من درر علامة الكويت

الشيخ يوسف بن عيسى القناعي

قال الشيخ يوسف القناعي رحمه الله ( في الملتقطات ج 1 ، ص 59 ، وكرره في ج 5 ، ص 357 – 358 ) :

(إنّ المسلمين لم يقنعوا من المشائخ والقبور ، وقد شاهدت بنفسي في العراق والهند أموراً منكرة لا يقرها الشرع ، ولا يقبلها عقل . .

رأيت أناساً يستغيثون بصاحب القبر الميت ، ويطلبون منه ما هو تحت تصرف الخالق ..

ورأيت أناساً يتمرغون على الأعتاب . .

ويصيحون بطلب مرادهم من صاحب القبر . .

وأناساً يضعون السلاسل في أعناقهم . .

وأناساً يدخلون أيديهم في شبابيك القبر رافعين الأصوات يطلبون من صاحب القبر الفرج..

وأهل العمائم ينظرون إلى هؤلاء البلهاء ويلتمسون لهم القبول، والشباب المتعلم ينظر إلى هذه السخافات ولا يفوه بِبِنْتِ شَفَة. فرحماك يا رب من هذه العقول السخيفة وهل يُرجى للمسلمين حياةٌ، والسوادُ الأعظمُ هذه نهايةُ مَدَارِكِهِ؟! خرافات وأوهام تعيب العقل والعلما ء) . اهـ

ويقول الشيخ يوسف ضمن كلامه في التفسير أول الجزء الثالث (ص 245) من الملتقطات :

(محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله الله بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيراً، يبشر المؤمنين بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، وينذر الكافرين الذين أشركوا بالله ما لم ينزل عليهم سلطانا فعبدوا الأصنام وقالوا { هؤلاء شفعاؤنا عند الله }[ يونس: 18] وهل يعقل أن الوثن الذي لا يسمع ولا يعقل ولا يبصر يكون شفيعاً لهم عند الله ؟!

ومثل هؤلاء القبوريين الذين يعتقدون أن صاحب القبر ينفع ويضر .

ويطلبون منه ما هو من خصائص الله تعالى : من تفريج الكروب ، وسعة الرزق ، وإيقاع الضرر بالأعداء .

فويل لهم من هذه الغواية ثم ويل، وويل لعلماء السوء الذين يرونهم ويسمعون هذه المناكر ولا ينكرون عليهم هذا الاعتقاد ولا يرشدونهم إلى الطريق المستقيم ) . اهـ

 

 

 



إخْلاَصُ العبَادَةِ لله

المناشيتات

1- اتفقت روايات طوائف المسلمين على أنّ دعاء غير الله والاستغاثة به عند الشدائد شرك

2- الآل والأصحاب حريصون جد الحرص على اقتفاء أثر نبيهم صلى الله عليه وسلم في حماية جناب التوحيد

3- الشيخ محمد جواد مغنية: الاعتقاد بأنّ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يملك لنفسه شيئاً فضلاً عن أن يملكه لغيره هو نتيجة حتمية لعقيدة التوحيد

4- السيد محمد حسين فضل الله: إنّ الإنسان لا يحتاج في حديثه مع الله وفي طلبه منه إلى أية واسطة من بشر أو غيره

لا واسطة بين العبد وربه

إنّ المتأمل في كتاب الله يلاحظ كثرة الآيات التي تحكي أسئلة طرحها الناس وإجابات إلهية عليها.

فلما سأل الناس عن الأهلة قال الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} البقرة آية 189.

ولما سألوا عن الإنفاق قال الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ} البقرة 215.

ولما سألوا عن القتال في الشهر الحرام قال الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ الله وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة 217.

ولما سألوا عن الخمر والميسر قال الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} سورة البقرة 219.

ولما سألوا عن القيامة قال الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ الله وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الأعراف 187.

لكنهم لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى ، كيف يدعونه وما الطريق إليه ، جاءتهم الإجابة دون كلمة (قل) لتعلن الآية أن لا واسطة بين العبد وربه ، وأنّ الله تعالى قريب من عباده يجيبهم إذا دعوه واستجابوا لأمره.

يقول رب العزة والجلال {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} البقرة آية 186.

وللسيد محمد حسين فضل الله تعليقٌ جميلٌ يقول فيه: ( لا واسطة بين العبد وربه في خطابه وسؤاله له ، وقد نلاحظ في التوجه الإنساني بوحدانية العبادة والاستعانة.. في خطاب العبد لربه في هذه الآية الكريمة {إياك نعبد وإياك نستعين}.. أنّ الإنسان لا يحتاج في حديثه مع الله وفي طلبه منه إلى أية واسطة من بشر أو غيره، لأنّ الله لا يبتعد عن عبده ولا يضع أي فاصل بينه وبينه.. إلا ما يضعه العبد من فواصل تبعده عن مواقع رحمته، وتحبس دعاءه عن الصعود إلى درجات القرب من الله.. بل أراد لعباده أن يدعوه بشكل مباشر ليستجيب لهم، وحدثهم عن قربه منهم بحيث يسمع كلامهم حتى لو كان يمثل الهمس أو في مثل وسوسة الصدور، وذلك قوله تعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} وقوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}تفسير من وحي القرآن 25/65-66.

وقد أعجبني فيما قرأت له تصريحاً لمجلة المعارج (عدد 28) يقول فيه:

)أنا أتصور أنَّ هناك نوعاً من الصنمية اللاشعورية الموجودة لدى المؤمنين من مسلمين ومسيحيين للشخصيات التي يقدسونها من خلال هذه الأشكال التي قدمناها إليهم وإعتبرناها طقوساً ومقدسات، بحيث ينتقل الإنسان عن القيمة الدينية أمام الصورة المادَّية. وحتى مسألة تعليق الإنسان في صدره أيقونه، حتى أنَّ بعضهم يعلّق صورة السيد المسيح، أو العذراء، ونجد عندنا من يعلّق صورة الإمام علي، أو صورة بعض الشخصيات).

قالها أنبياء الله فماذا تقول أنت؟

عندما أنكر إبراهيم عليه السلام على قومه دعاءهم أصنامهم وتقديمهم القرابين لها {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ}الأنبياء آية 66، نعم .. كيف تدعون وتستغيثون من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً !

وقالها الله تعالى عن رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ الله وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الأعراف آية 188.

قال الشيخ محمد جواد مغنية في تفسير الكاشف 3/431: ({قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله} ، هذه عقيدة المسلمين بنبيهم محمد أشرف خلق الله أجمعين ، لا يملك لنفسه شيئاً فضلاً عن أن يملكه لغيره ، وهذا الاعتقاد بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو نتيجة حتمية لعقيدة التوحيد ، {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} ، إنّ كلمة الغيب لا تدل على معناها فحسب ، بل تدل أيضاً على أنّ الغيب لله وحده ، وبالإضافة إلى هذه الدلالة فإنّ أقرب الناس إلى ربه يعلن للأجيال بأنه أمام الغيب بشر لا فرق بينه وبين غيره من الناس ، ثم لا يكتفي بهذا الإعلان بل يستدل على ذلك بالحس والوجدان ، وهو أنه لو علم الغيب لعرف عواقب الأمور ، فأقدم على ما تكون عاقبته خيراً ، وأحجم عما تكون عاقبته شراً ، وما أصابه في هذه الحياة ما يسوؤه ويكرهه، وكيلا يقول قائل: كيف لا يعلم محمد الغيب وهو الرسول المقرب من الله؟ قال محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله {إن أنا إلا بشير ونذير لقوم يؤمنون} ، إنه رسول الله ، ما في ذلك ريب ، ولكن مهمة الرسول تنحصر بتبليغ الناس رسالات ربهم، وإنذار من عصى بالعقاب ، وبشارة من أطاع الله بالثواب ، أما علم الغيب والنفع والضر فبيد الله وحده).

وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ الناس أنه لا يملك لأحد نفعاً ولا ضراً ، فقال تعالى في سورة الجن {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا}آية 20-21.

أئمة أهل البيت لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً

وهذا الإمام جعفر الصادق يعلنها صراحة ، أمام الناس جميعاً ، من شاهدَهُ وصَحِبَهُ ، ومن سَمِعَ به ولم يَرَهُ، يقول بكل وضوح:

(والله ما نحن إلا عبيد.. ما نقدر على ضر ولا نفع ، إن رَحمِنَاَ فبرحمته ، وإن عَذَّبنَا فبذنوبنا، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون ... أشهدكم أني امرؤٌ ولدني رسول الله وما معي براءة من الله ، إن أطعتُ رحمني وإن عصيتُ عذبني عذاباً شديداً ) بحار الأنوار 25/289

 .

ويقول في دعائه لربه عز وجل: (اللهم لا تجهد بلاءنا ، ولا تشمت بنا أعداءنا ، فإنك أنت الضار النافع) قرب الإسناد ص4 حديث رقم (10) .                                      

وقد كان حفيده الإمام الرضا يقول في دعائه: ( اللهم إني أبرأ إليك من الحول والقوة ، فلا حول ولا قوة إلا بك.

اللهم إني أبرأ إليك من الذين ادَّعَواْ لنا ما ليس لنا بحق. اللهم إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا. اللهم لك الخلق ومنك الأمر ، وإياك نعبد وإياك نستعين . اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الآخرين. اللهم لا تليق الربوبية إلا بك ، ولا تصلح الألوهية إلا لك ، فالعن النصارى الذين صغّروا عظمتك ، والعن المضاهين لقولهم من بريتك.

اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك ، لا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. اللهم من زعم أننا أرباب فنحن إليك منه براء ، ومن زعم أنّ إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن إليك منه براء كبراءة عيسى - عليه السلام - من النصارى. اللهم إنا لم ندعهم إلى ما يزعمون ، فلا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما يزعمون) (1).

فانظر إلى شهادة الإمامين الصادق والرضا الواضحتين في الدلالة على أنّ الله تعالى هو وحده النافع الضار وأنّ الإمام من آل البيت إنما هو عبد لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً ، وأنّ من زعم غير ذلك فقد كذب على الأئمة عليهم السلام ونسب إليهم ما لا ينسبونه لأنفسهم.

 

{يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا}

يقص لنا القرآن أخبار الأمم السابقة ليس على سبيل التسلية بل للعبرة والاتعاظ والنهي عن التشبه بأفعال أهل الضلال لئلا ننتهي إلى ما انتهوا  إليه.

لقد قصّ الله تعالى على أهل الإيمان خبر المشركين الذي أرسل إليهم رسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لينير بصائرهم وينتشلهم من الشرك إلى الإيمان.

فأخبر أنّ أولئك المشركين كانوا مؤمنين بأنّ الله تعالى هو خالق السموات والأرض ، الذي يخرج الحي من الميت ويدبر الأمر ، فقال عز من قائل {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنّ خلقهن العزيز العليم} الزخرف آية 9

وقال تعالى‏ ‏{‏قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لله قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ . قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . سَيَقُولُونَ لله قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ . قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لله قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏}المؤمنون آية 84-89

وقال تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ الله فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏} العنكبوت آية 61-63.

وقال أيضاً {قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السّمَاءِ وَالأرضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولونَ الله قُلْ أفَلا تَتَّقُون}سورة يونس آية 31.

إذن أين المشكلة؟!

لقد كان هؤلاء مقرين بأنّ الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت لكنهم كانوا يصرفون بعض أنواع العبادات لغيره كما قال الله تعالى{ويَعْبُدُونَ مِنْ دوُنِ اللهِ مَا لايَنْفَعُهُمْ شَيْئَاً وَلايَضُرُّهُمْ ويَقُولوُنَ هَؤلاءِ شُفَعاؤنَا عِنْدَ الله} يونس آية 18.

كانوا يقولون: إنّ الله تعالى عظيم ونحن مذنبون ، ولا بد لنا من وسطاء بيننا وبين الله ، فاتخذوا وسائط بينهم وبين الله تعالى صرفوا لهم الدعاء والاستغاثة والقرابين والنذور.

لو جاز لك أن تسألهم: أتؤمنون بأنّ أصنامكم هذه آلهة بحق أم أنها وسائط بينكم وبين الله تعالى ، وأنها آلهة مملوكة لرب العالمين؟

فإنهم سيجيبونك بقولهم: بل مملوكة لرب العالمين ، وإنما صرفنا لها دعاءنا واستغاثتنا وذبائحنا ونذورنا لتقربنا إلى الله تعالى!

يقول الله تعالى حاكياً قولهم هذا {ألا لله الدين الخالص. والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} الزمر آية 3.

يقول ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة 1/119) عن مشركي مكة: (كانوا في عبادة الأصنام مختلفين، فمنهم من يجعلها مشاركة للبارئ تعالى ، ويطلق عليها لفظة الشريك ، ومن ذلك قولهم: في التلبية (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك) ، ومنهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك ، ويجعلها وسائل وذرائع إلى الخالق سبحانه ، وهم الذين قالوا {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }).

إنّ الله تعالى قد بين لنا في كتابه التناقض الشديد الذي عاشه المشركون حين تداهمهم الكروب والملمات فيلجأون بفطرتهم التي فطرهم الله عليها إلى الله وحده دون غيره ، مخلصين له الدعاء والاستغاثة ، حتى إذا ما كشف الكرب عنهم عادوا إلى شركهم ، وجعلوا لله أنداداً وهم يعلمون أنه سبحانه النافع الضار!

قال تعالى{وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه}هذا هو دعاء الفطرة ! ثم يقول {ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أنداداً }الزمر آية 8.

{وإذا مسّكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} الإسراء آية 67 ،هذا هو دعاء الفطرة ، ثم يقول {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم، وكان الإنسان كفوراً } الإسراء آية 67.

{قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ، بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} الأنعام آية 40.

{وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين}يونس آية 22.

{فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}العنكبوت آية 65.

{وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} لقمان آية 32.

{قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين}الأنعام آية 63.

{وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه}يونس آية 12.

{وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون } الروم آية 33.

إنّ (لا إله إلا الله) لا تعني (لا خالق إلا الله) فحسب ، فهذه يؤمن بها حتى الذين يحاربون الإسلام!

إنّ لها أبعاداً لم يألفها البشر إلا في مناهج الرسل التي دأب البشر على تحريفها وتشويهها بما ينسجم مع تصوراتهم المادية المحدودة ، فاخترعوا الوسطاء بين الله وبين خلقه !

وما قصة قوم نوح إلا مثالاً واضحاً عن كيفية تحول فئة من أولياء الله كـ (ودّ) و(يغوث) و (يعوق) و(نسر) إلى آلهة تعبد وترتجى من دونه مع تعاقب الأجيال.

وقد روى ابن بابويه القمي في كتابه (علل الشرائع 1/3) عن حريز ابن عبد الله السجستاني عن جعفر بن محمد ، في قول الله عزوجل {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً} قال: كانوا يعبدون الله عزوجل فماتوا ، فضج قومهم وشق ذلك عليهم فجاءهم ابليس لعنه الله فقال لهم: أتخذ لكم أصناماً على صورهم فتنظرون إليهم وتأنسون بهم وتعبدون الله ، فأعد لهم اصناماً على مثالهم فكانوا يعبدون الله عز وجل وينظرون إلى تلك الأصنام ، فلما جاءهم الشتاء والأمطار أدخلوا الأصنام البيوت فلم يزالوا يعبدون الله عز وجل حتى هلك ذلك القرن ونشأ أولادهم فقالوا: إنّ آباءنا كانوا يعبدون هؤلاء ، فعبدوهم من دون الله عزوجل فذلك قول الله تبارك وتعالى {ولا تذرن وداً ولا سواعاً} الآية (2).

إنّ عبارة (لا إله إلا الله) أسهل ما يمكن أن تكون على اللسان لكن دلالتها أكبر مما يتصور البعض اليوم، ولهذا قال الله تعالى {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} ولم يقل (فقل لا إله إلا الله) ، لأنّ المطلوب هو الإقرار بما تتضمنه (شهادة أن لا إله إلا الله) باطناً وظاهراً.

فـ(لا إله إلا الله) تعني (لا معبود في الكون يستحق أن يعبد إلا الله) ، (لا رازق إلا الله) ، (لا مدبر إلا الله)..

لا نخشى إلا الله ، لا نتوكل إلا على الله ، لا نرجو إلا الله ، لا نخاف إلا الله ..

لا نلجأ إلا إليه ، ولا نتضرع إلا إليه ..

لا نرفع أكفنا بالدعاء إلا إليه ...

لا نرفع أيدينا لغيره ، ولا لأنبيائه ولا لأوليائه !

لقد أرسل الله عز وجل الرسل ليطاعوا  .. لا ليستغاث بهم!  {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}آية 64.

أرسلهم الله ليكونوا واسطة التبليغ عنه ، لا ليكونوا واسطة التبليغ إليه !

فهم رسل الله إلينا ، وليسوا رسلنا إلى الله !

يبلغوننا ما يريده الله منا ، ولا يبلغون الله ما نريده منه!

 

الهوامش

  1. الاعتقادات للشيخ المفيد ص99

  2. علل الشرائع لابن بابويه القمي (الصدوق) 1/3 ( باب: العلة التى من أجلها عبدت الأصنام)

 



إشراقات من مكتبة مبرة الآل والأصحاب

كتاب: صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

إعداد الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش

أصدرته مبرة الآل والأصحاب – الكويت 1430هـ / 2009م

السلسلة الثالثة: سلسلة قضايا التوعية الإسلامية (1)

الكتاب من الحجم المتوسط

عدد صفحاته: (59) صفحة / الطبعة الأولى

taweya-003.jpg

 

يأتي هذا المؤلَّف في سياق التوعية الإسلامية التي تهدف إلى ترسيخ حب الصحابة وآل البيت الكرام واطلاع القارئ الكريم على ما كانوا يتحلون به من التعاطف والتآزر والتحابب ودحض ما يحاول البعض أن يدنس به أعراضهم ويقلل به من شأنهم

" كنَاطِحِ صخْرةٍ يوماً ليُوهَنِهَا              فَلَمْ يَضِرْهَا وأوهى قرنَه الوعِل "

فهذا البحث إذاً يهدف تثقيف القارئ بحقيقة سيرة الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم أجمعين ونشرها في المجتمع الإسلامي بعيداً عن المزايدات والمغالطات فهو يدخل في صميم أهداف المبرة. 

 

تقرأ في هذا الكتاب " مقدمة ذكر فيها الباحث أن الأمة تعيش صحوة رغم مضايقة الأعداء لها وأنها لن تنتصر عليهم (الأعداء) إلا بمجاهدة ومصابرة، ثم ذكر أن أهم أسباب الاختلاف بين الأمة هو ركام التاريخ الهائل الذي أحسن القصاصون سبكه فأُحْسن استغلالُه، ثم ذكر أنه يجب على المسلمين بيان الحق والذب عنه وأن ذلك هو السبب في كتابته لهذه الرسالة.

ثم بعد ذلك جاء بفصلين وخاتمة تعرض فيهم لمهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مستشهداً بالآيتين :"([1]) ربنا وابعث رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة.." " هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم.."([2])

داعياً إلى التأمل في مدلول هاتين الآيتين حيث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد علم الصحابة الكتاب والحكمة وزكاهم ورباهم أحسن تربية فكانوا هم خيرة الناس وكانوا جيلاً فريداً اختارهم الله تعالى لصحبة رسوله مما يسد الباب أمام من يريد الطعن فيهم، ثم سرد بعض المواقف التي عاشها الرسول الكريم مع أصحابه الكرام وما أنزل فيهم من آيات تدل دلالة واضحة على المحبة والترابط بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مستدلاً ببعض المواقف في غزوة بدر وأحد والخندق وفي صلح الحديبية واستقبال الوفود داعياً إلى التدبر والتفكر في كل تلك المواقف.

إنه بحث رائع بكل المقاييس استطاع صاحبه أن يحيط بالموضوع مع الاختصار دونما إفراط أو تفريط. فجزاه الله خيراً.



([1]) سورة البقرة (129)

([2]) سورة الجمعة (2)