الهجرة النبوية وقفات ولمحات

عجيب أمر الإسلام  حين يخالط شغاف القلوب ويتولى زمامها ويسابق الدماء في العروق والأحشاء ، إنه حينها يفعل فعله في النفوس والأبدان ، فينقلها نقلات عبر الزمان والمكان ، فإذ بها تترك ما تألف ، وتهجر ما تأنس ، وتضحي بأعز ما تملك ، وتهون عليها الخطوب والكروب في سبيل إعزاز هذا الدين.

وبين  أيدينا الآن نماذج حية تجسد لنا وفي إيضاحٍ تام قوة الإيمان وحسن النية وصدق الطوية وعمق التضحية في سبيل الإسلام بالغالي والنفيس ؛ لنعلم بل وليعلم المسلمون قاطبة في كافة أنحاء الأرض ، مشارقها ومغاربها ، سهولها ووديانها ، بحارها وأنهارها أن الإسلام لم يصل إلينا على أطباق من الذهب وصحائف من الفضة عبر طريق محفوف بالورود مترع بالأزهار ، وإنما وصل إلينا بالجِد والجَد بالتعب والسهد بآهات النبي وآله وأصحابه ، بآلامهم وكلومهم ، بدمائهم الزكية التي سالت من أجسادهم الطاهرة. فكانوا بحق خير أصحاب لخير نبي ، وخير حملة لخير رسالة.

ومن أبرز معالم هذه التضحيات ما كان في حادثة الهجرة من مكة إلى المدينة. فإنه ما تأتي علينا سنة هجرية جديدة إلا وتذكرنا بمناسبة دينية عظيمة ، ألا وهي الهجرة النبوية الشريفة ، التي لا شك في أنها تمثل مرحلة هامة وخطيرة في حياة الدولة الإسلامية ، فلم تكن الهجرة هروباً من قتال ، ولا جبناً عن مواجهة ، ولا تخاذلاً عن إحقاق حقٍ أو إبطال باطل ، ولكنها بجانب كونها تشريعاً إلهياً، كانت بداية حقبة جديدة ومرحلة جديدة من تاريخ الإسلام والمسلمين، فكانت بحقٍ فيصلاً بين مرحلتين من مراحل الدعوة الإسلامية هما: المرحلة المكية والمرحلة المدنية.

ففي هذه الهجرة المباركة ظهرت معالم فريدة ونماذج رائعة لصدق الإيمان الذي وقر في قلوب الآل والأصحاب رضي الله عنهم.

فقد ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أرضهم وديارهم وأموالهم نصرة لدين الله تعالى وابتغاء لمرضاته.

ومعنا اليوم موقفان يبرزان عمق التضحية وقوة الإيمان أثناء حادثة الهجرة، أحدهما للصديق أبي بكر، والآخر لعلي بن أبي طالب.

 

أبو بكر الرفيق في الغار والصاحب في الهجرة والأسفار.

فهاهو الصديق أبو بكر أفضل الصحابة وأحبهم وأقربهم إلى قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، معدن الهدى والتصديق، الرفيق في الغار والصاحب في الأسفار، سيال العبرات كثير الدمعات، المتصدق في الأسفار وفي الأسحار وفي الخلوات.

هاهو الصديق يصاحب النبي في هجرته ويقتحم معه الخطوب والدروب غير هياب ولا وجل. ويخرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من موطنهما إلى موطن جديد ، لا يعلما ما يلاقيهما في طريقهما حتى يبلغا مأمنهما ، ولا يعلما ما ينتظرهما في الموطن الجديد.

إن هجرة الصديق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرافقاً له ومصاحباً إياه إحدى ثمرات إخلاص الصديق لدينه، هذا الإخلاص الذي ملك عليه زمام حياته التي عاشها منذ أن أسلم  للإسلام وبالإسلام.

ولعل من نافلة القول هنا: أن نذكر أن ملازمة الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة ومرافقته له في الغار لهي من أعظم مناقب الصديق وفضائله، وأعظم دلالة على حب المولى له، حيث اختاره لمرافقة نبيه في هذه الرحلة الفاصلة والحدث العظيم، كما أنها في الوقت ذاته دليل على حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصديق، وحب الصديق له، الأمر الذي نلمحه في أحداث الهجرة.

ويكفي الصديق شرفاً أن المولى ذكر هذا في كتابه الكريم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة فقال عز من قائل: إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة، الآية:40).

وقد أجمع العلماء على أن المقصود بالصاحب في الآية إنما هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

قال القاري: أجمع المفسرون على أن المراد بصاحبه في الآية يعني قوله تعالى ثاني اثنين إذ هما في الغار هو أبو بكر وقد قالوا من أنكر صحبة أبي بكر كفر لأنه أنكر النص الجلي بخلاف صحبة غيره من عمر أو عثمان أو علي رضوان الله عليهم أجمعين.[1]

ويروي الإمام البخاري أحداث هجرة الصديق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول في حديث طويل رواه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ... فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: ( إني أُريت دار هجرتكم ذات نخلٍ بين لابتين ) . وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي ) . فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال: ( نعم ) . فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر.

        تقول أم المؤمنين قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر . قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ( اخرج من عندك ). فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله قال:( فإني قد أذن لي في الخروج ) . فقال أبو بكر الصحابة[2] بأبي أنت يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نعم ). قال أبو بكر فخذ - بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بالثمن ). قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن[3] فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هادياً خريتاً، والخريت الماهر بالهداية، قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل..[4]

لقد أعد النبي للأمر عدته فغادر مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه مكة، وسلكا طريقاً غير الطريق المعتاد الذي تسلكه القوافل، فاتجها جنوباً إلى جبل ثور، ودخلا الغار الذي نسج عليه العنكبوت خيوطه، وجعلا من عبد الله بن أبي بكر عينا لهما ينقل إليهما أخبار القوم، ولما كان عبد الله تاركا خلفه آثاراً في الرمال فقد كلف عامر بن فهيرة بأن يمحو هذه الآثار بأغنامه التي يرعاها ذهابا وإياباً.

لقد جند أبو بكر الصديق رضي الله عنه نفسه وبيته وخادمه ، بل وطاقاته كلها في سبيل إنجاح رحلة الهجرة المباركة.

وهنا نتوقف ليروي لنا الصديق بعض ما دار في الغار بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول فيما رواه عنه أنس: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين قلت يا رسول الله: لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا قال: ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ).[5]

  لقد كان الصديق رضي الله عنه ثابتاً مع النبي صلى الله عليه وسلم، ملازماً له في مراحل هجرته لا يتركه يغيب عن ناظريه لحظة واحدة، رغم أنه يعلم أن هدف المشركين الأول إنما هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكانوا يتحينون الفرص بغية الوصول إليه والانقضاض عليه، وبدهي أن من يلازم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذه الظروف سيكون عرضة للخطر أكثر من غيره، وهذا ما كان يدركه الصديق رضي الله عنه، غير أنه ما كان يزيده ذلك إلا ثباتاً وملازمة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

علي بن أبي طالب فدائي من الرعيل الأول

فقد لازم علي رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حياته كلها ، وعرفت الشجاعة طريقها إلى قلبه منذ نعومة أظفاره ، فألفها وألفته ، وتولى زمامها وارعوت له، فلا تجده إلا شجاعاً مقداماً ثابراً مثابراً.

ولعل من أولى إرهاصات شجاعته ما كان منه عند هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من نومه في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع علمه بأن النبي مستهدف من مشركي قريش، بل وتيقنه من أنهم على الباب قد شحذوا سيوفهم يطلبون دمه.

فكان علي بهذا الموقف يعد أول فدائي في الإسلام ، ولنا أن نتساءل: مَن في دنيا الناس الآن يستطيع أن يثبت في هذا الموقف في هذه السن المبكرة، إنها الشجاعة والتضحية والفداء لا غير.   

روى البيهقي في الدلائل أحد فصول الهجرة النبوية وفيها: ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج بقية ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، ثم إن مشركي قريش اجتمعوا أن يقتلوه أو يخرجوه حين ظنوا أنه خارج ، وعلموا أن الله عز وجل قد جعل له مأوى ومنعة ولأصحابه ، وبلغهم إسلام من أسلم ، ورأوا من يخرج إليهم من المهاجرين ، فأجمعوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يثبتوه ، فقال الله عز وجل: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ، وبلغه صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم الذي أتى فيه أبا بكر أنهم مبيتوه إذا أمسى على فراشه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في جوف الليل قبل الغار غار ثور، وهو الغار الذي ذكر الله عز وجل في الكتاب ، وعمد علي بن أبي طالب فرقد على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يواري عنه ، وباتت قريش يختلفون ويأتمرون أيهم يجثم على صاحب الفراش فيوثقه ، فكان ذلك أمرهم حتى أصبحوا ، فإذا هم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهم أنه لا علم له به ، فعلموا عند ذلك أنه قد خرج فاراً منهم ، فركبوا في كل وجه يطلبونه ».[6]

وذكر ابن كثير في حادثة الهجرة حينما اجتمع ملأ قريش واتفقوا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه .. فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي وتسج ببردى هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام .[7]

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : شرى علي نفسه ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبسه بردة، وكانت قريش تريد أن تقتل النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا يرمون عليا ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد لبس بردة، وجعل علي رضي الله عنه يتضور فإذا هو علي، فقالوا : إنك للئيم إنك لتتضور وكان صاحبك لا يتضور، ولقد استنكرنا منك هذا.[8]

فهذه كلها روايات تشهد ببطولة علي بن أبي طالب وشجاعته وتضحيته في سبيل الإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا يقدح في شجاعته تلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صبره أو طمأنه بأنه لن يناله منهم أذى ولن يقتلوه - كما ذكر ابن كثير وغيره-  فمع هذا يبقى الرجل بطلاً ، فوقتها كان صغيراً وأعداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا خارج البيت ينتظرون وسيوفهم بأيديهم يترقبون اللحظة الحاسمة، فمجرد نومه في هذا الوقت العصيب وهو بهذا السن إنما هو الشجاعة بعينها.

وكيف لا يكون علي كذلك من الشجاعة والتضحية والفداء وقد تربى في محضن النبوة طفلاً وفتى وشاباً، وأدرك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يدركه إلا القليل، ولهذا كثرت مناقبه رضي الله عنه، حتى قال عنه صاحب الاستيعاب: وفضائله لا يحيط بها كتاب.[9]

هذا وما قصدنا من مقالنا هذا إلا إحياء سيرة هذين الصحابيين الجليلين ومسيرتهما الكريمة في نفوس المسلمين، والتذكير بصنائعهما وتضحياتهما الجليلة وبخاصة في وقت الهجرة والتي قدموها بنفس راضية وقلب مطمئن في سبيل إعزاز هذا الدين ، لنحيي جانب القدوة والأسوة، ولنعلم المسلمين أنهم إذا أرادوا نجاحاً في الدنيا وفلاحاً في الآخرة فلا سبيل إلا بالاقتداء بهؤلاء.

 



[1] تحفة الأحوذي: المباركفوري ، 10 / 106.

[2] أي الصحبة في السفر.

[3] ثقف: حاذق. انظر: الصحاح(1/72). ولقن: أي سريع الفهم. انظر: الصحاح(2/146).

[4] رواه  البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة، ح(3692).

[5] رواه البخاري: كتاب التفسير، باب سورة براءة، ح(4386).

[6] رواه البيهقي في الدلائل: 2/332، باب مكر المشركين برسول الله ، ح(725) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد: 6/17، باب الهجرة إلى المدينة، ح(9902) وقال: رواه الطبراني مرسلاً وفيه ابن لهيعة وفيه كلام وحديثه حسن.- فتح الباري : 7 / 184.

[7] السيرة النبوية : ابن كثير ، 2 /229.

[8] رواه الحاكم في المستدرك، كتاب الهجرة، ح(4263) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه و قد رواه أبو داود الطيالسي وغيره عن أبي عوانة بزيادة ألفاظ ، وعلق الذهبي في التلخيص قائلاً: صحيح.

[9] الاستيعاب: ابن عبد البر، 3/1113.



صفحات مشرقة من تاريخ مثمر

الثناء الجلي بين عائشة وعلي

إن الناظر المتبصر والقارئ المتفحص في نوعية العلاقة بين علي وعائشة يجد أنها نوعية فريدة لعلاقة تسود فيها المودة والتقدير والاحترام والثناء المتبادل.

إن عليا يعرف مكانة عائشة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويعرف أخلاقها ويعرف لها قدرها ومنزلتها؛ لذا ما أثر عنه في مصدر صحيح أن طعن فيها يوماً أو قدح فيها حتى ولو بعبارة حتى ولو بإشارة ، وكيف له أن يطعن فيها بادئ ذي بدء وبينهما وحدة نسبية مشتركة، فعائشة هي بنت أبي بكر الصديق الذي ينتمي إلى قبيلة تيم ويشترك مع علي في جده مرة:

فهو أبو بكر بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب.

أما علي فهو ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب.

فنلحظ هنا أن مرة بن كعب هو الجد السادس لكل من أبي بكر وعلي فكيف إذا والحال هذا أن يطعن علي في عائشة والطعن فيها طعن فيه، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى: أن عائشة أم لعلي فكيف يطعن علي في أمه.

فعائشة أم المؤمنين بنص القرآن الكريم " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم "، وعلي من جملة المؤمنين بل هو من خيرتهم ويأتي في طليعتهم، إذن فعائشة أمُّ له بنص القرآن الكريم ، وكيف يتسنى لرجلٍ كعلي أن يخطئ في أمِّه، إنه أمر يأنف منه وضعاء البشر فكيف لعلي أن يفعله وهو من هو علما وفضلا ومكانة ومكانا.

إن الذي يريد أن يثبت طعن علي في عائشة فأمامه خيارات لا بد له منها:

  • أن يثبت أن قوله تعالى: " وأزواجه أمهاتهم " ليست من نص القرآن الكريم.

  • أو أن يثبت أن عائشة ليست زوجا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبالتالي فليست أمَّا للمؤمنين.

  • أو أن يثبت أن عليا ليس من جملة المؤمنين، وعليه فلا تكون عائشة أمَّا له.

    وإلى أن يثبت إحدى هذه الثلاث فلابد من أن نقرَّ جميعا بأن الآية من القرآن ، وأن عائشة زوج للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمُّ للمؤمنين، وأن علي من جملة المؤمنين ومن خيرتهم. وأنه على هذا التأسيس لا يمكن أن يصدر منه طعن أو لمز في حق أمِّه.

    ومن جهة ثالثة: فإنه ما أثر عن علي في حق عائشة ولا عن عائشة في حق علي في المصادر الصحيحة إلا كل خير.

    فهاهي السيدة الصديقة بنت الصديق تعلن ثناءها على علي بن أبي طالب وتقول: إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبة *من الأخيار،

    (ويجيبها علي معلنا فضلها ومنزلتها على ملأٍ من الناس قائلاً): يا أيها الناس، صدقت والله وبرت وما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا الآخرة.[1]

    وفي بحار الأنوار للمجلسي: لما بلغ عائشة قتل علي للخوارج قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إنهم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي،[2] وما كان بيني وبينه - تقصد علياً- إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها.[3]

    وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب قول عائشة سائلة: من أفتاكم بصوم عاشوراء؟ قالوا: علي، قالت: أما إنه لأعلم الناس بالسنة.[4]

    وذكر ابن عبد البر في التمهيد عن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن المسح على الخفين فقالت: اسألوا علي بن أبي طالب فإنه كان يغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم.[5]

    فيا ترى لو كان هناك شيء بين علي وعائشة أكان يذكرها بخير، ويعلن أنها زوجة رسول الله في الدنيا والآخرة.

    ولو كان بين عائشة وبين علي شيء أكانت تقر بفضله، وتعلن أعلميته بالسنة، بل وتوجه المستفتين إليه، أهذا هو شأن الخصوم ؟؟

    إن فيما سبق خير دلالة على هذه العلاقة الطيبة التي كانت بين علي بن أبي طالب وعائشة بنت أبي بكر، فعلي رضي الله عنه كان يعرف لها حقها ومنزلتها ويقر بفضلها، وعائشة أم المؤمنين وزوج سيد المرسلين كانت هي الأخرى تعرف لعلي فضله ومنزلته، وكيف لا يكون ذلك كذلك، وهم جيل القدوة والتمكين الذي رباهم النبي الأمين فكانوا أهلاً لكل جميل، فرضي الله عنهم أجمعين.



* أي على ما بيننا من معاتبة.

[1] تاريخ الطبري: (4/544).

[2] بحار الأنوار للمجلسي: 33/232.

[3] كشف الغمة لعلي بن أبي الفتح الإربلي: 1/159.

[4] الاستيعاب: 3/1104، ترجمة رقم(1871).

[5] التمهيد  لابن عبد البر: 11 / 142.