجواهر النفسية، وكان يتقدم الجيش الصليبي على الدوام، وحملوه معهم يوم حطين، وأودع في قلعة دمشق عند وصوله.

كانت هزيمة الصلييين مدوية وتاريخية، فقدوا فيها خير فرسانهم، وقتل منهم أعداد كبيرة، واصبح بيت المقدس بعدها في متناول صلاح الدين، فدخلها ظافرا منتصرا، وأُسر أرناط، وعرض عليه صلاح الدين الإسلام، فأبى، فضربت عنقه. أصدر صلاح الدين عفوا عاما عن الأسرى، وتمكن من فتح: عسقلان، وقيسارية، ويافا، وصيدا، وبيروت، وعكا، وطرابلس، كلها دون مقاومة تذكر، وقطع خطوط اتصال مملكة القدس اللاتينية مع أوروبا.

قليلون هم الأشخاص الذين يجود بهم الزمان كصلاح الدين، ولكن صلاح الدين لم يكن صلاح الدين بمفرده، بل كان معه العديد من المخلصين والناصحين، والشجعان والأبطال، الذين بهم تقوم الأمم وتنهض، وتحقق غاياتها، وتدافع عن مقدساتها.