صور من دفاع الصحب والآل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

10635945.jpg 

دفاع الصديق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم 

روى الإمام البخاري عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ }(1).

 

دفاع حمزة بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

قال ابن اسحاق: حدثني رجل من أسلم، وكان واعية أن أبا جهل اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف له، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى نادي لقريش عند الكعبة، فجلس معهم، ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب إن أقبل متوشحاً قوسه، راجعاً من قنص له، وكان إذا فعل ذلك لا يمر على نادي من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز قريش وأشدها شكيمة، وكان يومئذ مشركاً على دين قومه، فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى بيته، فقالت له:، أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك من أبي الحكم آنقاً قبيل، وجده هاهنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد، فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله عز وجل به من كرامته، فخرج سريعاً لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالبيت، معدا لأبي جهل أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر اليه جالساً في القوم، فأقبل نحوه حتى قام من رأسه، رفع القوس وضربه بها ضربه شجه بها شجة منكرة، وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه، فقالوا: ما تراك يا حمزة إلا قد صبأت؟! فقال حمزة: وما يمنعني منه وقد استبان لي منه ذلك، وأنا أشهد أنه رسول الله، وأن الذي يقول حق، فو الله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سباً قبيحا، وتم حمزة على إسلامه وعلى ما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع(2)  .

 

دفاع فاطمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لاَ أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ»(3)

 

دفاع طلحة وسعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

- عن أبي عثمان، قال: «لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير طلحة وسعد عن حديثهما»4.

-عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ أَبَوَيْهِ كِلَيْهِمَا يُرِيدُ حِينَ قَالَ: «فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» وَهُوَ يُقَاتِلُ5.

-عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال عن يوم أحد :«ذاك كله يوم طلحة»، ثم قال:«كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دونه، وأراه قال: يحميه، قال: فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلا من قومي أحب إلي»، وفي رواية : «لما صرف الناس يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أول من جاء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فجعلت أنظر إلى رجل بين يديه يقاتل عنه ويحميه، فجعلت أقول: كن طلحة فداك أبي وأمي، مرتين6 ثم قال الصديق:فانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كسرت رباعيته، وشج في وجهه وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكما صاحبكما» ، يريد طلحة، وقد نزف إلى أن قال:ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار7 فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر بين طعنة ورمية وضربة وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه»8.

 

شعر حسان رضي الله عنه في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

هجوتَ محمداً، فأجبتُ عنهُ،         وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ

أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ،          َشَرُّكُما لِخَيْرِكُمَا الفِداءُ

هجوتَ مباركاً، براً، حنيفاً،           أمينَ اللهِ، شيمتهُ الوفاءُ

فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ،          ويمدحهُ، وينصرهُ سواءُ

فَإنّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضي              لعرضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ

لساني صارمٌ لا عيبَ فيهِ،              وَبَحْرِي لا تُكَدِّرُهُ الّدلاءُ (9)

 

الهوامش :

(([1]  صحيح البخاري( 4815).

(2) سيرة ابن اسحاق ص 172.

(3) صحيح البخاري (240).

(4) رواه البخاري ج  5 ص 97 ومسلم  ج 4 ص 1879 واللفظ له.

(5) رواه البخاري 4057.

(6) صحيح ابن حبان ج 15 ص 437.

(7) جمع جُفرة و هي حُفْرةٌ واسِعة من الأَرْض مُستديرة. تهذيب اللغة للأزهري ج 11 ص 34.

(8) رواه عبد الله بن المبارك  في الجهاد ص 77، ومن طريقه أبو داود الطيالسي في مسنده ج 1 ص 8 واللفظ له، والإمام أحمد في فضائل الصحابة ج 1 ص  222مختصرا،عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، وابن حبان في صحيحه ج 15 ص 417، والحاكم في المستدرك في ثلاثة مواضع ج 3 ص 29 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: ابن إسحاق متروك، و ج 3 ص 298 من طريق  محمد بن إسحاق بن طلحة عن موسى بن طلحة، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، قلت وهذا خطأ فالناس قد رووه عن إسحاق بن يحيى ،ونص البزار في مسنده ج 1 ص 132 على تفرد  إسحاق بهذه الرواية، وأخرجه الحاكم ج 3 ص 423 و قال: صحيح على شرط مسلم !!، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: كلا والله، قلت إسحاق لم يخرج له مسلم !،والحديث له طرق كثيرة مدارها على  إسحاق بن يحيى بن طلحة، وهو ضعيف جدا، لكن  كثيرا من فقراته لها شاهد في الأحاديث الصحيحة فلا بأس من الاستئناس بروايته، وقد رواها عنه عبد الله بن المبارك، وقد قال البزار في مسنده ج 1 ص 186 بعد إيراد الحديث: وإسحاق بن يحيى لين الحديث إلا أنه قد روى عنه جماعة منهم الثوري وابن المبارك وغيرهما وقد احتملوا حديثه.

(9)  ديوان حسان بن ثابت.



العلاقة الحَسَنَة بين عَائِشَة وفاطمة رضي الله عنهما

الامام جعفر الصادق

ياسين الخليفة الطيب المحجوب(1)

إِنَّ علاقة عَائِشَة بفاطمة رضي الله عنهما هي علاقة ود وحب ووئام واحترام وتقدير، ولم يَثْبت في الأحاديث الصحيحة أن واحدة منهما قد حملت شيئًا من البغض أو الكراهية تجاه الأخرى، بل أجمع أصحاب السير ورواة الأحاديث على أن الصلة بين عَائِشَة وفاطمة رضي الله عنهما كانت على أحسن ألفة، وأكمل مودة، كأسمى ما يكون من العلاقات بين الأحباء، وقد ورد في أخبار التاريخ ما يؤكد ارتباط نسيج المحبة بينهما.

وهناك آثار كثيرة تُبيّن العلاقة الحسنة بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما، ومن ذلك:

ما رواه عمرو بن دينار قال: قالت عَائِشَة رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَصَدَقَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا» (2).

وأيضاً ما روت عَائِشَة بنت طلحة ، عن أُمّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها، أنها قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلاَّ (3) وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» (4).

وهنا وصفتْ أُمُّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها فاطمة بصفات حميدة تبين قدرها ومنزلتها حيث أنها تشبه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم هيئةً وطريقةً وسمتًا وخلقًا.

ووصفتها أيضًا بصدق اللهجة، فعن عبد الله بن الزبير، عن عَائِشَة رضي الله عنها أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْهَا، إِلا أَنْ يَكُونَ الَّذِي وَلَدَهَا»(5).

كانت فاطمة رضي الله عنها إذا جاءت إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في حاجة ولم تجده أوصت بذلك عَائِشَة رضي الله عنها، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أَنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها أَتَتِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لعَائِشَة، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَة ... » الحديث(6).

فهذا يدل على ثقة فاطمة رضي الله عنها بعائشة رضي الله عنها، ويدل أيضًا على اهتمام عَائِشَة رضي الله عنها بتبليغ ما أوكلته إليها فاطمة رضي الله عنها.

وأيضًا لما أرسل أمهاتُ المؤمنين فاطمةَ رضي الله عنها، إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: «يَا بُنَيَّة أَلاَ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟»، قالت: بلى، فرجعت إليهن، فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع (7).

وفي هذا تصريح واضح من فاطمة بمحبتها لعَائِشَة رضي الله عنهما.

الهوامش :

(([1]   مبحث من كتاب إجلاء الحقيقة في سيرة عائشة الصديقة  ص 103-105 مع اختصار وتصرف.

(2)  أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 3/ 137، رقم (2721)، وأبو يعلى في مسنده 8/ 153، رقم (4700)، وأبو نعيم في حلية الأولياء 2/ 41، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/ 201: "رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى، إلا أنها قالت: ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة. ورجالهما رجال الصحيح".

(3( الدَّلُّ: الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك. ينظر: تهذيب اللغة 14/ 48، والصحاح 4/ 1699، ولسان العرب 11/ 248، والمعجم الوسيط 1/ 294.

(4(  أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في القيام 4/ 355، رقم (5217)، والترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب ما جاء في فضل فاطمة ك 5/ 700، رقم (3872)، والبخاري في الأدب المفرد ص (519)، والحديث صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص (355).

((5  أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 175، رقم (4756)، وابن عبد البر في الاستيعاب 4/ 1896، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقد عنعنه هنا ابن إسحاق ولم يصرح بالتحديث، وهو مدلس.

((6  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النفقات، باب عمل المرأة في بيت زوجها 7/ 65، رقم (5361)، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم 4/ 2091، رقم (2727).

(7(  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض 3/ 156، رقم (2581)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عَائِشَة رضي الله تعالى عنها 4/ 1891، رقم (2442).