إني رُزقت حُبها

هل يُمكن للعلاقة الزوجية أن تكون في عُرف أحد الزوجين أو كليهما (رزقاً)؟
   لقد شاهدنا وسمعنا عن أناس يرون الحياة الزوجية نقمة وعذاباً أو شرٌ لا بد منه- كما يُعبر عنه الكثيرون في هذه الأيام مع الأسف.
   ولن نكون متشائمين في نظرتنا، فالحياة حافلة بالنماذج الطيبة لأزواج جمعتهم علاقة حب وإخلاص، ولكن كم من هؤلاء بلغ به الحب مبلغاً جعل "الحب في حياته الزوجية" رزقاً من الله تعالى، يُشكر ويحمد عليه سبحانه ويُطلب منه الاستزادة منه كما يُشكر ويُحمد وتُطلب الاستزادة في الرزق الحلال؟
   لن ترى زوجاً أو زوجة يصلان بحبهما إلى هذه القمة العالية إلا وقد استشعرا بلا شك حلاوة العلاقة.
   هكذا بدا لنا الحب في العلاقة التي جمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها.
   وفي هذا تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِي-صلى الله عليه وسلم- إِلاَّ عَلَى خَدِيجَةَ وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا).
   تقول هذا وهي لم تُدرك أم المؤمنين خديجة رضي الله عنه ولم ترها ولم ترَ شيئاً من العلاقة التي جمعتها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنها عرفت من واقع النبي   صلى الله عليه وآله وسلم وتذكّره لخديجة - التي غادرت الدنيا- حُباً عظيماً ما رأت مثله من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزوجاته الأحياء على كثرتهن.
   تقول مُكملة حديثها: (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ فَيَقُولُ: «أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ». فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّه-صلى الله عليه وسلم- «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا



قالوا في الحب


  ابن حزم الأندلسي:
* (ليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل)(1).
* (ولو كان علة الحب حُسن الصورة الجسدية ، لوجب ألا يُستحسن الأنقص في الصورة ، ونحن نجد كثيراً ممن يؤثر الأدنى، ويعلم فضل غيره ولا يجد محيداً لقلبه عنه. ولو كان للموافقة في الأخلاق ، لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه ، فعلمنا أنه شيء في ذات النفس).
  
  ابن قيّم الجوزية:
* تكلم عن حب المخلوقات لله وخضوعها له فقال: (إنّ العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات الملائكة والحيوانات وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب).
1-  فالحب كشعور قلبي ليس بمحرم وإنما يثاب المرء أو يؤثم على يثمره هذا الحب من حلال أو حرام.



الحب أنواع


   فمنه ما يكون لله وحده تعالى لا لغيره.
   وهو قول الله تعالى {والذين آمنوا أشد حباً لله}
   وفي الحديث القدسي الذي رواه البخاري في صحيحه (قال الله: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه ، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه).
   ومنه ما يكون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحب من أنفسنا ومن الناس أجمعين.
   روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ، فقال له عمر : يا رسول الله ، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ، والذي نفسي بيده ، حتى أكون أحب إليك من نفسك ) . فقال له عمر : فإنه الآن ، والله ، لأنت أحب إلي من نفسي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الآن يا عمر).
   وفي البخاري أيضاً أنّ رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال:  وماذا أعددت لها). قال : لا شيء ، إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال: ( أنت مع من أحببت) قال أنس : فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت مع من أحببت )، يقول أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم ، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.
   ومنه ما يكون للوالدين ففيهما يكون الجهاد.
   جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال : نعم قال: ففيهما فجاهد .
   ومنه حب الأخوة في الله تعالى.
   وفي الحديث أنّ رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى. فأرصد الله له على مدرجته ملكاً. فلما أتى عليه قال : أين تريد؟ قال : أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا غير أني أحببته في الله عز وجل. قال: فإني رسول الله إليك ، بأنّ الله قد أحبك كما أحببته فيه.
   وفي الحديث أيضاً: (إنّ من عباد الله عبادا ليسوا بأنبياء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء ، قيل: من هم لعلنا نحبهم؟ قال: هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا انتساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» ، ثم قرأ { ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}).  (صحيح ابن حبان بسند صحيح)
   ومنه ما يكون بين الزوجين وهو الذي قال الله تعالى عنه {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} وهو موضوعنا اليوم



الزواج المبارك لعلي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء رضي الله عنهما

الزواج المبارك لعلي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء رضي الله عنهما

  في هذه المعلقة تشاهد من المصادر المختلفة( بصورها  المنقولة في أسفلها )   أن الصحابةرضي الله عنهم كان لهم دور رئيس في زواج علي من فاطمة رضي الله عنهما، وما الداعي إلى ذلك إلا الحبّ والودّ ؟ وإليك يساق الدليل :     1- الذي حثّ علياً على خطبة فاطمة هم: أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ رضي الله عنهم أجمعين بعد غزوة بدر الكبرى 2هـ .     2- الذي قام بدفع المهر لعلي رضي الله عنه هو عثمان رضي الله عنه، وذلك بأن اشترى منه الدرع الحطمية  بأربعمائة درهم، فلما استلم علي الدراهم قال عثمان الدرع هدية مني إليك، هكذا بكل حفظ للكرامة ولعزة النفس لعلي، ودون مَنٍّ وتعالٍ من عثمان. رضي الله عنهما وأرضاهما .     3- ومن فرحة الأنصار بهذا الزواج قام سعد بذبح شاة كوليمة للعرس، وشارك بعض الأنصار بالذّرة رضي الله عنهم جميعاً.     4- لم ينته دور الأنصار بعد ! فهذا حارثة بن النعمان الأنصاري رضي الله عنه يهدي داره التي بجوار دور رسول الله ص إلى علي وفاطمة رضي الله عنهما.     5- وأخيراً وليس آخراً يقوم الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر بشراء الجهاز للزوجين !     فماذا بقي من المساعدة للزوجين لم يقم بها الصحابة ؟     ترى ما الدافع لذلك؟ وماذا يرجون من ورائه؟        اللهم إلا الحب والود والوفاء للنبي ص وآله.



من بِر النبي بخديجة بعد موتها


   الرجل لا يتذكر من زوجته بعد مفارقتها الحياة عادة إلا ذكريات جميلة قضياها معاً أو أخرى مؤلمة ثبتت في الذهن، وغاية ما يفعله أن يترحم عليها عند ذِكرها أو تذكّرها، وقد يبقى لديه جانب من المودة يعيش على ما خلفته تلك الزوجة من أطفال أو متاع أو ذكريات.
   وإذا ما رزقه الله تعالى زوجة صالحة فإنّ الخطب يهون عليه، والذكرى تكون أبعد من قلبه وعقله، لكننا أمام زوج تكاثرت عليه هموم الدنيا وأعباء الدعوة، ورزقه الله تعالى بدل الزوجة الصالحة زوجات، لكنه أبى إلا أن يُعطينا درساً في الحب والوفاء للمحبوب، وفي تذكّر من نحب.
   روى البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يُقطّعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد".(1)
   وفي رواية لأحمد عن أم المؤمنين عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت فغِرتُ يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدق قد أبدلك الله عز و جل بها خيراً منها، قال: ما أبدلني الله عز و جل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء".(2)
   هذه خديجة ... وهذه صلتها بعد موتها ... إنها ماتت لكنها لم تمت في قلبه عليه الصلاة والسلام، فهو يُكثر ذكرها ويحرص على صلتها بعد موتها من خلال صدائقها، ويحفظ لها نصرتها له وذكرياتها معه ونسلها الذي يراه ويحنو عليه.
   لم تكن تلك الصلة مقتصرة على أخص الناس بخديجة بل بمن عُرفت بمحبتها خديجة ولو لم تكن من خاصتها.
   يحكي أنس بن مالك رضي الله عنه عن هذا فيقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أُتي بالشيء يقول: "اذهبوا به إلى فلانة؛ فإنها كانت صديقة خديجة. اذهبوا به إلى بيت فلانة؛ فإنها كانت تحب خديجة".(3)
   هذا الاهتمام بخديجة رضي الله عنها وبكل ما يخصها يتجلى وبأجمل صوره في لقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعجوز كانت تأتي خديجة رضي الله عنها في بيتها.
   فقد روى ابن الأعرابي في (معجمه) والحاكم في (المستدرك) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قَالَت: جَاءَتْ عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وهو عندي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا جَثَّامَةُ الْمُزَنِيَّةُ فَقَالَ: بَلْ أَنْتِ حَسَّانَةُ الْمُزَنِيَّةُ(4) ، كَيْفَ أَنْتُمْ؟ كَيْفَ حَالُكُم؟ كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا؟ قَالَت: بِخَيْرٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَت، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُقْبِلُ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ هَذَا الإِقْبَال، فَقَال: إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَنَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الإِيمَان.(5)
   وإن شئت لعينيك أن تفيضا بالدمع فقف بجانبي وانظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يشاهد قلادة كانت لخديجة رضي الله عنها بعد وفاة خديجة بزمن بعيد.
   روى الإمام أحمد في (مسنده) عن عبّاد عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: لما بعثَ أهلُ مكة في فداء أسراهم، بعَثَتْ زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبَعَثَتْ فيه بقلادة لها كانت لخديجة، أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها. قالت: فلمّا رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رق لها رِقّةً شديدة، وقال: (إنّ رأيتم أنْ تُطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها، فافعلوا)، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه، وردّوا عليها الذي لها).(6)
   فهذه قلادة أهدتها خديجة رضي الله عنها لابنتها زينب رضي الله عنها بمناسبة فرح وسرور، وذلك يوم زواجها من أبي العاص بن الربيع، فلما فرّق بينهما الإسلام حين أسلمت زينب وأبى زوجها ذلك حتى أُسر يوم بدر، بعثت زينب رضي الله عنها بقلادة خديجة رضي الله عنها تفتدي زوجها الأسير، فكان لهذه القلادة أثرها العظيم في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
   لقد ارتبطت تلك القلادة بالأمس بمناسبة فرح وسرور، فمالها اليوم ترجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمناسبة أسر وحزن.
1- رواه البخاري في صحيحه – كتاب فضائل الصحابة – باب (تزويج النبي صلى الله عليه وآله وسلم).
2- قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح وهذا سند حسن في المتابعات، حمراء الشدق: أي سقطت أسنانها.
3- الأدب المفرد للبخاري (1/90) بسند حسن
4- فائدة: قال الإمام الطبري: "لا ينبغي التسمية باسم قبيح المعنى، ولا باسم يقتضي التزكية له، ولا باسم معناه السب، ولو كانت الأسماء إنما هي أعلام للأشخاص لا يقصد بها حقيقة الصفة لكن وجه الكراهة أن يسمع سامع بالاسم فيظن أنه صفة للمسمى، فلذلك كان صلى الله عليه وسلم يحول الاسم إلى ما إذا دعي به صاحبه كان صدقاً. قال: وقد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أسماء". ذكره في (الفتح 10/ 476).
وقال الشيخ الألباني بعد ذكره لكلام الإمام الطبري: (وعلى ذلك فلا يجوز التسمية بعز الدين ومحي الدين وناصر الدين، ونحو ذلك ومن أقبح الأسماء التي راجت فى هذا   العصر ويجب المبادرة إلى تغييرها لقبح معانيها هذه الأسماء التي أخذ الآباء يطلقونها على بناتهم مثل (وصال) و(سهام) و(نهاد) و(غادة) و(فتنة) ونحو ذلك. والله المستعان).
5- معجم ابن الأعرابي 2/260 والمستدرك 1/15-16، وفيه (صالح بن رستم) وهو ضعيف ولكنه قد توبع، فالحديث صحيح، وبهذا حكم الشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة 1/215)
6- رواه أحمد في المسند – حديث السيدة عائشة رضي الله عنها – حديث رقم (26362