النقد البناء عند الآل والأصحاب

 

مانشيتات :

  • المؤمن مرآة لأخيه المؤمن

  • النقد علاقة مبنية على الاحترام بينالطرفين وليس وسيلة تشويه للطرف المنتقد.

  • قبل النقد لابد أن يحاسب الإنسان نفسه ويراجع حياته ويتأمل سلوكه.

  • لكي ينضبط النقد يجب أن يعتمد على أصول شرعية وعقلية.

  • النقد الإيجابي مهم لتقييم أداء الأشخاص ودفع المسيرة إلىالأمام.

     

    قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران، الآية 135. تتحدث الآية الكريمة عن صفات المؤمنين وخصائصهم، وتذكر أن من صفات المؤمنين وخصائصهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ فالمؤمن ليس مَلَكاً وإنما بشر، وإذا كان الملك خالياً من دوافع الشهوة ومن بواعث الخطأ والانحراف فإن في طبيعة البشر ذلك، فبالتالي فإن الخطأ وارد في حياته إلا من عصمه الله، والعصمة هي حالة استثنائية اختص الله بها من يشاء لتبليغ رسالته، ولكي يكونوا قدوات وهداة لعباده، أما سائر الناس فهم بشر يصيبون ويخطئون.

    قبل التعرف على النقد البناء عن الآل والأصحاب يجب أن نعرف النقد البناء ؟

    هو النقد الإيجابي ويعتبر من العملات النادرة، فقد يستغرق الإنسان عمراً طويلاً وزمناً مديداً كي يجد شخصاً يقدم له نقداً إيجابياً بناءً. وليس النقد الإيجابي هو الثناء والمديح والتزكية ولكنه بذل جهد لوصف العمل وذكر سلبياته وإيجابياته بوجه منضبط . فهو الذي يدفع المركبة إلى الأمام ويعطي الإنسان قدرة على الإنتاج والتطور ويرتقي به دون أن يدمره، فلا يكون هدفه إسقاط الآخرين أو إبراز ذاته من خلال نقده. النقد البناء ما كان بعيداً عن الهوى والتعصب والأحكام المسبقة ، بل لابد أن يكون هناك تجرد وإنصاف ومحاولة بناء نقدك على أصول شرعية أو عقلية كي ينضبط الأمر لديك. كثير من الجدل يبرز ويظهر بسبب أن النقد كان سببه الجهل أو الهوى والتعصب فلكي يصبح نقدك مقبولاً ومحترماً لابد أن يكون مبنياً ومرتكزاً على أصول علمية صحيحة بعيدة عن الجهل والهوى. والفارق بين المؤمن وغيره هو في التعامل مع الخطأ، فهو يقع في الخطأ ولكن لا يصر عليه وإنما يتراجع عنه..قال تعالى:﴿إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ ويقصد بها ما اشتد قبحه من الذنوب، ﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي ارتكبوا ذنوباً صغيرة. والفاحشة الاعتداء على حقوق الآخرين، فهم يظلمون أنفسهم فيما يرتبط بعلاقتهم مع الله، بتقصيرهم في واجباتهم تجاه الله ، ففي الآية الكريمة إشارة إلى أن المؤمن إذا اكتشف الخطأ لا يصر عليه.

    وهناك أكثر من تعريف للنقد فهو عملية معقدة وجوهرية ومؤثرة وهو إما سبيل بناء علاقة جيدة مبنية على الاحترام بين الطرفين أو وسيلة تشويه للطرف المنتقد وهنا تخرج العملية من أسسها ومفاهيمها .... والنقد الإيجابي والجوهري مهم لتقييم أداء الأشخاص ودفع المسيرة إلى الأمام . الهدف منه الخروج بتقييم موضوعي ومحايد للأفكار والتصرفات حيث يستوجب مع النقد وجود القدرة على التميز أو الحكم .

    من صور النقد البناء عند الآل والأصحاب :

    روى أحمد في مسنده  بسنده :

    عن أبي أمامة قال أن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا مه مه فقال أدنه فدنا منه قريبا قال فجلس قال أتحبه لأمك قال لا والله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال أفتحبه لابنتك قال لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لبناتهم قال أفتحبه لأختك قال لا والله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لأخواتهم قال أفتحبه لعمتك قال لا والله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لعماتهم قال أفتحبه لخالتك قال لا والله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال فوضع يده عليه وقال اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء ( رواه أحمد في المسند: ح(22265) وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح ).

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرفق النّاس بالعصاة، ولا تمنعه معصية أحدهم أن يفتح له قلبه، وينظر له نظرة الطبيب إلى المريض، وليس نظرة الشرطي إلى المجرم، إن نقده لما أراد الشاب أن يقدم عليه كان نقدا بناءً، نقد من يريد الخير والهداية لا من يبحث عن العقاب والعذاب.

    عذاب الله في الدنيا :

    وروى أحمد أيضا في مسنده بسنده عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل على رجل من أصحابه يعوده وقد صار كالفرخ فقال له هل سألت الله عز و جل قال قلت اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله في الدنيا فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم لا طاقة لك بعذاب الله هلا قلت اللهم ربنا أتنا { في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار {.

    رواه أحمد في المسند: ح(14099) وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم.

    وهاهو الصديق يفتح باب النقد عليه وهو خليفة المسلمين ويعلنها صريحة بقوله: أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وان اسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة. ( البداية والنهاية:5/248).

    العتق والولاء :

    وروى النسائي بسنده عن عائشة قالت : كاتبت بريرة على نفسها بتسع أواق في كل سنة بأوقية فأتت عائشة تستعينها فقالت لا إلا أن يشاؤا أن أعدها لهم عدة واحدة ويكون الولاء لي فذهبت بريرة فكلمت في ذلك أهلها فأبوا عليها إلا أن يكون الولاء لهم فجاءت إلى عائشة وجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك فقالت لها ما قال أهلها فقالت لا ها الله إذا إلا أن يكون الولاء لي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما هذا فقالت يا رسول الله إن بريرة أتتني تستعين بي على كتابتها فقلت لا إلا أن يشاؤا أن أعدها لهم عدة واحدة ويكون الولاء لي فذكرت ذلك لأهلها فأبوا عليها إلا أن يكون الولاء لهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ابتاعيها واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق ثم قام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله عز و جل يقولون أعتق فلانا والولاء لي كتاب الله عز و جل أحق وشرط الله أوثق وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط فخيرها رسول الله صلى الله عليه و سلم من زوجها وكان عبدا فاختارت نفسها قال عروة فلو كان حرا ما خيرها رسول الله صلى الله عليه و سلم .( رواه النسائي في الكبرى: ح(5644) قال الشيخ الألباني : صحيح ).

    محاسبة النفس أو النقد الذاتي:

    من خلال الأمثلة السابقة لابد أن يحاسب الإنسان نفسه ويراجع حياته ويتأمل في سلوكه سواء أكان في الأمور الدينية أو الأمور الأخرى، حتى يعرف نقاط الضعف والقوة، وليستطيع أن يتجاوز نقاط الضعف، ويركز نقاط القوة، وهذه المسألة تمكنه من اكتشاف الخطأ وتجاوزه. وهناك أيضاً مجتمعات تنقد نفسها، ومجتمعات أخرى تنقد الآخرين، وأغلب مجتمعاتنا الإسلامية مبتلاة بهذه الحالة، فهذه حالة عامة في المجتمعات المتخلفة. ينتبهون إلى عيوب غيرهم ،والمجتمعات المتقدمة يمارسون النقد الذاتي لأنفسهم بجرأة ويعترفون بمكان الخطأ. إذن فالنقد الذاتي في الفرد والمجتمع يحتاج إلى جرأة وشجاعة وإخلاص للحقيقة، والإنسان الذي ليس عنده إخلاص للحقيقة فهو يكابر حتى لو بان له الخطأ واضحاً كوضوح الشمس ، وتشير الآية إلى هذا ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ﴾ أي عرضوا أعمالهم على شرع الله وتصرفاتهم على أمر الله فيكتشفون أين الخطأ والصواب ، والمحاسبة مسألة مهمة حتى  يفكر الإنسان في أعماله وتصرفاته.

    قبول النقد من الآخرين :

    فالإنسان لا يرى أخطاء نفسه، فمثلاً عندما يريد الإنسان أن يرتدي لباسه فهو لا يرى نفسه بل يحضر له مرآة لتبرز له إذا كان هناك خلل وخطأ فيرتاح من دور هذه المرآة. ولو جاء إنسان ونظر إلى وجهه ورأى فيه شيئا لا يحبه فهو يتضايق منها فيأخذها ويكسرها مع أن المفروض أن يرتاح لأنها كشفت له وجود شيء يجب إزالته. فالآخرون بالنسبة لنا يمكن أن يقوموا بهذا الدور (دور المرآة). وقد ورد في الحديث: «المؤمن مرآة لأخيه المؤمن»[1]  أي يكتشف من خلاله عيوبه ونقاط ضعفه، فينبغي أن تكون نفسيته مهيأة لقبول النقد من الآخرين. نحن تربينا في مجتمعاتنا على أن تكون نفوسنا شفافة لا تتحمل النقد ونعتبره إهانة ، وهذا خطأ فهو تقويم وتصحيح وهداية وإرشاد، لأن الإنسان إما أنه لا يبصر الخطأ، أو لأن هناك عوامل وأسباباً تحول دون معرفته به فنصيحة الآخرين تساعده على تجاوز هذه الحالة.



الأنصار المهاجرون

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين أما بعد : إننا هنا أمام أربعة من الصحابة قيل فيهم مهاجري أنصاري . وكان لهم عظيم البلاء في الإسلام وهم ممن تقدم إسلامهم . رضي الله عنهم وأرضاهم وجمعنا الله معهم في جنات النعيم . ونذكر لك هنا أسماءهم وأسطرا من سيرهم ونسأل الله أن ينفعنا وإياك بذلك . آمين .

1- ذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي شهد العقبة الأولى والثانية ثم خرج من المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان معه بمكة وكان يقال له: مهاجري أنصاري، وشهد بدراً وقتل يوم أحد شهيداً قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق فشد علي ابن أبي طالب رضي الله عنه على أبي الحكم بن الأخنس بن شريق وهو فارس، فضرب رجله بالسيف فقطعها من نصف الفخذ، ثم طرحه عن فرسه فذفف عليه . [1]

2- زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان بن عامر بن عدي بن أمية بن بياضة الأنصاري البياضي، من بني بياضة بن عامر بن زريق، قال الواقدي: يكنى أبا عبد الله خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام معه بمكة حتى هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فكان يقال: لزياد مهاجري أنصاري. شهد العقبة وبدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على حضرموت. مات في أول خلافة معاوية . [2]

3- عباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج شهد بيعة العقبة الثانية. وكان ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وشهد بيعة العقبتين ، وقيل: بل كان في النفر الستة من الأنصار الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأسلموا قبل سائر الأنصار، وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها حتى هاجر إلى المدينة، فكان يقال له: مهاجري أنصاري. قتل يوم أحد شهيداً ولم يشهد بدراً وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة بينه وبين عثمان بن مظعون . [3]

4- عقبة بن وهب بن كلدة الغطفاني حليف لبني سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج شهد العقبتين وبدراً ، قال ابن إسحاق وكان أول من أسلم من الأنصار ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فلم يزل هنالك حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة مهاجراً فهاجر معه، فكان يقال له: مهاجري أنصاري، شهد بدراً وأحداً وقيل: إن عقبة بن وهب هذا هو الذي نزع الحلقتين من وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد. وقيل: بل نزعهما أبو عبيدة[4]

 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه .



[1]أسد الغابة 1/393 – والذفُّ : هو الاجهاز على الجريح ( راجع : الصحاح للجوهري 4/1362 ) .

[2]الاستيعاب 1/158

[3]الاستيعاب 1/244

[4]أسد الغابة 1/778



أبو عبيدة بن الجراح شجاعة فريدة في أوقات عصيبة:

 

  • شهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ص

  • فاتح دمشق وبيت المقدس

  • حياة جهاد وكفاح وطاعة وفداء لرسول الله ص

     

    هو أبوعبيدة بن الجراح س  أحد السابقين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد المشاهد كلها، وأبلى فيها بلاءً حسناً وكانت له فيها صولات وجولات، ولم تقتصر مشاركاته على عهد النبي ص فقط، بل إنه t شارك في كثيرٍ من الفتوحات، إما جندياً في الصفوف أو قائداً للجيوش، وكانت السمة الغالبة عليه آنئذ هي الشجاعة بكل ما تعنيه، الشجاعة في القتال، الشجاعة في اتخاذ القرار وإمضائه، الشجاعة حتى عند الموت.

    يقول ابن سعد عن أبي عبيدة: ثم قدم فشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ص، وبعثه رسول الله ص في سرية في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار إلى حي من جهينة بساحل البحر وهي غزوة الخَبَط([1]).      

    ومن غزواته التي شهدها في حياة النبي ص:

     بعث النبي ص له في سرية إلى ذي القصة في ربيع الآخر من السنة السادسة من الهجرة.

    وعن هذه الغزوة يقول ابن سعد في الطبقات: سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله ص، قالوا: أجدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين، والمراض على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة، فسارت بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة وهو يرعى بها في موضع على سبعة أميال من المدينة، فبعث رسول الله ص أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلاً من المسلمين حين صلُّوا المغرب، فمشوا إليهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأصاب رجلاً واحداً فأسلم وتركه،فأخذ نعماً من نعمهم، فاستاقه ورثة من متاعهم وقدم بذلك المدينة، فخمسه رسول الله ص، وقسَّم ما بقي عليهم([2]).

     

    غزوة ذات السلاسل:

     روى البيهقي في الدلائل بسنده عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي عن غزوة ذات السلاسل من أرض بلي وعذرة، قال: بعث رسول الله ص عمرو بن العاص ليستنفر العرب إلى الإسلام، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت امرأة من بلي، فبعثه رسول الله ص إليهم يستألفهم بذلك، حتى إذا كان  على ماء بأرض جذام يقال لها: السلاسل،وبذلك سميت تلك الغزاة ذات السلاسل، فلما كان عليه خاف فبعث إلى رسول الله ص يستمده، وبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر، وقال لأبي عبيدة حين وجَّهه: «لا تختلفا»، فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو: إنما جئت مدداً إلي، فقال أبو عبيدة: لا، ولكني على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه، وكان أبو عبيدة رجلاً ليناً سهـلاً هيناً عليه أمـر الدنيا، فقـال لـه عمـرو: بـل أنـت مـدد لي، فقال لـه  أبو عبيدة: يا عمرو، إن رسول الله ص قال: « لا تختلفا »، وإنك إن عصيتني أطعتك فقال له عمرو: فإني أمير عليك، وإنما أنت مدد لي قال: فدونك. فصلى عمرو بالناس([3]).

    ومنها: بعث النبي ص له على سرية إلى حي من جهينة  وتسمى غزوة سيف البحر([4]).

    جهاده في خلافة الصِّدِّيق والفاروق ب

    أما عن جهاده في خلافة الصِّدِّيق والفاروق ب: فقد شهد أبو عبيدة معركة اليرموك، وكان قائداً فيها، إلا أن القيادة العامة كانت لخالد بن الوليد([5]).

    وفتح أبو عبيدة س دمشق وفتح بيت المقدس، وتوالت مشاهده t وكان فيها إما قائداً يقوم بدوره، وإما جندياً في صفوف المسلمين يقوم بدوره أتم قيام ويرجو لقاء ربه.

    وهكذا فقد كانت حياة أبي عبيدة س حياة جهاد وكفاح وطاعة وفداء، وقدم فيها أبو عبيدة نماذج مشرفة وصوراً مشرقة تعد بحق غرة في جبين الدهر ومثار فخر وإعزاز فرضي الله عنه وأرضاه. 

     

    أبو عبيدة س: كرم وكرامة

    إن للمولى جل وعلا سنن لا تتغير ولا تتبدل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ومن سننه تعالى أن العبد إذا سار في معية خالقه ممتثلاً أوامره مجتنباً نواهيه جنَّد الله له كل ذرات الكون، وصدق الله القائل: ( يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار )  ([6]).

    ولما كان أبو عبيدة ومن معه من المسلمين من جيل القدوة والتمكين سائرين على درب الخير والإيمان ليملأوا الدنا بالقرآن، ويفتحوا به أعيناً عُمياً وآذناً صُماً وقلوباً غلفاً، طوَّع الله لهم كل شيء.

    تأييد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين :

    وهـذا أمـر نلمحه جـلـيـاً في حـادثـة كـان بطـلـهـا أبـا عبيدة حينـمـا بعثـه رسول الله ص قائداً على سرية من ثلاثمائة رجلٍ من المهاجرين والأنصار إلى حي من جهينة بساحل البحر، وهي غزوة الخَبَطَ([7])، ويقصُّ علينا جابر بن عبد الله ما حدث في هذه السرية قائلاً:

    بعثنا رسول الله ص مع أبي عبيدة بن الجراح ونحن ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً وزودنا جراباً من تمرٍ فأعطانا منه قبضة قبضة، فلما أنجزناه أعطانا تمرة تمرة، فلما فقدناها وجدنا فقدها، ثم كنا نخبط الخبط بقسينا ونسفه ونشرب عليه من الماء حتى سمينا جيش الخبط، ثم أخذنا على الساحل فإذا دابة ميتة    مثل الكثيب يقال لها: العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة! لا تأكلوا، ثم قال: جيش رسول الله ص وفي سبيل الله ونحن مضطرون، فأكلنا منه عشرين ليلة،أو خمس عشرة ليلة، واصطنعنا منه وشيقة([8]). قال: ولقد جلس ثلاثة عشر رجلاً منا في موضع عينه، وأقام أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه فرحَّل أجسم بعير من أباعر القوم فأجازه تحته، فلما قدمنا على رسول الله قال: ما حسبكم؟ قال: كنا نبتغي عيرات قريش، فذكرنا له شأن الدابة، فقال: إنما هو رزق رزقكموه الله أمعكم منه شئ؟ قلنا: نعم([9]).

     

    وفي رواية البخاري: عن جابر بن عبد الله أنه قال: لما بعث رسول الله ص بعثاً قِبل الساحل، وأمَّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاثمائة، فخرجنا وكنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع، فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً، حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: ما تغني عنكم تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت، ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب([10])، فأكل منها القوم ثمان عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتهما فلم تصبهما([11]).

    إنَّ هذه الحادثة تدل دلالة صادقة على تأييد الله للمؤمنين، إنهم قد نفذ زادهم حتى أنهم أكلوا ورق الشجر من شدة جوعهم، وهم ذاهبون إلى حربٍ، والحرب تحتاج إلى شدةٍ، والشدة يلزمها - بجانب الإيمان - القوت، فكانت الكرامة أن أخُرج لهم حوت العنبر على ساحل البحر فأكلوا وسمنوا.

     



([1]) الطبقات الكبرى: 7/384. والخبط: ورق الشجر الذي يخبط لعلف الإبل. (عمدة القاري للعيني، 21، 108).

([2]) الطبقات الكبرى: 2/ 86 – تاريخ دمشق: 25/438.

([3]) دلائل النبوة للبيهقي: 5/20، ح (1739). – تاريخ دمشق:2/24. – البداية والنهاية: 4/312.

([4]) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، 2/517.

([5]) تاريخ دمشق: 2/158.

([6]) سورة غافر الآية «52».

([7]) سميت غزوة الخَبَط لأن الصحابة بعد أن فرغ طامهم كانوا  يتصيدون ورق الشجر فيسحقونه ويسفونه ويشربون عليه الماء من شدة الجوع.

([8]) الوشيقة هي: أن يأخذ اللحم فيغلي قليلاً ولا ينضج ويُحمل في الأسفار. (انظر: النهاية في غريب الحديث،5/189).

([9]) الطبقات الكبرى: 3/411.

([10]) الظرب: الجبل الصغير. (انظر: النهاية في غريب الحديث، 3/156).

([11]) رواه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة سيف البحر، ح(4102).



إشراقات من مكتبة الآل والأصحاب

كتاب: رموز من الأشراف آل بركات

الإعداد والتقديم والتنفيذ: الشريف طارق بن غالب بن عبدالله البركاتي

الإشراف على المراجعة والإخراج والطباعة: مركز البحوث والدراسات بمبرة الآل والأصحاب

أصدرته: مبرة الآل والأصحاب / الكويت 1428هـ / 2007م الطبعة الأولى

السلسلة الرابعة: سلسلة ذرية آل البيت الأطهار (1)

الحجم: من القطع الكبير

عدد الصفحات: (295) صفحة

albayet-006.jpg

 

من علامات محبة الصحابة والآل الأطهار الأخيار رضي الله عنهم الاهتمام بذريتهم التي تنسب إليهم إذ هي امتداد لهم وفي هذا السياق يأتي اهتمام مبرة الآل والأصحاب بطباعة هذا الكتاب والإشراف على إخراجه ومراجعته، إذ يأتي هذا الكتاب في سياق إثبات الإعجاز القرآني والنبوي الذي يتمثل بتحقيق قول الله تعالى: " إن شانئك هو الأبتر " وقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" فيأتي هذا الكتاب تأولاً لنص الكتاب والسنة.

كما يأتي اهتماماً بذرية آل البيت المتقدمين والوفاء لهم من خلال الاعتناء بنسب ذريتهم المتأخرين.

ولا شك أن هذا الكتب كتاب رائع ومفيد استطاع صاحبه أن يجمع من خلاله كل ما يحيط بنسب ذرية الشريف بركات ؛ فقدم لنا رموزاً منهم كان بعضهم إن لم نقل كثيراً منهم مغيباً عن دور البحث والنشر، وقد بذل جهداً لا يستهان به في سبيل إنجاز هذا الكتاب نتيجة لشح المعلومات وتفرقها بالإضافة إلى انعدام المراجع المتعلقة بالموضوع، إذ أصر وصمم على أن يكتب هذا الموضوع بدافع صلة الرحم والحب الكبير لآل البيت الكرام إضافة إلى التشجيع الذي لقيَه من بعض رموز هؤلاء الأشراف، وقد خرج البحث بحلته البهية هذه مستوفياً لكامل شروط البحث فجاء معَضَّداً بالصور الفوتوغرافية وبالمشجرات المبَِّينة والموضِّحة لنسب هؤلاء الأشراف الذين يبلغ العدد التقريبي لهم حسب حصر الباحث الكريم ستة ألاف وخمسة وخمسين نسمة (6055)، فجزى الله الباحث خيراً.