كلمة الشيخ محمد العوضي.gif



الأساس العقَدي في تلقين الطفل كلمة التوحيد

قال ابن القيم رحمه الله في أحكام المولود فإذا كان  وقت نطقهم فليلقنوا , لا إله إلا الله محمد رسول الله , وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه, وتوحيده وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم ويسمع كلامهم , وهو معهم أينما كانوا , وكان بنوا إسرائيل كثيرا ما يسمعون أولادهم عما نويل ومعنى هذه الكلمة إلهنا معنا ولهذا كان أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن , بحيث إذا وعى الطفل وعقل على انه : عبدالله وأن الله سيده ومولاه.

ومما رواه ابن ظفر الملكي قصة لطيفة في حب تكرار الطفل الشهادتين فقال(1) بلغني أن أبا سليمان داوود بن نصير الطائي رحمه الله لما بلغ من العمر خمس سنوات أسلمه أبوه إلى المؤدب . فابتدأ بتلقين القرآن وكان لَقِنَاً فلما تعلم سورة ((هل أتى على الإنسان )) وحفظها رأته آمه يوم الجمعة مقبلا على الحائط مفكراً يشير بيده فخافت على عقله فنادته قم يا داوود فالعب مع الصبيان فلم يحبها فضمته إليها ودعت بالويل , فقال مالك يا أماه أبك بأس ؟ فقالت : أين ذهنك ؟ قال : مع عباد الله قالت :أين هم ؟ قال في الجنة , قالت : ما يصنعون ؟ قال (( متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا )) ثم مر في السورة وهو شاخص كأنة يتأمل شيئا حتى بلغ قوله

(( وكان سعيكم مشكورا (( ثم قال : يا آماه ما كان سعيهم : فلم تدر ما تجيبه فقال لها قومي عنى حتى أتنزه عندهم ساعة فقامت عنه فأرسلت أبيه فأعلمته شأن ولده فقال له أبوه : يا داوود كان سعيهم أن قالوا لا اله إلا الله محمد رسول الله فكان يقولها في أكثر أوقاته – 1 هـ.

ولذلك كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه فيما رواه أحمد وابن ماجه والبخاري في الأدب المفرد – قوله – صلى الله عليه وسلم – (( وانفق على عيالك من طولك ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأخفهم في الله )) ولم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أنزلت عليه الرسالة ان يبعد الأطفال عن الإيمان بدعوته بل تجاوز الأفق الضيق في الدعوات الحزبية , وانطلق إلى علي بن أبي طالب (2) – وعمره لم يتجاوز العاشرة – ودعاه إلى الإيمان فآمن به ولازمة في الخروج إلى الصلاة مستخفياً في شعاب مكة عن أهله وأبيه.

ولقد وجدهما مرة أبوه يصليان , فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم – يا ابن  أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به ؟ فأجابه : أي عن هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم بعثني الله رسولاً إلى العباد وأنت أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه. ))(3)

وأما (4) أول  من اسلم من الموالي فهو (( زيد بن حارثه )) الذي كان قد جاء به ضمن الأسرى من الشام عم السيدة خديجة : حكيم بن حزام , فاختارته غلاماً لها وطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتقه وتبناه ورباه بينهم (5) وهكذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته الجديدة في إقامة المجتمع الإسلامي الجديد مركزاً اهتمامه على الأطفال , بالرعاية والدعوة والدعاء حتى نال علي رضي الله عنه شرف الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – بنومه في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة إنها تربية النبوة للأطفال الناشئين ليكونوا قادة المستقبل , ومؤسسي المجتمع الإسلامي الوليد فهلا نصحوا لنقطة البداية في الانطلاقة الجديدة في القرن الخامس عشر الهجري.

الهوامش

  1. ص 160 كتاب (( أنباء نجباء الأبناء )) لابن ظفر الملكي

( 2 – 4) قال ابن الصلاح في مقدمته ص 150 : والاروع أن يقال : اول من اسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ومن الصبيان أو الأحداث علي , ومن النساء السيدة خديجة ومن الموالي زيد بن ثابت ومن العبيد بلال )).

( 3 – 5 ) سيرة نبي الهدى والرحمة – تأليف عبدالسلام هاشم حافظ – ص 81 طبع رابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة.



علاقة علي بن أبي طالب بعمر بن الخطابرضي الله عنهما

 

إن الناظر إلى العلاقة بين عمر وعلي رضي الله عنهما يجد أنها علاقة من نوع فريد حيث يشوبها المودة والمحبة وتتدخلها المصاهرات والثناء المتبادل  .. ومن أولى هذه العلاقات مسألة النسب المشترك حيث ينتمي كل من الفاروق وعلي بن أبي طالب إلى كعب بن لؤي مما يدل على أن هناك أصل مشترك جامع بينهما

فمما لا شك فيه أن العلاقة بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ضربت أروع الأمثلة في الحب والوفاء والتقدير، حيث كان علي رضي الله عنه عضوا بارزا في مجلس شورى الدولة العمرية فكان عمر يستشيره في الصغيرة قبل الكبيرة فعندما أراد عمر التوجه إلى نهاوند لقتال الفرس الذين تجمعوا في جمع عظيم لحرب المسلمين كانت نصيحة علي نصيحة المحب لعمر الحريص عليه ألا يذهب وأن يدير رحى الحرب بمن دونه من العرب وهو في مكانه أليس هذا دليلا واضحا على حبه له وخوفه عليه  وأيضا حين أراد فتح بيت المقدس والمدائن وحينما أراد أن يخرج لقتال الروم، وفي موضع التقويم الهجري وغير ذلك من الأمور(1)

فكان علي رضي الله عنه مستشارا ناصحا لعمر محبا له خائفا عليه وكان عمر يعرف له فضله، وفقهه وحكمته وكان رأيه فيه حسنا فقد ثبت قوله فيه " أقضانا علي" (2)

وكم من الفرح الذي دخل على قلب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما كساه  عمر بن الخطاب ثوبا ودليل ذلك أنه كان يكثر من لبس هذا الثوب حيث ذكر أبو السفر في روايته قائلاً : " رؤي على علي بن أبي طالب برد كان يكثر لبسه قال: فقيل يا أمير المؤمنين إنك لتكثر لبس هذا البرد؟ فقال: إن هذا كسانيه خليلي وصفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ناصح الله فنصحه، ثم بكى (3)

ومن الدلائل العظيمة  لحب عمر لعلي ترشيحه له مع أهل الشورى للخلافة بعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسي (4)

وليست محبة عمر لعلي مقتصرة عند هذا الحد بل كان علي يقتدي بعمر ويظهر له ذلك جليا حينما فرغ علي من وقعة الجمل، ودخل البصرة، فقيل له أنزل بالقصر الأبيض فقال: لا إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله فأنا أكرهه لذلك فنزل في الرحبة، وصلى في الجامع الأعظم ركعتين (5)

 وفي ملمح من ملامح العلاقة الطيبة ننتقل نقلة أخرى في وقع تلك العلاقة الحميمة بين علي وعمر لتصل إلى ذروتها حيث زوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه أبنته أم كلثوم للفاروق عمر رضي الله عنه حينما سأله زواجها منه رضي الله عنه بما يطلب لثقته فيه، وإقراراً لفضله، ومناقبه واعترافا بمحاسنه وجمال سيرته، وإظهاراً بأن بينهم من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة (6)

كانت هذه مقتطفات بسيطة من العلاقة القوية التي كانت بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما التي إذا أردنا أن نبحث فيها فالوقت لن يتسع وليس هذا المجال مجال إسهاب، وتفصيل، وفي الإشارة خير عبارة وليس هذا فحسب بل تتجلى روعة الحديث بعد استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال ابن عباس كما في صحيح البخاري : وضع عمر على سريره فتكنفه  الناس يدعون ويصلون، قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجلا آخذ منكبي، إذا علي بن أبي طالب ، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كنت كثيرا ما أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: : " ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ، ودخلت أن وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر(7)

وفي النهاية نقول إن ما كتب سابقا ليس إلا قطرة من بحر القيم والمبادئ التي نمت مع العلاقة الوثيقة التي كانت بين علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأسأل الله عز وجل أن يكون نافعا لعل من يقرئه

 

  1. علي بن أبي طالب مستشار أمين للخلفاء الراشدين ص95  - فقه السيرة  النبوية للبوطي ص59

  2. الاستيعاب في معرفة الأصحاب ص 1102،   المعرفة والتاريخ (1/481)

  3. المصنف لأبي شيبة (12/ 29) رقم 12047 نقلا عن الشريعة للأجري (5/ 2327) إسناده حسن

  4. البداية والنهاية (7/ 142)

  5. تاريخ الخلافة الراشدة محمد كنعان ص 383  نقلا عن علي بن أبي طالب د/ الصلابي ص 189- 190 

  6. وسائل الشيعة للحر العاملي  26/ 314  - مختلف الشيعة  للحر العاملي 2 / 308 – رياض المسائل  للطبطبائي 12 / 664

  7. البخاري رقم 3685



إشراقات من مكتبة الآل والأصحاب

 

كتاب:الدرة اللطيفة في الأنساب الشريفة

elaqa-005.jpg

لمؤلفه: أبي معاذ السيد بن أحمد بن إبراهيم

مراجعة وتنقيح : مركز البحوث والدراسات بالمبرة

أصدرته: مبرة الآل والأصحاب , الكويت ـ 2007 م

     "سلسلة العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب (5)"

الكتاب من القطع المتوسط , عدد صفحاته 214 صفحة , يحتوى الكتاب على بعض الرسومات والجداول، والطبعة التي بين أيدينا هي الطبعة الأولى للكتاب.

لماذا هذا الكتاب ؟

إكمالاً لمسيرة مبرة الآل والأصحاب في إبراز تراث الآل والأصحاب وإظهار مناقبهم وعلو مراتبهم لخاصة المسلمين وعامتهم، لأن حبهم والولاء لهم عقيدة للمسلمين جميعاً.

قامت المبرة بتقديم هذا الكتاب الذي يهتم بالنسب الشريف للآل والأصحاب الأطهار الأخيار وخاصة أمهات النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأعمامه وعماته ثم أمهات المؤمنين والعشرة المبشرين بالجنة مع التفصيل في العواتك والفواطم.

كما تم استعراض بعض الشبهات الواهنة والطعونات الباطلة في أنساب بعض الصحابة ابتغاء إسقاطهم أو تشويه مجدهم التليد برفقة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم علماً بأنهم يلتقون مع النسب الشريف وكفى به فخراً.ً

وقد أحسن المؤلف تحرير النص, ويحسب له أيضاً المجهود الطيب الذي بذله لجمع هذه الأنساب الشريفة لأهل البيت الأطهار والصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، ويذكر للمؤلف التزامه في إثبات هذه الأنساب على المصادر والمراجع المختلفة لكافة الطوائف الإسلامية، كما لا ننسى المجهود البارز الذي بذله المؤلف في توضيح بعض المصطلحات والمفاهيم حول علم الأنساب وأهميته وتاريخه.

عليك أخي القارئ أن تقرأ هذا الكتاب القيم , لكي تتعرف على الأنساب الشريفة التي جمعت سيد البشر محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأهل بيته الأطهار وصحابته الأخيار رضوان الله عليهم أجمعين, وحتى تكون على علم بتلك الرحم التي قصدت من قوله تعالى " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " الشورى : 23 .

 



تحريم سبّ الصحابة رضي الله عنهم

 قبل أن نتكلم عن حكم سب الآل والصحابةرضي الله عنهم ، علينا أن نتذكر بأن ديننا لم يجعل لنا السب أو الشتم عادة ومنهجا نسير عليه حتى ولو كان مع الأعداء والخصوم، ولهذا جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ»(1) فلم يكن السب ولا اللعن شعاراً وسمة يعرف المؤمن بها، ولا سبيلا إلى بلوغ حاجة في نفسه، ولم نعرف أن اللعن سنة شرعية في ديننا لأن اللعن سبيله خطير على قائله، ولذا حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه بقوله: «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ»(2) .

ولهذا كان شرعنا يحذر من آفات اللسان وسيء الأخلاق، فإذا كان السب أو الشتم لا ينبغي تجاه من يستحقه فكيف بمن لا يستحقه؟!

بل جاء النص صريحاً وبكل وضوح بالنهي عن سب آلهة الكفار خشية العاقبة من هذا الفعل، قال تعالى: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم )(3) والمؤمن لا يقول إلا الخير، ولهذا أمرنا الله أن نقول دائما الأحسن والأفضل: ( وقل لعبادي يقولوا التي هى أحسن إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً)(4).

وعليه فالشرع الشريف لا يجيز للمسلم مسألة السب حتى ولو كان يتعلق بأناس ليسوا أهلاً للفضل ولا محلاً للكرامة، فما الحكم لو تعلق السب بأناس أثنى عليهم المولى بالخيرية والفضل كالآل والأصحاب؟ وشهد بطهارتهم وسلامة أمرهم وكريم أفعالهم؟.

إن سب الآل والأصحاب أمر ليس بالهين أو بالذنب الصغير، بل هو أمر في غاية الخطورة، وتكمن خطورته في أن من يتجرأ على هؤلاء الصفوة بالطعن والتجريح فكأنما يطعن في الله –  تعالى – ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وكتابه .

وذلك لأن الله تعالى قد اختارهم ليكونوا أتباعاً لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وأثنى عليهم في كتابه، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أحبهم، وبارك إخلاصهم، ومدحهم بأزكى الصفات وأكرم النعوت ونهى عن سبهم أو التعرض لهم.

فلا شك أن من يتجرأ عليهم بعد هذا كله، فكأنما يتجرأ على الله ورسوله وكتابه، ولا يخفى مدى خطورة ذلك على عقيدته وإسلامه؛ لأن الطعن فيهم طعن في الدين الذين هم حماته ونقلته، والتشويه لهم ولسيرتهم العطرة وأخلاقهم النبيلة، إنما هو تشويه للأمانة التي حملوها، بجانب أنه تكذيب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآلهوسلم فقد أثنى الله  تعالى  عليهم، وأشاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بفضلهم  ومنزلتهم، ومدحهم القرآن في مواضع عديدة، مما يدل على أن الله تعالى – قد  اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وحمل رسالته، فلا شك في أن تجاهل هذا كله والتغافل عنه جريمة منكرة لا معصية عادية .

يقول الإمام القرطبي: «فمن نسب واحداً من الصحابة إلى كذب، فهو خارج عن الشريعة، مبطل للقرآن، وطاعن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومتى ألحق واحداً منهم تكذيباً فقد سُب؛ لأنه لا عار ولا عيب بعد الكفر بالله أعظم من الكذب، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سب أصحابه فالمكذب لأصغرهم – ولا صغير فيهم – داخل فى لعنة الله التي شهد بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وألزمها كل من سب واحداً من أصحابه أو طعن عليه»(5).

ومما يدل على ذلك ويؤيده قول أبى زرعة «إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم أنه زنديق؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، وليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة»(6). ولهذا جاء الوعيد الشديد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأولئك الذين يتقحمون إلى مزلق خطير، ألا وهو النقيصة بالآل والصحابة رضي الله عنهم بأي وسيلة من الوسائل، ويتجرؤون  على سب ولعن من شهد الله بطهارتهم وسلامة أمرهم وكريم أفعالهم؟.

 

ومن تلك النصوص:

ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ (7) أحدهم، ولا نصيفه»(8).

وروى الطبراني بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سبّ أصحابي(9) فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين»(10).

ونصوص الوعيد الواردة في النهي عن سب الصحابة رضي الله عنهم ،  تتضمن النهي عن سب آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أسلفنا القول لنيلهم شرف الصحبة في العموم، وشرف الاتصال بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً .

ولنعلم أيضا بأن قضية السب أو اللعن لتلك العصبة المباركة لا تتوجه إلى ذاتهم الكريمة فقط، من جهة قبيلتهم أو نسبهم، أو بسبب أخطاء شخصية وقعت منهم، وإنما هذه النقيصة تقود إلى الطعن في عقيدتهم وأعمالهم وقصدهم، وبالتالي فهو طعن في الدين الذي حملوه وبلغوه إلينا، فالساب للآل والأصحاب رضي الله عنهم ، يريد الطعن في الدين الذي اجتمعوا عليه ونقلوه، فلما خشي من رد كلامه مباشرة وبيان سوء صنيعه وجه كلامه إلى حملة الدين ونقلته، فقصدهم بالطعن والغمز واللمز، كما مرَّ معنا قريباً في كلام أبي زرعة الرازي رحمه الله (11).

والمسلم عليه أن يتذكر بأن الله تعالى قد ذكر أحوال ثلاث فئات من الناس في سورة الحشر فبدأ بالمهاجرين رضي الله عنهم ،  بقوله:( للفقراء المهاجرين)(12) ثم أتبع ذلك بالأنصار رضي الله عنهم ،  بقوله: ( والذين تبوء الدار والإيمان من قبلهم) (13)، ثم ألحق بعد ذلك من سيأتي من بعدهم إلى قيام الساعة ووصف حالهم، وأبان صنيعهم تجاه من سبق بالإيمان، فقال في شأنهم: ( والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين أمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) (14) ونذكر كلام الإمام الذهبي في هذه المسألة حيث قال: « فأما الصحابة رضي الله عنهم ،  فبساطهم مطوي، وإن جرى ما جرى ...  إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوا العمل، وبه ندين الله تعالى» (15) فالله نسأل السلامة من الردى بعد الهدى، ونسأله أن يثبتنا على الحق ويحشرنا مع الآل والأصحاب رضي الله عنهم ،في الفردوس الأعلى.

 

الهوامش:

([1])  البخاري في الأدب المفرد حسن الخلق باب ليس المؤمن بالطعان (1/116) والترمذي في كتاب البر والصلة باب اللعنة (4/350-1977) من حديث عبد الله بن مسعود.

(2) رواه الإمام أحمد رقم(15790).

(3) سورة الأنعام الآية  «108».

(4) سورة الإسراء الآية «53».

(5) تفسير القرطبى: ج16 ص298 .

(6) رواه  الخطيب في الكفاية، ص49.

(7) المُد: قال في لسان العرب (3/396): المد، ضرب من المكاييل، وهو ربع الصاع، وهو قدر مد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح (7 / 34) عن البيضاوي قوله: مَعْنَى الْحَدِيث لا يَنَال أَحَدكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مِنْ الْفَضْل وَالأَجْر مَا يَنَال أَحَدهمْ بِإِنْفَاقِ مُدّ طَعَام أَوْ نَصِيفه.

(8)  رواه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «لو كنت متخذا خليلا» (حديث: 3673) ومسلم في فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة (2540) والإمام أحمد في فضائل الصحابة (1/ 5).

(9) اختلفت أقوال العلماء في حكم من سب الصحابة رضي الله عنهم: قال النووي (شرح مسلم: 5 / 400): وَاعْلَمْ أَنَّ سَبَّ الصَّحَابَة رضي الله عنهم حَرَام مِنْ فَوَاحِش الْمُحَرَّمَات، سَوَاء مَنْ لابَسَ الْفِتَن مِنْهُمْ وَغَيْره؛ لأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي تِلْكَ الْحُرُوب، مُتَأَوِّلُونَ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي أَوَّل فَضَائِل الصَّحَابَة مِنْ هَذَا الشَّرْح . قَالَ الْقَاضِي: وَسَبُّ أَحَدهمْ مِنْ الْمَعَاصِي الْكَبَائِر، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّهُ يُعَزَّر، وَلَا يُقْتَل . وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة: يُقْتَل.

وقال ابن حجر (الفتح 7 / 36): اُخْتُلِفَ فِي سَابّ الصَّحَابِيّ، فَقَالَ عِيَاض: ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ يُعَزَّر، وَعَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة يُقْتَل، وَخَصَّ بَعْض الشَّافِعِيَّة ذَلِكَ بِالشَّيْخَيْنِ وَالْحَسَنَيْنِ فَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْن فِي ذَلِكَ   وَجْهَيْنِ، وَقَوَّاهُ السُّبْكِيّ فِي حَقّ مَنْ كَفَّرَ الشَّيْخَيْنِ، وَكَذَا مَنْ كَفَّرَ مَنْ صَرَّحَ النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم بِإِيمَانِهِ أَوْ تَبْشِيره بِالْجَنَّةِ إِذَا تَوَاتَرَ الْخَبَر بِذَلِكَ عَنْهُ لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ تَكْذِيب رَسُول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم.

(10) رواه الطبراني في الكبير 10/289، رقم (12541).

(11) انظر ص 95.

(12) سورة الحشر الآية «8».

(13) سورة الحشر الآية «9».

(14) سورة الحشر الآية «10».

(15) الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد، للذهبي (ص: 46).