وجاءت العشر

المانشيتات :

  • كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ.

  • الحياة في الطاعة ألذ من الحياة في المعصية.

  • فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ.

  • فَالْتَمِسُوهَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ.

    الحمد لله والصلاة والسلام  على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد ،،، فها قد جاءت العشر الأواخر من شهر رمضان لتذكرنا ببعض الأمور والتي منها : قول الله عز وجل : ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (140)) آل عمران ، وبقوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ (185)) آل عمران ، وبقوله جل جلاله : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)) الرحمن ، بالأمس القريب كنا ننتظر شهر رمضان وهانحن في العشر الأواخر منه فهل من متعظ ومدكر ؟

    الإحسان وفعل الخير : قال الحسن البصري رحمه الله : يا ابن آدم إنما أنت أيام إذا ذهب يوم ذهب بعضك ! وأخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه والدنيا فَقَالَ : « مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ». رواه الترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وجاءت العشر لتذكرنا بالإحسان قال صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ » رواه مسلم.

    غدا توفي النفوس ما كسبت  --- ويحصد الزارعون ما زرعوا إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم  --- وإن أساءوا فبئس ما صنعوا

    الإحسان : « أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ » رواه البخاري. هكذا عرفه صلى الله عليه وسلم .

    فعليك بمراقبة الله في السر والعلن وفي القول والعمل وفعل الخيرات على أكمل وجه وابتغاء مرضاة الله عز وجل ، ومن إحسانك لنفسك أن تبعدها عن الحرام، ولا تفعل إلا ما يرضي الله، وبذلك تطهِّر نفسك وتزكيها، وتريحها من الضلال والحيرة في الدنيا، ومن الشقاء والعذاب في الآخرة، قال تعالى : (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (7)) الإسراء .

    الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ : وجاءت العشر لتذكرنا بأن الحسنات يذهبن السيئات ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (114) ) هود ، ويقول عز وجل :             ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)) النساء. ويقول صلى الله عليه وسلم : « اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ » رواه الترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ويقول صلى الله عليه وسلم : « الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ » رواه مسلم. فجاءت العشر لتقول لك ياعبدالله اتق الله والتزم بطاعته وابتعد عن معصيته يكفر عنك ما فات .

    أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

    فالحياة في الطاعة ألذ من الحياة في المعصية ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ) فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا (122) ) الأنعام . قال جعفر بن محمد رحمه الله : من نقله الله من ذل المعصية إلى عز الطاعة أغناه بلا مال وآنسه بلا أنس وأعزه بلا عشيرة.

     

    هذا الدليل لمن أراد --- غنى يدوم بغير مال وأراد عزا لم توطـ --- ده العشائر بالقتال ومهابة من غير سلـ --- طان وجاها في الرجال فليعتصم بدخوله --- في عز طاعة ذي الجلال وخروجه من ذلة الـ --- معاصي له في كل حال

هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العشر الأواخر :

وجاءت العشر لتذكرنا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها قالت عَائِشَة رضي لله عنها : كَانَ النَّبي صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ . رواه البخاري. وهذا دليل على اجتهاده صلى الله عليه وسلم في العبادة واعتزاله للنساء ودعوته لأهله لعبادة الله تعالى متمثلا قول الله عز وجل : ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ (132) ) طه. وكان صلى الله عليه وسلم يقول : « أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ في الدُّنْيَا عَارِيَةٍ في الآخِرَةِ » رواه البخاري. أي كاسية بنعم الله عز وجل في الدنيا عارية من شكره والإيمان به فهي عارية يوم القيامة من رحمته والعياذ بالله . ومن هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ . رواه البخاري . وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ.رواه مسلم.

ليلة القدر : وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يتحرى ليلة القدر ويقول : « فَالْتَمِسُوهَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ » . رواه البخاري. أي أنها تكون في الوتر من العشر الأواخر فيا سعادة من نال بركتها وحظي بخيرها فالمحروم من حرم خيرها قَالَ صلى الله عليه وسلم في فضائل شهر رمضان : « فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ». مسند أحمد 12/134 وصحح إسناده أحمد شاكر. ويستحب الإكثار من الدعاء فيها قالت عَائِشَةَ رضي الله عنها : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ « قُولِى اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى ». رواه الترمذي وقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقد تكون في ليلة السابع والعشرين وقد تكون في غيرها من ليالي الوتر من العشر الأواخر فاحرص على كل الليالي ياعبدالله ولاتكن ممن يأتي فقط في ليلة سبع وعشرين ويترك باقي الليالي !!!

رحمة الله سبحانه وتعالى : قال ابن رجب رحمه الله : العفو من أسماء الله تعالى، وهو يتجاوز عن سيئات عباده ، الماحي لآثارها عنهم ، وهو يُحبُ العفو ؛ فيحب أن يعفو عن عباده ، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض ، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه ، وعفوه أحب إليه من عقوبته ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول « أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ». رواه مسلم. قال يحيى بن معاذ : لو لم يكن العفو أحب الأشياء إليه لم يبتل بالذنب أكرم الناس عليه...وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ، ثم لا يرون لأنفسهم عملاً صالحاً ولا حالاً ولا مقالاً، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر . لطائف المعارف ص 230-231 . عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ رضي الله عنه قَالَ : قال النَّبِي صلى الله عليه وسلم « طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ في صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا ». رواه ابن ماجة ، قال الشوكاني في تحفة الذاكرين : إسناد ابن ماجه صحيح . فأكثر من طلب العفو والاستغفار يا عبدالله نسأله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ووحدانيته أن يعفو عنا وأن يغفر لنا خطايانا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 



استشهاد علي بن أبي طالب t

حديثنا اليوم حول استشهاد فارس من فرسان الإسلام، بحر من بحوره، شمس من شموسه، حديثنا اليوم عن أبي السبطين علي بن أبي طالب، وسنتناول الفصل الأخير من فصول حياته العامرة بالجهاد والبذل والتضحية في سبيل إعلاء راية هذا الدين، سنتناول في حديثنا اليوم الذي فجعت فيه الأمة بفقد فارسها، وسعد هو بنيله الدرجات العلى ولقاءه بمن يحب ولسان حاله يقول: اليوم نلقى الأحبة محمدا وصحبه

 ولن نطيل فسنترككم مع ما ورد من قصة استشهاده رضي الله تعالى عنه وأرضاه

( أ ) رواية الاستشهاد :

لقد اتفق ثلاثة من الخوارج على قتل كل من علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص y جميعاً، ولكن إرادة الله سبحانه وتعالى أن يتمكن عبد الرحمن بن ملجم الخارجي من قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب س، ولم يتمكن الاثنان الآخران من قتل كل من معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاصب.

وإليك أيها القارئ الكريم قصة مقتل أمير المؤمنين علي س كما يرويها محمد بن الحنفية، حيث يقول:

كنت والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريباً من السدة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فما أدري أخرج من السدة، فتكلم بهذه الكلمات أم لا، فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفاً، ثم رأيت ثانياً، ثم سمعت علياً يقول: لا يفوتنكم الرجل.

وشد الناس عليه من كل جانب، قال: فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على علي، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت علياً يقول: النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي.

وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه، إذ نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي عدو الله، لا بأس على أبي، والله مخزيك، قال: فعلى مَنْ تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد(1).

 

 

(ج) وصية أمير المؤمنين علي لأولاده الحسن والحسينy :

دعا أمير المؤمنين علي حسناً وحسيناً رضي الله عنهم جميعاً، فقال:

«أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء زوى عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم ناصراً، واعملا بما في الكتاب، ولا تأخذكما في الله لومة لائم».

ثم نظر إلى محمد ابن الحنفية، فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، لعظيم حقهما عليك، فاتبع أمرهما، ولا تقطع أمراً دونهما.

ثم قال: أوصيكما به، فإنه شقيقكما وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه، وقال للحسن: «أوصيك أي بني بتقوى الله،وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطهور، ولا تقبل صلاة من مانع زكاة، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش».

فلما حضرته الوفاة أوصى، فكانت وصيته :

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله ولو كره المشركون، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.

ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم ص يقول: إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يـهـون الله عليكـم الحساب.

الله الله في الأيتـام، فـلا تُعنوا أفواههم، ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ص، مازال يوصي به حتى ظننا أنه سيورثه، والله الله في القرآن، فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم،     والله الله في بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم يناظر، والله الله في الجهاد  في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة، فإنها تطفيء غضب الرب،       والله الله في ذمة نبيكم، فلا يظلمن بين أظهركم، والله الله في أصحاب نبيكم، فإن رسول الله ص أوصى بهم والله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معايشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة.

لا تخافن في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسناً كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى الأمر أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله» ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض t في شهر رمضان سنة أربعين(2).

وجاء في رواية أنه قتل في صبيحة إحدى وعشرين من رمضان(3)، وتحمل هذه الرواية على اليوم الذي فارق فيه الدنيا، لأنه بقي ثلاثة أيام بعد ضربة الشقي(4).

 

 ( هـ ) استقبال معاوية خبر مقتل علي ب:

ولما جاء خبر قتل علي إلى معاوية ب جعل يبكي ويسترجع، فقالت له امرأته: تبكي عليه وقد كنت تقاتله؟ فقال لها: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم(5)، وكان معاوية س يكتب فيما ينزل به يسأل علي بن أبي طالب t عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال له: دعني عنك(6).

وقد طلب معاوية t في خلافته من ضرار الصدائي أن يصف له علياً، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، قال: أما إذ لابد من وصفه فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن.

وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبؤنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظِّم أهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.

وأشهد أني قد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري، ألي تعرضت أم إلي تشوفت! هيهات هيهات، قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فبكى معاوية س وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها(7).

 

الهوامش:

 (1)تاريخ الطبري (3/157).

(2)تاريخ الطبري (3/157-158).

(3)التاريخ الكبير للبخاري (1/ 99) بسند صحيح.

(4)خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، (439).

(5)تاريخ دمشق (59/142)، البداية والنهاية (8/130).

(6)الاستيعاب (3/1108).

(7)تاريخ دمشق (24/401)، الاستيعاب (3/ 1108).

 



محمد صلى الله عليه وسلم في حياة أتباعه

مانشيتات :

  • نبينا صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا وأسوتنا.

  • شريعته ورسالته ماضية وإن سيرته حاضرة وأوامره ونواهيه قائمة

  • النبي حيٌ في حياة أتباعه فهل نحن من أتباعه فحييه في حياتنا.

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي من بعده وعلى آله وصحبه ومن أهتدى بهديه أما بعد: إذا أحب الإنسان شخصاً أتبعه وأتخذه قدوة وأسوة وإذا أتخذ الإنسان هذا القدوة سيكون حياً في حياته بلا شك، وأن مات، وسيكون موجوداً في حياته وأن غاب وهذا متمثل في نبينا صلى الله عليه وسلم الذي هو قدوتنا وأسوتنا فهو في حياة أتباعه من السابقين واللاحقين إن كان حاظراً حياً أو غائباً ميتاً عليه الصلاة والسلام فنقف اليوم عند هذا النبي القدوة في حياة أتباعه من السابقين واللاحقين من هم أتباعه؟ وهل يمكن أن يستمر هذا الإتباع بعد غيابه صلى الله عليه وسلم ؟ وما هي الأمثلة التي توضح إمكانية تطبيق هذا الإتباع.

    من هم أتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ إن إتباع النبي هم من أقتفا أثره وسار على دربه وخطاه ظاهراً وباطناً ، فكل من تمثل بهذا فهو من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم فالصحابة رضي الله عنهم وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الذين أمنوا به والمؤمنون به وبرسالته وكل من سار على نهجه ودربه هم أتباعه، ويستمر هذا الإتباع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ... فإن مات النبي صلى الله عليه وسلم وأنتقل إلى الرفيق الأعلى فإن شريعته ورسالته ماضية وإن سيرته حاضرة وأوامره ونواهيه قائمة وهذا ما فهمه الصحابة فبقوا يتبعون نبيهم وهكذا التابعين وتابع التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. - فصور أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بعد غيابه وموته كثيرة فمنها: 1. صور من أتباع الصحابة رضي الله عنهم:

    فالصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة النبي لم تتغير أحوالهم وأفعالهم ومواقفهم ولم يغيروا ما النبي صلى الله عليه وسلم به أمرهم ولم يبدلوا بل كانوا متمسكين بطاعته وأوامره ونواهيه فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه ; وأرضاه عند وفاة رسول الله أرتدت بعض قبائل العرب حول المدينة عن الإسلام فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا يا ابا بكر رد هؤلاء فقد توجهوا إلى الروم وارتدت العرب حول المدينة فقال: والذي لا إله إلا هو ما رددت جيشاً وجهة رسول الله ولا حلت لواءاً عقده رسول الله، فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الإرتداد إلا قالوا لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم فثبتوا على الإسلام (2) . فهذا شيء يسير وفيض من غيض عن صور أتباع الصحابة بعد وفاة رسول الله وهذا عمر بن الخطاب وهو يطوف بالبيت الحرام عند الكعبة المشرفة وهو يقبل الحجر فيقول له: ( إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) (3). فما كانوا يفعلون إلا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر به ولا يتكلمون إلا بما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوازه الذي يرضي ربه ولا يتشبهون إلا بما رأوه في رسول الله أو أمر به .

    عثمان رضي الله عنه : وهذا عثمان رضي الله عنه ; : (إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ) (4) .

    علي رضي الله عنه :وهذا علي رضي الله عنه ; : (عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ) (5) . هكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعيش في حياتهم رضي الله عنهم أجمعين في سلوكه و أوامره ونواهيه فامتثلوا أوامره وساروا على نهجه ودربه فكان أتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أن رأوه ويوم أن غادرهم والتحق بموته إلى الرفيق الأعلى وإلى آخر يوم من حياتهم رضي الله عنهم وأرضاهم والأمثلة من هنا لا تعد في جميع حياة الصحابة ولا تحصى . 2. أمثلة وصور من أتباع أهل الإيمان للنبي صلى الله عليه وسلم ممن لم يروه: وإن كان قائل يقول بأن هؤلاء قد رأو النبي صلى الله عليه وسلم وعاصروه وتربوا على يديه ونهلوا منه فلنرى كيف حال الذين من بعدهم في إتباع النبي على مر العصور وكيف بينوا من خلال حياتهم أن إستمراريه إتباع النبي صلى الله عليه وسلم هي قضيتهم المنهجية لهم وإنها مستمرة ما أستمر أهل الإيمان. - التابعون:

    التابعون لم يروا النبي لكنهم أمنوا به فأتبعوه وكان رسول الله حياً في قلوبهم موجوداً في حياتهم لا يتقدمون إلا بأمره لا ينهون إلا بنهيه المتمثلة بسنته بما فيها أقواله ووصاياه وما نقل إليهم من أفعاله صلى الله عليه وسلم . فكان الحسن البصري رحمه الله العابد الزاهد، تقياً ورعاً صالحاً مقتدياً بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، فعندما غير النبي منبره الذي يخطب عليه صاحت الجذع حتى كادت أن تنشق فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه وجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى أستقرت . فكان الحسن البصري رحمه الله إذا روى هذا الحديث يبكي ويقول: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه (7) . وهذا التابعي الجليل محمد بن سيرين يقول: إن عندنا من شعر رسول الله شيئاً من قبل أنس بن مالك فيقول له أبو عبيدة التابعي الجليل: لأن يكون لي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض . (8) وهذا صلاح الدين الأيوبي محرر بيت المقدس (532-589)هـ . يقول للناس لقد هزمتهم لبعدكم عن طريق الله ولن تنصروا حتى تعودوا إلى الطريق. وهذا شيخ الإسلام (661-728)هـ أبن تيمية الحراني رحمه الله: أبطل البدع وحارب أهل الزيغ والضلال ونشر السُنة النبوية وعاش لها ولأجل نشرها فكان يرد رحمه الله: (إن دين الإسلام مبني على أصلين الأول: أن تعبد الله وحده لا شريك له. والأصل الثاني: أن يعبد لما شرعه على لسان رسوله وهذان الأصلان الكبيران هما حقيقة قولنا نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمد رسول الله. وغيرهم المئات في كل القرون الماضية إلى آخر أيامنا الحاضرة التي نعيشها فنرى فيها مواقف العلماء وأعل الإيمان في إتباعهم رسول الله ومسايرتهم للإتباع في كل زمان ومكان في السراء من أمرهم وضرائه في ليلهم ونهارهم والأمثلة من ذلك في سيرهم وحالهم ظاهرها وباطنها ولا يمكن لأحد أن يحصيها. وكانوا بأمر الله كما قال إبن القيم رحمه الله:

    أولئك أتباع النبي وحزبه *** ولولاهم ما كان في الأرض مسلمٌ ولولاهم كادت تميد بأهلها *** ولكن رواسيها وأودتادها همُ ولولاهم كانت ظلاماً بأهلها *** ولكنهم فيها بدور والنجمُ

    فالنبي حيٌ في حياة أتباعه فهل نحن من أتباعه فحييه في حياتنا ..

    الهوامش : 1. مفردات القرآن (1/176). 2. البداية والنهاية (6/ 305) . 3. البخاري ومسلم (3/540) ، (2/925). 4. أخرجه الترمذي وحسنه، ابن ماجة . 5. صحيح مسلم. 6. سير أعلام النبلاء (4/ 42) . 7. البداية والنهاية (6/ 127) .



إشراقات من مكتبة الآل والأصحاب

seyra-008.jpg

 

كتاب " القول السديد في سيرة الحسين الشهيد ".

إعداد: د. محمد بن عبدا لهادي الشيباني -  الشيخ محمد سالم الخضر

 أصدرته : مبرة الآل والأصحاب في طبعته الأولى بالكويت 1431 هـ / 2010م

السلسلة الأولى: سير الآل والأصحاب (13 ) .

الكتاب من القطع المتوسط وعدد صفحاته 224 .

 

يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة سير الآل والأصحاب إذ نعرض فيه سيرة ريحانة المصطفى صلى الله عليه  وآله وسلم وسبطه الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب المولود في الخامس من شعبان في السنة الرابعة من الهجرة على أشهر الأقوال في المدينة النبوية .

نال أقصى الشرف بانتسابه لخير الخلق صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يحبه هو وأخاه حباً شديداً ويداعبهما ويلاطفهما حتى وهو خطيب على المنبر حيث وقف خطيباً ذات مرة فرأى الحسن والحسين يعثران ويقومان ثم يعثران فلم يملك نفسه أن ينزل ويحملهما إلى منبره ، كما كان يحملها ويركبهما معه على بغلته الشهباء واحد قدامه والثاني أمامه.

لقد كان الحسين رضي الله عنه عالماً فقيها معدوداً في المفتين من الصحابة وقد عده الإمام بن قيم الجوزية في إعلام الموقعين عن رب العالمين من فقهاء الصحابة المقلين في الفتيا ، كما كان مُقِلاً في الرواية عن أبيه وجده شأنه في ذلك شأن كثير من الصحابة وذلك يرجع إلى أمرين :

1- التورع عن الرواية   2- قصر فترة لقائه بجده صلى الله عليه وآله وسلم .

وقد شارك في بعض الفتوحات وكانت حياته كلها في سبيل الله علماً وجهاداً.

إن القلم ليحار في الكلمات التي يكتبها عن شخصية الحسين إذ قد جمع الرجل بين الأمل والفرح والمأساة والحزن فهو رجل لم يتخذ أسلوب المعارضة أسلوباً لتأجيج الفتن كما يُظن ولكن غُرِّر به من قوم طالبوه بالمسير إليهم فلما أتاهم خذلوه وأسلموه إلى عدوه وعدوهم ، ولا يمكن اختزال شخصية الحسين وتاريخه في حادثة مقتلة بكربلاء وذلك إجحاف بحقه .

إن الحسين الذي نريد أن نتعرف عليه صحابي جليل جمع بين الصحبة والقرابة وكفى بذلك شرفا .

إن الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ قد قامت أركانه على رسالة علمية فريدة للدكتور محمد بن عبدالهادي الشيباني الذي تفضل مشكوراً بقبول اقتباس أجزاء كبيرة من رسالته المعنونة ب ( مواقف المعارضة في عهد يزيد بن معاوية 60-64) مع بعض الإضافات والتصويبات قد اقتضاها الحال .