الإرهاب الفكري بضاعة المفلس وسلعة المبخِس

الإرهاب الفكري بضاعة مستوردة وسلعة فاسدة

إن التجرد للحق والبحث عنه بين ركام الأباطيل وزخارف الحياة لهو غاية نبيلة ، ومبدأ إسلامي أصيل . ولقد علمنا المولى في كتابة الكريم قيمة هذا الخلق العظيم فقال وهو أصدق القائلين : ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ). سبأ/24.

وهذا ما يسمى في اللغة بباب اللف والنشر، أي أن واحداًَ من الفريقين مبطل والأخر محق . فالمولى جل وعلا في هذه الآية الحكيمة يعلمنا قيمة أن ننشد الحق. الحق لا غير ، ونبحث عنه مهما تأت بنا السبل أو كلفنا ذلك . فالحكمة هي ضالة المؤمن متى وجدها فهو أحق الناس بها. هذه الأمر يجب أن يكون نبراساً للسالكين دروب النجاة ، ويجب أن تسير مواقفنا في الحياة على ضوء مبادئنا. فلا نهضم حق أحد أو نبخس قدره أو نحجر على عقله مهما استطعنا إلى ذلك سبيلا .

وقالوا قديما: من كلامك أدينك، والآن نقول: من موقفك نعرف مقصدك، والمواقف تتغير بتغيُّر المقاصد، وحبذا لو تجمَّع سلامة الموقف مع نبل المقصد، أما لو انُتهجت مواقف بعينها لمقاصد سيئة تهدف إلى إرهاب الآخرين وإقصائهم عن معترك الدعوة وتفاعل الحياة، وحرمانهم من أبسط حق في الوجود ألا وهو إبداء الرأي، ومن أشرف دعوة ألا وهي قول الحق، فتلك مصيبة وفاجعة؛ لأن هذا الأمر يعد إرهاباً بكل ما تحمله الكلمة من غلظ وثقل.

ومما لا شك فيه أن الإرهاب بكل صوره وأشكاله داء خبيثوخطير وإذا ما أطلَّ بوجهه القبيح على أي مجتمع واستشرى في أوصاله فإنه يكون نذير شؤم وهلاك.

ومن أخطر أنواع الإرهاب : الإرهاب الفكري الذي يجمِّد العقول ويقتل الحريات ويكمم الأفواه ويسلب الإنسان أغلى وأعز ما يملك؛ يسلبه عقله ولبه ويجعله آداة طيعة رخوة يستقبل ويتقبل كل ما يملى عليه دون أن يقول لا، أو حتى يبدي ضجراً أو ضيقاً.

إنه جريمة منكرة ،وصناعة مسترذلة، وممارسته وتعاطيه خطر على أمن المجتمع واستقراره، على تراثه وموروثه، على ماضيه وحاضره ومستقبله، كما أنه أسلوبمنافٍ للقيم الإنسانية والأخلاقية .. تمارس من خلاله عمليات التسفيه والتحقير والاستهجان بكلرأي لا يتفق وتوجهات المرهبين، ويغتصب العقول ويرغمها على الموافقة والتأييد.

 وقد اعتدنا أن يمارس هذا النوع من الإرهاب من قِبل بعض الساسة في بعض الأزمان والأماكن، لكن العجيب أن يمارس من قبل بعض القيادات الدينية والسياسية لغسل أدمغة البسطاء،ولتحقيق غايات دينية وسياسية بأساليب قسرية، والويل كل الويل لمن يعارض أو يعترض أو يحاول نشر حقيقة غائبة تلميحاً أو تصريحاً، إنه بذلك قد وضع نفسه في المواجهة ، وألقى بنفسه طواعية في خط النار، وتقدم مسرعاً وبرغبته إلى حتفه، إذن فلكي تسلم لا تعترض فمن اعترض انطرد أو حورب.

الإسلام والإرهاب الفكري

إن الإسلام يرفض بشدة هذا الإرهاب الفكري ويدين ويجرم كل من يستخدمه، وتعاليم القرآن الكريم حافلة بالآيات التي تأمر المسلمين بقول الحق والصدع به وعدم الانزواء في زاوية الإرهاب الفكري: فقال جل من قائل: ) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر( (الكهف/29).

ويقول المولى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. (الحجر/94).

ويقول الله تعالى ناعياً على أهل الكتاب سوء صنيعهم حين كتموا الحق ولبَّسوا على غيرهم: قل يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون. ( آل عمران/71).

وأوصى الحبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه الكرام بقول الحق حتى ولو كان مُرَّاً فروى أحمد في مسنده بسنده عن أبي ذر قال: أوصاني حبى بخمس – وعد منها- وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا.[1]

ولقد ضرب لنا الرسول صلى الله عليه وآله سلم بنفسه أروع الأمثلة في تقبل رأي الآخرين مهما كان صغيراً، ولم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم أن احتكر رأيا أو حجر على صاحبه ،حتى ولو كان مخطئاً، بل حتى وإن لم يعبِّر عن رأيه وموقفه بأدب وتعقل.

 فقد روى أبو هريرة قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَجْلِسُ مَعَنَا فِي الْمَجْلِسِ يُحَدِّثُنَا ، فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ ، فَحَدَّثَنَا يَوْمًا ، فَقُمْنَا حِينَ قَامَ ، فَنَظَرْنَا إِلَى أَعْرَابِيٍّ قَدْ أَدْرَكَهُ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَكَانَ رِدَاءً خَشِنًا ، فَالْتَفَتَ ، فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابِيُّ : احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ ، فَإِنَّكَ لاَ تَحْمِلُ لِي مِنْ مَالِكَ وَلاَ مِنْ مَالِ أَبِيكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لاَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ ، لاَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ ، لاَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ ، لاَ أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تَقِيدَنِي مِنْ جَبْذَتِكَ الَّتِي جَبَذْتَنِي ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الأَعْرَابِيُّ : وَاللهِ لاَ أَقِيدُكَهَا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، قَالَ : ثُمَّ دَعَا رَجُلاً فَقَالَ لَهُ : احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرَيْهِ هَذَيْنِ ، عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا ، وَعَلَى الآخَرِ تَمْرًا ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا ، فَقَالَ : انْصَرِفُوا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ تَعَالَى.[2]

ولقد علمنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا نرضخ للإرهاب ولا نستسلم له أياً كان مصدره ، فالمسلم يجب أن يكون صداعاً بالحق لا يخشى في الله لومه لائم .

فقد روى البخاري بسنده عن عروة بن الزبير قال : سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جائكم ...... من ربكم (1).[3]

إن المشركون حاولوا أن يجربوا سلاح الإرهاب الفكري ليصدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن دعوته، ويحجروا على عقله ولبه فما أفلحوا، وما ألان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قناته لإرهابهم ؛ لأنه يبحث عن الحق ، الحق لا غير، ولا خير في قوم ضاع الحق بينهم .

 وصدق الله القائل على لسان نبيه شعيب: ولا تبخسوا الناس أشياءهم. ( الشعراء: 183) ومخرجات العقول والأفكار هي من أنفس أشياء الإنسان ومن أعز ما يملك فمن يحجر عليها ويمنعه إخراجها،أو شرف أن تنسب إليه، فإنه يحجر على عقله وعلى حياتها بأسرها، وهذا هو ما يرفضه الإسلام.

وهاهو الصديق رضي الله عنه وأرضاه يعلنها صريحة جلية فاتحا بابه لمن يعترض طالما كان اعتراضه في حق وعن غير هوى فيقول في خطبته بعد بيعته: " أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني".[4]

إن الصديق بهذا يرفض رفضا جازما إغلال الآخرين وتقييد أفكارهم وحرياتهم، حتى لو كانوا معارضين له، إنه يدعوهم دعوة مباشرة إلى متابعة أقواله وأعماله ويعترضوا علي أي منها متى ما خالفت الحق وعدلت عنه.

وقد وعى سلفنا الصالح هذا الأمر جيداً فها هو الإمام الشافعي يعلنها صريحة لا لبس فيها ولا خفاء : " رأي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب "، واختلف يوما مع صاحبه أبي محمد في مسألة فجانبه أبو محمد، فذهب الشافعي ودقَّ عليه بابه وأمسك بيده وقال: يا أبا محمد ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة.

إن تاريخ أسلافنا الكرام خال من الإرهاب الفكري، الذي يحجر على العقول والحريات والقناعات بحجة أن هذا مخالف لمذهب ما أو اعتقاد ما أو حتى رأي ما.

الاختلاف سنة مضطردة

لقد نسي هؤلاء المرهبون فكريا أن اختلاف البشر في الأفكار والتصورات والمعتقدات والعادات والتقاليد شيء طبيعي ومعهود قد قرره القرآن والعقل والتاريخ " فالاختلاف سنة مضطردة من سنن الله في خلقه وملكوته ، حتى إنه ليعز أن تجد في خلق الله شبيهين يتطابقان في كل وصف ، وكل هيئةٍ وكل حال ، بل الشيء الواحد والنوع الواحد كتكوين خلقي متميز جعله الله سبحانه متبايناً أو مزدوجاً ، وجعل ذلك آية من آياته للتفكير والتدبير) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( ([5])".([6])

        وقد قضت سنة الله سبحانه في خلقه وفى الحياة عموماً أن تكون الطبائع مختلفة ، والناس مختلفين في أفكارهم ومشاعرهم ووجهات نظرهم ، كما يختلفون في أشكالهم وصورهم وألوانهم ولغاتهم ، فقال تعالى:) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعَالِمِينَ(.([7])

        هذا عن الاختلاف بشكلٍ عام ، أما الاختلاف الفكري تحديداً فقد أقره الإسلام إذا كان لا يتعارض مع مبادئه وأخلاقه ، ولا يؤثر على العلاقات بين الجماعات أو الأفراد ، وهذا ما يسمى بالخلاف المحمود .

        أما إذا تعارض الاختلاف مع مبادئ الإسلام ، وأتر سلباً على العلاقات بين الأفراد أو الجماعات ، وأورث العداوة وأفضى إلى التنازع والشقاق ، فهو الاختلاف المذموم الذي نهى الله عنه في كتابه ، ونهى عنه رسولهe ، وهو بلا شك من أكبر العقبات التي تواجه مسيرة الوحدة الإسلامية.

        فجميع الآيات التي جاءت في النهى عن التفرق ، وذم الاختلاف والتحذير منه ، وضرب الأمثال بما كان من الأمم السابقة حين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات ؛ إنما تعنى هذا النوع من الاختلاف والتفرق ، ومن ذلك قوله تعالى :) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء "([8]) ،) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات ( ([9])"، ) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا(.([10])

        فهذه الآيات تنهى عن التفرق بصفةٍ عامة، التفرق أياً كان مصدره، سواء أكان ناشئاً عن الاعتداد بالعصبيات والجنسيات، أم ناشئاً عن الاختلاف في الرأي المفضي إلى التنازع.

ولذا يجب على المسلمين أن يتعاملوا مع الاختلافات الفكرية على أنها ظاهرة صحية وحالة طبيعية ، ويحصروها في إطار البحث العملي ، ولا يسمحوا لها بالتعدي والتجاوز لتصبح أدوات قتل وتفرقة ، وأسلحة دمار وخراب، طالما أن هذه الاختلافات تتقيد بدليل صحيح وليس مبعثها الهوى ولا الخرافات.

التعصب من أقوى بواعث الإرهاب الفكري

ومن بواعث الإرهاب الفكري: التعصب وهو خلق مذموم ، ووصف مرذول، وعادة قبيحة، وسنة سيئة ، يحمل عليه الغرور الجارف أو التقليد الأعمى، أو الحب المتطرف، وتمليه الأثرة والأنانية وحب الذات والادعاء الكاذب وعدم التقدير لشعور الغير وحقوقه وواجب المجتمع عليه ، وهو في جميع أشكاله ومظاهره له نتائج خطيرة ، وآثار سيئة على الفرد والمجتمع.

وإن أريد بالتعصب عدم قبول الحق عند ظهور الدليل بناء على ميل المرء لعصبيته وعصبته  وجده في نصرتهم ؛ فهو مذموم منهي عنه في الإسلام ، ويُطلق عليه لفظ " العصبية " ، وقد نعى الله على أهل الجاهلية في غير آيةٍ من كتابه الكريم ، تمسكهم بها ومن ذلك قوله جل شأنه: ) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ، بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ، وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ( ([11]) ، وفى الحديث الشريف" ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل عصبية ، وليس منا من مات على عصبية " ([12]) ".

فالنبي e  في هذا الحديث الشريف ينهى عن العصبية بكل أنواعها سواء أكانت لشخصٍ من الأشخاص أم لمذهبٍ من المذاهب أم لطائفةٍ من الطوائف .

وهذا النوع من التعصب كان من الرزايا التي حلّت بالأمة الإسلامية ، والتي ساهمت بقدرٍ كبير في أن تفقد هذه الأمة ذاتيتها وتماسكها ، وترتب عليها – مضافة إلى غيرها – أن تحولت الأمة إلى أشلاء ممزقة متناثرة ، لا وزن لها أمام أعدائها ، ولا يكاد يجمعها جامع أو يضمها كيان.

          وهذا يكشف لنا مدى جناية التعصب على وحدة المسلمين وتآخيهم، الأمر الذي قوّض شمل الإسلام وجعل بأس المسلمين بينهم شديداً، وحوّلهم إلى فرق وطوائف متباعدة متباغضة

 

 

 

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله :" ليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر ، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها ، وإنما هو وضع "الذات" في كفة ، والحق في كفة ، وترجيح الذات على الحق ابتداء ".([13])

فالإسلام لا يرضى لأي شخص أن يتعصب لرأى لم يقطع به دليل ولم يؤيده برهان ، ولا يحب له أن يتمسك به إلى الحد الذي يجعله يأبى النصح والمناقشة ، ويلج في العناد والمجادلة بالباطل ، ويحمله على الفحش والمهاترة ، ويزين له الغرور سوء رأيه فيراه حسناً.

وللحكمة رجال

إن الإرهاب الفكري يعد من أكثر المعوقات والمثبطات التي عطَّلت المسيرة الفكرية والإصلاحية في مجتمعاتنا الإسلامية وأنهكت قواها، بل وأماتتها في نفوس المسلمين ، وأصابت الجسد الإسلامي بالتفرق والتطاحن الذي مزق شمله ، وكان له أسوأ الآثار على الإسلام والمسلمين ، الأمر الذي جعلهم لقمة سائغة وفريسة سهلة أمام أعدائهم ، الذين تسنَّحو بدورهم هذه الفرصة ، وانقضوا بحدِّهم وحديدهم ، وقضِّهم وقضيضهم على الجسد الإسلامي المنهوك ، ولم يرعوا فيه إلاً ولا ذمة ، ولم تأخذهم فيه رأفة ولا رحمة.

إننا لا بد لنا تفادياً لأضرار الإرهاب الفكري الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية أن نعمل على تطوير المفاهيم الثقافية والارتقاء بالوعي الفكري والدعوة إلى إشاعة ثقافة الحوار المبني على قاعدة الأمن الفكري والتسامح وعدم التعصب وتقبل الرأي الآخر، فأمتنا بحاجة ماسة وملحة إلى مشروع نهضوي جاد وحقيقي يقضي على دواعي الإرهاب الفكري وبواعثه حتى لا يفتح باب الفوضى والانفلات؛ لأن الخاسر في هذه الحال وكما عبر صاحب السمو أمير البلاد هو "الوطن"، والذي يدفع الثمن هم الجميع.

ولنا أن نردد ما تساءل به سمو الأمير فيما نُشر عنه مؤخراً من خلال كلمته التي وجهها إلى المواطنين والتي نعى فيها وبحكمة بالغة وبُعد نظر يستشرف المستقبل ويستشعر الأخطار التي تحدق بنا حين قال: هل بات مقبولاً أن نرى من الممارسات ونسمع من العبارات ما يمس ثوابتنا الداخلية ويسيء إلى نسيجنا الاجتماعي ومكوناته؟ وهل أصبح التهديد والتشكيك والشحن والإثارة وتعبئة الجماهير واستخدام الأساليب الغريبة وانتهاج الفوضى والانفلات بديلاً للاحتكام للقانون وتأكيد سلطته والحفاظ على هيبته. [14]

إن هذه الكلمات تعد فصل الخطاب في هذه المسألة، ومن يتجرأ عليها فإنه بمثابة التجرؤ على مقام سموه، وهذا ما لا نسمح به بحال من الأحوال وتحت أي ظرف من الظروف.

 فهل سيأتي علينا يوم نقول فيه الحق من غير أن يعترض علينا معترض؟

وهل سيأتي يوم نبطل فيه وبدافع من الالتزام بالدين وحب الوطن استخدام سلاح دعاوى الطائفية لكل من يعترض أو يبدي رأيا أو يبرز حكما لا يتفق مع ما نراه ؟ ، حتى وإن كان الحق في صفه؟ ستظل هذه الكلمات والتساؤلات حيرى تبحث عن إجابة طالما ظل إرهاب الفكر قائماً يخيم بشروره على مجتمعنا الآمن.

 

 



[1] رواه أحمد في مسنده: ح(21556).

[2] المسند الجامع:42/209

 

[3] البخاري : كتاب فضائل الصحابة – باب : قول النبي لو كنت متخذاً خليلاً ، ج (3475)

[4]  الطبقات الكبرى: 3/183. والمصنف لعبد الرزاق: 11/336، رقم 20701.

([5]) سورة الذاريات : آية 49 .

([6]) جمال سلطان : فقه الخلاف مدخل إلى وحدة العمل الإسلامي ، ص9 ، مركز الدراسات الإسلامية – برمنجهام –      بريطانيا ، ط1 ، سنة 1413هـ  ـ 19992م .

([7]) سورة الروم : آية 22 .

([8]) سورة الأنعام : جزء آية 159 .

([9]) سورة آل عمران : جزء من آية 105 .

([10]) سورة آل عمران : جزء من آية 103 .

([11]) سورة الزخرف : آية 21 - 24 .

([12]) أخرجه أبو داود فى السنن : كتاب الأدب – باب العصبية ح (5121) ج4 /332 ، وفى سنده روح بن      صلاح ويقال له: روح بن سيابه ، قال فيه الجرجانى : وأظن أنه مصرى ضعيف : انظر : الكامل فى ضعفاء الرجال       ج3 ص146 ، دار الفكر – بيروت ، ط3 ، سنة 1409هـ ـ 1988م  .

([13]) سيد قطب : فى ظلال القرآن ، ج3 ص1529 .

[14] الوطن: الصفحة الأولى: عدد الأربعاء 13 من المحرم 1431هـ - 30 ديسمبر سنة 2009م.



 

إشراقات من مكتبة الآل والأصحاب

taweya-007.jpg

كتاب:أولئك مبرؤون: بحث تأصيلي في نقض الشبهات المثارة حول بعض الصحابة

إعداد: سائد صبحي قطوم الباحث بمركز البحوث والدراسات بالمبرة                                  

أصدرته: مبرة الآل والأصحاب , الكويت: 1430 هـ ـ 2009 م.

       السلسلة الثالثة :  "سلسلة قضايا التوعية الإسلامية (7)"

الوصف المادي: الكتاب من القطع المتوسط , عدد صفحاته 263 صفحة.

 الطبعة: التي بين أيدينا هي الطبعة الأولى للكتاب، (الجزء الأول).

هذا الكتاب هو السابع في السلسلة الثالثة التي أصدرتها المبرة والتي تهتم بالتوعية الإسلامية،  وتوضيح الحقائق والمفاهيم حول الآل والأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، كما تهتم بغرس حب ذلك الجيل الطاهر الطيب من الآل والأصحاب في نفوس جميع أبناء الأمة الإسلامية.

وقد أحسن المؤلف تحرير النص ويحسب له هذا الجهد الطيب والذي ينطلق من قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الذي رواه الترمذي: " من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " .

 تقرأ في الكتاب:

من الشخصيات الجليلة التي عني المؤلف بالذبِّ عن حياضهاالصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنه والشبهات المتعلقة به رضي الله عنه والرد عليها، الصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه والشبهات المتعلقة به رضي الله عنه والرد عليها، الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه والشبهات المتعلقة به رضي الله عنه والرد عليها.

فالكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن مناقشة هادئة ومحاورة بناَّءة لما أثير من شبهات حول بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ذلك الجيل الذي تربَّى على عين النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا خير القرون وأفضل البشر بعد الأنبياء، ولم ولن يأتي أحد يساميهم في العلم والفضل والدين والخلق، فعن طريقهم عرفنا الإسلام، وأنقل إلينا القرآن، لولا أن جَّندهم الله لنا لكنا في غيابات الجهل متردين، وفي ظلمات الباطل حائرين، فمن لم يعرف لهم فضلهم وسابقتهم وجهادهم وإخلاصهم فقد ظلم نفسه، وخالف عقله وجعله حبيس التبعية والتقليد والتعصب البغيض.

وأخيراً يجب أن تعلم عزيزي القارئ: أن محبة الآل والأصحاب رضي الله عنهم واجبة وبغضهم نفاق والعياذ بالله، اللهم إنا نشهدك أنا نحبك ونحب رسولك صلى اله عليه وآله وسلم ونحب آل بيته الأطهار وصحابته الأبرار ونحب من تحبهم فلا تحرمنا اللهم أجر هذا الحب "حب الصحابة والقرابة" فحبهم طاعة نلقى بها ربنا إذا أحيانا. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.     

                              أمين مكتبة مبرة الآل والأصحاب: محمد فتح الله الجندي