تربية الصحابة وتزكيتهم مهمة نبوية  ( 1-2)

إن من مهام البعثة النبوية التي بينَّها القرآن الكريم تربية الصحابة وتزكيتهم قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2].

وقال تعالى: ((لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [آل عمران:164].

وقال تعالى: ((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)) [البقرة:129].

فهذه النصوص القرآنية الكريمة تدل بوضوح على أن من مهام رسول الله عليه الصلاة والسلام تزكية الصحابة وتربيتهم وتعليمهم، والسر في تكليف الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المهمة هو أن جيل الصحابة من الأهمية بمكان إذ أنه الجيل الذي سيقوم بحمل أعباء الرسالة الخاتمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك أنيطت مهمة تربية ذلك الجيل وإعداده بأعظم مرب وأعظم معلم وأعظم مزك؛ حتى تثمر هذه التربية أعظم ثمر، وحتى يظهر أعظم جيل عرفه التاريخ؛ ليتمكن من تسلم هذه الرسالة الخاتمة ويطبقها في نفسه أولا ثم يحافظ عليها وينشرها في الآفاق غضة طرية ويسلمها للأجيال من بعده، وهذا ما حدث فعلاً، وقد حفظه لنا التاريخ، فلم يمر إلا زمن يسير وإذ براية الإسلام ترفرف فوق قصور كسرى في بلاد فارس وقصور الروم في بلاد الشام، ولم يفن جيل الصحابة إلا وجيوش الإسلام تحاصر القسطنطينية إن السر في هذا النجاح الهائل الذي حققه الصحابة يعود بعد توفيق الله لهم إلى التربية والتزكية والإعداد النبوي لذلك الجيل، وهذا يعد شهادة عملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنجاحه الكامل في تربية ذلك الجيل وتزكيته، وأنه قام بالمهمة التي أوكلت إليه خير قيام، كيف لا وهو خير مرّبٍ عرفه التاريخ صلى الله عليه وسلم.

ولذلك فإن الله تعالى قد شهد بنجاح هذه التربية ورضي بها وذلك من خلال ثنائه على ذلك الجيل ورضاه عنهم، قال تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ))              [آل عمران:110].

وقال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ)) [التوبة:100].

وقال تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:8-9].

وغير ذلك من الآيات القرآنية, ولذلك فإن الطعن فيهم يعد طعناً في المربي الذي رباهم، بل وطعناً في الله عز وجل الذي زكاهم ورضي عنهم.

إن من المتفق عليه بين الفرق الإسلامية أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم وهو إمام المرسلين والأئمة المصلحين، فإذا لم يستطع عليه الصلاة والسلام القيام بتربية فئة تحمل أعباء هذا الدين وتتمثله سلوكاً، وعملاً، واعتقاداً، فإن غيره لن يستطيع القيام بهذا مهما كانت منزلته، وعليه فيكون التكليف المنصوص عليه في الآيات السابقة تكليف ما لا يطاق، وهذا طعن في الله عز وجل وحكمته وعلمه.

ثم إن الطعن في الصحابة لا يمكن قبوله بحال من الأحوال وذلك لما يلي:

1- الصحابة رضي الله عنهم أنزل الله في فضلهم آيات تتلى إلى يوم القيامة، فالطعنٍ فيهم رد على الله تعالى وتكذيب للقرآن، قال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: (من يبغض أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فيء المسلمين ثم قرأ قول الله سبحانه وتعالى: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)) [الحشر:7] إلى قوله ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10]} الآية، وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)) [الفتح:29] إلى قوله: ((لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29]، ثم قال: من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فقد أصابته الآية).أهـ (1).

2- الصحابة مدحهم المصطفى عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة منها:

عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تَسُبُّوا أصحابي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ)(2).

وعَنْ أَبِي مُوسَى -رضي الله عنه- قَالَ: (صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: لَوِ انْتَظَرْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ، فَانْتَظَرْنَاهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا! قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْنَا: نُصَلِّي مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ: أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: النُّجُومُ آمِنَةٌ لأَهْلِ السَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى أَهْلُ السَّمَاءِ مَا يُوعَدُونَ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ)(3) .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود -رضي الله عنه- أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (خَيْرُ النَّاسِ قرني، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يجيء قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ)(4).

وعن أَنَسَ بن مَالِكٍ رضي الله عنه حَدَّثَهُمْ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صَعِدَ أُحُدًا وأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فقال: (اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ)(5).

فالطعن في الصحابة تكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أثنى عليهم في هذه الأحاديث وغيرها.

 

الهوامش :

([1]) شرح السنة للبغوي (1/229).

(2) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3470)، ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم (2540).

(3) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2531).

(4) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2509)، ومسلم برقم (2533).

(5) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3472).

 



دروس مستفادة من الفتنة التي وقعت بين الصحابة (1-2)

إن مما لا شك فيه أن الفتن التي حدثت في أواخر زمن الصحابة جسيمة وعظيمة وجد مؤلمة، ولكن ذلك أمر قدّره الله وقضاه لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه سبحانه، ولم يقض الله سبحانه ذلك الأمر إلا لحكمة بالغة لا يعلمها إلا هو، وفيما يلي وقفات وحكم يمكن قراءتها من ثنايا تلك الفتن:

  1. معرفة أحكام البغاة التفصيلية العملية، وكيفية التعامل معهم، وأنهم قد يقاتلون ولكن لقتالهم شروط وأحكام فلا يُجهز على جريحهم ولا تسبى نساؤهم ولا تُستباح أموالهم، وكل ذلك لم يكن منصوصاً عليه في القرآن والسنة ولكنه اجتهاد مأخوذ من عمومات الشريعة اتفق عليه الصحابة الذين شهدوا التنزيل رضي الله عنهم فأصبح حكماً شرعياً لا تجوز مخالفته.

  2. أن المؤمن قد يقع في البغي ولا يخرجه ذلك عن الإيمان وذلك أن الله تعالى أثبت البغي في المؤمن مع كونه مؤمناً ولم يجعله نافياً للإيمان ولا للأخوة فقال تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) [الحجرات 9-10]. والبغي والاقتتال لم يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما وقع في أواخر عهد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وقد طبق الصحابة هذه الآية فلم يكِّفر أحد منهم الآخر أثناء القتال، بل كانوا يترحمون على بعضهم البعض ويصلٌّون على قتلى الطرفين من غير تفريق(1) ، بل إن عليا رضي الله عنه عندما سُئل عن أهل الجمل: (أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا، قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا)(2) ، وعن الصلت بن عبد الله ابن الحارث بن عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب عن أبيه قال: (كنت مع علي رضي الله عنه حين فرغ من أهل الجمل فانطلق إلى بيته وهو آخذ بيدي قال: وإذا امرأته وابنتاه يبكين يذكرن عثمان وطلحة والزبير وقد أجلسو وليدة بالباب تؤذنهن بعلي إذا جاء، قال: فألهى الوليدة ما ترى النسوة يفعلن فدخل علي رضي الله عنه عليهن وتخلفت فقمت بالباب فقال لهن: ما قلتن فأُسكِتْن فانتهرهن مرة أو مرتين فقالت امرأة منهن: ما سمعت ذكرنا عثمان وقرابته وقِدمه وذكرنا الزبير وقِدمه وذكرنا طلحة كذلك، فقال: إني لأرجو أن نكون كالذي قال الله عز وجل: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)) ومن هم إن لم يكن نحن أولئك؟!)(3). وأعجب من ذلك ما رواه يَزِيدَ بن الأَصَمِّ قال: (سئل على عن قَتْلَى يَوْمِ صِفِّينَ؟ فقال: قَتَْلاَنَا وَقَتََلاَهُمْ في الْجَنَّةِ وَيَصِيرُ الأَمْرُ إلَيَّ وَإِلَى مُعَاوِيَةَ)(4).

    وهذا بخلاف ما يفعله كثير من المسلمين اليوم، حيث تراهم يختلفون في بعض المسائل والتي ربما تكون فرعية ثم تراهم يتراشقون بالتهم ويتقاطعون ويتدابرون ولا يرى بعضهم لبعض حسنة بل قد يكفر بعضهم بعضاً! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

  3. إن الحرب التي وقعت بين الصحابة تعد حرباً مثالية إن صح التعبير! فقد انعكست فيها أخلاق الإسلام الفاضلة كالصدق والثبات والأمانة وعدم الغدر والخيانة، وإكرام الأسير ومداواة الجريح من كلا الطرفين والكف عمن كف عن القتال وغير ذلك مما لا يكاد يصدق وقوعه في الحروب، ولعل من أعجب ما نقل من وقائع تلك الحروب أن الرجلين كانا يتقاتلان بشدة وضراوة حتى يثخنا بعضهما بالجراح ويتعبان فيستريحان ويدور بينهما الكلام الكثير ويصب كل منهما الماء على صاحبه؛ ليخفف عنه الألم ثم يعودان للقتال كما كانا! (5) فهي الحرب الإنسانية الأولى والوحيدة في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معًا على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء العالم لو يُعمل بها في حروبهم إن كان لا بد من الحروب، ولو في القرن الحادي والعشرين (قرن التقدم والتطور!)، وإن كثيرًا من قواعد الحرب في الإسلام لم تكن لتعلم وتدون لولا وقوع هذه الحرب، ولله في كل أمر حكمة.

  4. معرفة كيفية التعامل مع أهل البدع، ومناظرتهم ومناصحتهم فقد أرسل علي ابن عباس لمناظرتهم فرجع منهم الكثير، وهذه كلمات علي رضي الله عنه في الخوارج: عن كثير بن نمر قال: بينا أنا في الجمعة وعلي رضي الله عنه على المنبر إذ قام رجل فقال: (لا حكم إلا لله ثم قام آخر فقال: لا حكم إلا لله ثم قاموا من نواحي المسجد فأشار إليهم علي رضي الله عنه بيده اجلسوا نعم لا حكم إلا لله كلمة يبتغي بها باطل حكم الله ننظر فيكم ألا إن لكم عندي ثلاث خصال ما كنتم معنا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم فيئا ما كانت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا ثم أخذ في خطبته وروي بعض معناه من وجه آخر عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه)(6).

  5. إن تلك الحروب التي وقعت بين الصحابة لم تفاجئ الأمة فتصاب بصدمة مميتة تجتثها من جذورها، بل كانت متوقعة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنها كائنة بل أخبر بوقائع بعضها ولذلك فقد تحقق بتلك الحروب صدق النبي صلى الله عليه وسلم بما أخبر به، ولذلك فهي علم من أعلام النبوة من حيث الإخبار لا من حيث الإقرار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرها وإنما أخبر عن وقوعها، فهو إخبار عن أمر غيبي قدره الله وقضاه.

    الهوامش

    ([1]) منهاج السنة (7/406).

    (2) سنن البيهقي الكبرى (8/173).

    (3) مصنف ابن أبي شيبة (7/539)، الشريعة (5/2529-2530).

    (4) مصنف ابن أبي شيبة (7/552).

    (5) انظر : أسمى المطالب في سيرة علي بن أبي طالب للصلابي ص 579، حيث ذكر ذلك عن الطبري بواسطة.

    (6) سنن البيهقي الكبرى (8/184).

     

     



توقير الصحابة وتعظيمهم (1-2)

إن للصحابة رضي الله عنهم علينا حق التوقير والتعظيم، فهم سادتنا وكبراؤنا، وقد كان آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأوائل من أعظم الناس توقيراً لصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا علي بن الحسين رحمه الله ورضي عن آبائه يُسأل: كيف كانت منـزلة أبي بكر وعمر عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟فأشار بيده إلى القبر ثم قال: بمنـزلتهما منه الساعة. (1)

وقال ابن فُضيل: عن سالم بن أبي حفصة قال:سألت أبا جعفر -أي الباقر- وابنه جعفراً، أي الصادق، عن أبي بكر وعمر فقالا لي: يا سالم: تولهما وابرأ من عدوهما فإنهما كانا إمامي هدى (2).

وعن زيد بن علي بن الحسين رحمه الله قال: كان أبوبكر رضي الله عنه إمام الشاكرين، ثم تلا: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(3).

ثم قال: البراءة من أبي بكر هي البراءة من عليّ.(4)

وعن عروة بن عبدالله قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حِلية السيوف، فقال: لا بأس به، قد حلّى أبوبكر الصديق سيفه.قلت: وتقول: الصديق؟!فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصِدّيق، نعم الصِدّيق، فمن لم يقل الصِدّيق فلا صَدّق الله له قولاً في الدنيا والآخرة.(5)

ـ وهذا الحسن بن الحسن رحمه الله يقول: دخل علي المغيرة بن سعيد -وقد أُحرق لزندقته- فذكر من قرابتي وشبهي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وكنت أُشبّه وأنا شاب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - ثم لعن أبابكر وعمر، فقلت: يا عدّو الله: أعندي؟ ثم خنقته والله حتى دلع لسانه.(6)

وقد قالت عائشة رضي الله عنها لعروة بن الزبيـر:"يا ابن أختي: أُمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسبوهم"(7).         

ومن مقتضيات توقيرهم رضي الله عنهم الذبَّ عنهم والدفاع عن حرماتهم ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلاً، ولله در عمر بن حبيب حينما دافع عنهم أمام هارون الرشيد، وإليك ما قاله:

حضرت مجلس هارون الرشيد، فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلت أصواتهم، فاحتج أحدهم بحديث رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يقبل هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونصر قولهم.

فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره.

فنظر إليّ الرشيد نَظَرَ مغضب وقمت من المجلس فانصرفت إلى منـزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط وتكفن.

فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك وأجللت نبيك أن يُطعن على أصحابه فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال لي:يا عمر بن حبيب؟ ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به.

فقلت: يا أمير المؤمنين: إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى ما جاء به، إذا كانَ أصحابه كذابين فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، وأمر لي بعشرة آلاف درهم.(8)

وقال إمامُ أهلِ السنّةِ والجماعةِ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلَ –رحمه الله-: من انتقصَ أحداً من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، أو أبغضَهُ لِحَدَثٍ كان منه، أَو ذَكَرَ مساوِئه، كان مبتدعاً حتّى يترحَّمَ عليهم جميعاً، ويكونَ قلبُهُ لهم سليماً(9).

وقال الفضلُ بنُ زياد: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ وسُئلَ عن رجلٍ انتقص معاويةَ وعمرَو بنَ العاص، فقال: إنّه لا يجترئ عليهما إلاّ وله خبيئةُ سوء، ما يبغضُ أحدٌ أحداً من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ وله داخلةُ سوء(10).

وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما : لا تسبُّوا أصحابَ محمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنَّ الله أمرنا بالاستغفارِ لهم وهو يعلمُ أنّهم سيقتتلون(11).

 

الهوامش :

([1]) "نزهة الفضلاء": 1/519.

(2) المصدر السابق: 1/521.

(3) سورة آل عمران: آية 144.

(4) المصدر السابق: 2/615.

(5) المصدر السابق: 1/523.

(6) المصدر السابق: 1/537.

(7) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب التفسير: باب في تفسير آيات متفرقة.

(8) "إتحاف ذوي النجابة": 71-72.

(9) "طبقات الحنابلة": 1/245 .

( 10) "تاريخ دمشق": 59/210 .

( 11)  "شرح أصول الاعتقاد للالكائي": 7/1317 .

 



إشراقات من مكتبة الآل والأصحاب

كتاب:ذرى السحاب في مرويات الفضائل بين الآل والأصحاب

صنفه: د. أحمد عبدالغني النجولي الجمل      

خرج أحاديثه: علي بن حمد التميمي ، سائد صبحي قطوم   الباحثان بمركز البحوث والدراسات بالمبرة                                  

إشراف: مركز البحوث والدراسات بالمبرة.

أصدرته: مبرة الآل والأصحاب , الكويت: 1429 هـ ـ 2008 م.

       السلسلة الثانية :  "سلسلة العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب (7)"

 الكتاب من القطع المتوسط , عدد صفحاته 291 صفحة.

 الطبعة التي بين أيدينا هي الطبعة الأولى للكتاب.

     هذا الكتاب هو السابع في السلسلة الثانية التي أصدرتها المبرة والتي تهتم بالعلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب، وتوضيح المودة والألفة بين الآل والأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، وغرساً لحب ذلك الجيل الطاهر الطيب من الآل والأصحاب في نفوس جميع أبناء الأمة الإسلامية.

وهذا الإصدار نموذج من التعاون بين المبرة والأخ الفاضل د . أحمد عبد الغني الجمل.

تقرأ في الكتاب:

مرويات الصحابة رضي الله عنهم في فضائل أهل البيت عامة، مرويات الصحابة رضي اله عنهم في فضائل أبناء وبنات وأحفاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مرويات الصحابة رضي الله عنهم في فضائل أعمام وعمات وأولاد أعمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مرويات الصحابة رضي الله عنهم في فضائل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، المرويات في فضائل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، مرويات أهل البيت رضي الله عنهم في فضائل الصحابة رضي الله عنهم، فضائل عامة.

   عليك أخي القارئ أن تقرأ هذا الكتاب القيم, لكي تتعرف من خلاله على العلاقة الحميمة التي كانت بين الآل والأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، فالكتاب يضم فضائل أهل البيت الأطهار كما رواها الصحابة الأخيار، وفضائل الصحابة الأخيار كما رواها أهل البيت الأطهار، حتى يرى الناس ما كان بين الفريقين من علاقة حميمة قوية ومتينة، وحتى يطلعوا على ما كان يكنه كل منهما للآخر من تقدير واحترام وإجلال كيف لا وقد رباهم الرسول صلى الله عليه وآله على يده، وأمدهم بنور الإيمان الذي ارتشفه من وحي النبوة ، فصلوات الله وسلامه على الرسول الكريم، وعلى أزواجه وأصحابه ومن آمن به وتبعه بإحسان إلى يوم الدين ورضي الله عن جميع الآل والأصحاب.

elaqa-007.jpg