تأملات في معجزة الإسراء والمعراج

  • قال تعالى } وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس {.

  • قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي)

  • قال الحسن رضي الله عنه: إنه يوم الحديث عن الإسراء ارتد كثير ممن أسلم.

 الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ورفع حبيبه إلى سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى وأراه من آياته الكبرى. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..

إن الحديث عن الإسراء والمعراج لا تسأم منه النفوس، وكيف تسأم وتمل وهو يوم الراحة لرسولنا صلى الله عليه وسلم بعد التعب والمشقة ويوم الفرح والسرور بعد الأحزان والهموم، يوم أن فتحت السماء أبوابها في وجه المعصوم صلى الله عليه وسلم بعد أن أغلقت في وجهه أبواب الأرض. إنه يوم ترحيب ملائكة الرحمن بالمصطفى سيد ولد آدم بعد أن طرده بنو الإنسان، إنها المعجزة الخالدة على مر الزمان والتي سطرها الحق في آيات القرآن، فيا لها من رحلة عظيمة أعدتها القدرة الإلهية وتمت بإشراف العناية الربانية. جاءت هذه الرحلة بعد أن تجهمت قريش للرسول صلى الله عليه وسلم وأحدقت به بعد وفاة عمه أبو طالب، لأن قريشاً ما كانت تريد أن تخسر أبا طالب، ولما توفي أبو طالب وانهار هذا الحاجز المنيع، نال رسول الله من الضر الجسدي الشيء الكثير، وكذلك بعده بعدة أشهر ماتت خديجة التي كانت البلسم الشافي لما يصيب الرسول من الآلام النفسية التي يلحقها به المشركون، ولما توفيت فقد رسول الله هذا البلسم.

ولما اشتد عليه أذى قريش بمكة، توجه إلى مدينة صغيرة حصينة على بعد سبعين ميلاً من مكة تسكنها قبيلة ثقيف اسمها الطائف لكي ينشر دعوته. عرض عليهم أمره فلم يسمعوا له، وطلبوا منه أن يقنع قومه أولاً لو كانت دعوته صادقة، وأن يغادر الطائف، وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم يسبونه ويصيحون به ويرشقونه بالحجارة حتى سال منه الدم.

عجيب أمر الناس!! خاتم الأنبياء والمرسلين وأطهر من يمشي على الأرض وأكرم الخلق على الله ورسوله يهان؟! حينما كان كسرى وقيصر يتقلبان على الحرير.. ألا ليت الأمر توقف عند هذا الحد، فربما لو علمت قريش بتوجهه إلى الطائف ليستعين بثقيف عليهم لقامت قيامتها وأغلقت أبواب مكة في وجهه وقد كان فإن ثقيفاً أرسلت إلى قريش رسولاً يخبرهم بما جاء به محمد.

فأين يذهب؟ وإلى أين يتوجه؟ وكيف يتمكن من أداء رسالته على الوجه الأكمل؟ إن الوقت يمر وكان كل ما يهم الرسول أن يكون ربه راضياً عنه، تجلى ذلك في دعائه حين قال:

(إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي)

البشر يغلقون أبواب مكة في وجه خاتم الأنبياء والمرسلين وهو نبي الله وعبده ورسوله فلمن يتركه؟ وأين يذهب؟

اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي.. وقلة حيلتي.. وهواني على الناس ـ يا أرحم الراحمين إلى من تكلني؟

وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمانُ ،لقد شكا النبي لربه همومه وأحزانه والسميع البصير يسمع ويرى، فلابد من ترضية إلهية فلقد بلغ التكريم أقصى مداه في رحلة الإسراء والمعراج. إن الهدف من هذه المعجزة يتمثل في أمور منها:

إن الله عز وجل أراد أن يتيح لرسوله فرصة الاطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته حتى يملأ قلبه ثقة فيه واستناداً إليه وتهيئة له (صلى الله عليه وسلم) حتى يزداد قوة في مهاجمة الكفار لأن بعد الإسراء بسنة تقريباً كانت الهجرة وبعدها بقليل ستكون الموقعة الكبرى في بدر فكان الأمر يحتاج إلى تمهيد.

وتلك سنة الله مع أنبيائه كما حدث لموسى عليه السلام، فإن الله عز وجل ما أمره بمواجهة فرعون أول الأمر ولكن بعد أن أراه عجائب قدرته فلما ملأ قلبه إعجاباً بهذه الآيات قال له بعد ذلك «لنريك من آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى.

إن الرسول «صلى الله عليه وسلم» كان مقدماً على مرحلة جديدة ولانطلاق بناء الدولة فأراد الله عز وجل للبنات الأولى في البناء أن تكون سليمة قوية متراصة متماسكة فلا بد لهذا المجتمع أن يصفو تصفية كاملة. ومن وسائل هذه التصفية إذاعة نبأ الإسراء لينتكس من انتكس وليتبقى من تبقى على بصيرة وبينة وعن أمان لا يتزعزع مهما كانت الحوادث إيماناً بصدق رسوله في كل ما يأتي به فجعل لله حسن لاختيار ليخلص الحصن من الضعاف المترددين والذين في قلوبهم مرض ويثبت المؤمنين الأقوياء قال تعالى ) وما جعلنا الرؤياالتي أريناك إلا فتنة للناس ).

قال الحسن: إنه يوم الحديث عن الإسراء ارتد كثير ممن أسلم.

ـ كذا أن الإيمان لا يتزعزع بالشدائد فهاهو الرسول «صلى الله عليه وسلم» يضرب أروع الأمثلة في الجهر بالحق أمام أهل الباطل وان تحزبوا ضد الحق وجندوا لمحاربة كل ما في وسعهم لكن شجاعة الرسول «صلى الله عليه وسلم» العالية جعلته يواجه المشركين بأمر تنكره عقولهم ولا تدركه في أول الأمر تصوراتهم، فلم يستمع «صلى الله عليه وسلم» إلى تخوف أم هانئ من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة.

لكنه أصرَّ على إخبارهم بإسرائه إلى بيت المقدس وأظهر الله له علامات تلزم الكفار بالتصديق وذلك حين وصف لهم بيت المقدس لأن بعضهم قد سافر للتجارة إلى الشام ورأى المسجد الأقصى، وذلك بإخباره عن العير والبعير اللذين أقلوه. كل هذا الوصف الدقيق كان مفحماً لقريش فلم يستطيعوا معه أن يتهموه بالكذب.

كانت هذه الرحلة العظيمة تربية ربانية رفيعة المستوى وأصبح الرسول «صلى الله عليه وسلم» يرى الأرض كلها بما فيها من مخلوقات نقطة صغيرة في ذلك الكون الفسيح وأن كفار مكة في هذه النقطة لا يمثلون إلا جزءاً يسيراً جداً من هذا الكون فما الذي سيفعلونه تجاه من اصطفاه الله تعالى من خلقه وخصه بتلك الرحلة وجمعه بالملائكة والأنبياء عليهم السلام وأراه السموات السبع وسدرة المنتهى والبيت المعمور وكلمه جل وعلا.

إن شرب الرسول «صلى الله عليه وسلم» اللبن حين خُيِّر بينه وبين الخمر وبشارة جبريل عليه السلام حين قال «هديت الفطرة» تؤكد أن هذا الإسلام دين الفطرة البشرية التي ينسجم معها فصاحب الصناعة أدرى بصناعته والذي خلق البشرية أدرى بما يصلحهم قال تعالى «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير» .

فالذي خلق البشر خلق لهم هذا الدين الذي يلبي احتياجاتهم وقال تعالى «فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون». والرسول «صلى الله عليه وسلم» يقول: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.. ».

إن هذه الرحلة جاءت في الوقت المناسب لتربط بين عقائد التوحيد الكبرى من عهد إبراهيم وإسماعيل إلى محمد خاتم الأنبياء، جاءت لتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعاً وكأنما أريد بهذه الرحلة إعلان وراثة الرسول صلى الله عليه وسلم للرسل قبله واشتمال رسالته على الرسالات السابقة. ان الإسراء إلى بيت المقدس كان إعلاناً من الله تعالى وإن مواريث الأنبياء جميعاً قد أعادها الله إلى خاتم الأنبياء والمرسلين في حفل لا مثيل له في عمر الدنيا والرسالات جميعاً.

لقد حضر هذا الحفل جميع الأنبياء وكل من يهمهم الأمر ليصلي بهم محمد صلى الله عليه وسلم إماماً بحضور كبير أمناء وحي السماء جبريل عليه السلام حامل الوحي إليهم جميعاً.

صليت بالرسل الكرام جميعهم ...أنت الإمام وكلهم يرضاه

إن هذه الصلاة تشير إلى النبوات يصدق بعضها بعضاً ويمهد السابق منها اللاحق فكان ذلك إقراراً أن الإسلام كله لله. قال تعالى «إن الدين عند الله الإسلام» وقال «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين».

وفي رحلة المعراج فرضت الصلاة، والصلاة هي معراج الأرواح حين يقف العبد ليناجي خالقه على بساط الذل ليحظى العبد بالدنو والقرب، إن الصلاة هي البراق الذي ينقل المؤمن بسرعة فيعبر طبقات البعد بينه وبين ربه فإذا هو يذوق لذة المناجاة بين يدي الله حين يذكر ربه في نفسه فيذكره الرب في ملأ خير منه من الملائكة بل ويباهي بهذه العبادة الملائكة.

 

تأملات في معجزة الإسراء والمعراج

  • قال تعالى } وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس {.

  • قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي)

  • قال الحسن رضي الله عنه: إنه يوم الحديث عن الإسراء ارتد كثير ممن أسلم.

 الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ورفع حبيبه إلى سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى وأراه من آياته الكبرى. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..

إن الحديث عن الإسراء والمعراج لا تسأم منه النفوس، وكيف تسأم وتمل وهو يوم الراحة لرسولنا صلى الله عليه وسلم بعد التعب والمشقة ويوم الفرح والسرور بعد الأحزان والهموم، يوم أن فتحت السماء أبوابها في وجه المعصوم صلى الله عليه وسلم بعد أن أغلقت في وجهه أبواب الأرض. إنه يوم ترحيب ملائكة الرحمن بالمصطفى سيد ولد آدم بعد أن طرده بنو الإنسان، إنها المعجزة الخالدة على مر الزمان والتي سطرها الحق في آيات القرآن، فيا لها من رحلة عظيمة أعدتها القدرة الإلهية وتمت بإشراف العناية الربانية. جاءت هذه الرحلة بعد أن تجهمت قريش للرسول صلى الله عليه وسلم وأحدقت به بعد وفاة عمه أبو طالب، لأن قريشاً ما كانت تريد أن تخسر أبا طالب، ولما توفي أبو طالب وانهار هذا الحاجز المنيع، نال رسول الله من الضر الجسدي الشيء الكثير، وكذلك بعده بعدة أشهر ماتت خديجة التي كانت البلسم الشافي لما يصيب الرسول من الآلام النفسية التي يلحقها به المشركون، ولما توفيت فقد رسول الله هذا البلسم.

ولما اشتد عليه أذى قريش بمكة، توجه إلى مدينة صغيرة حصينة على بعد سبعين ميلاً من مكة تسكنها قبيلة ثقيف اسمها الطائف لكي ينشر دعوته. عرض عليهم أمره فلم يسمعوا له، وطلبوا منه أن يقنع قومه أولاً لو كانت دعوته صادقة، وأن يغادر الطائف، وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم يسبونه ويصيحون به ويرشقونه بالحجارة حتى سال منه الدم.

عجيب أمر الناس!! خاتم الأنبياء والمرسلين وأطهر من يمشي على الأرض وأكرم الخلق على الله ورسوله يهان؟! حينما كان كسرى وقيصر يتقلبان على الحرير.. ألا ليت الأمر توقف عند هذا الحد، فربما لو علمت قريش بتوجهه إلى الطائف ليستعين بثقيف عليهم لقامت قيامتها وأغلقت أبواب مكة في وجهه وقد كان فإن ثقيفاً أرسلت إلى قريش رسولاً يخبرهم بما جاء به محمد.

فأين يذهب؟ وإلى أين يتوجه؟ وكيف يتمكن من أداء رسالته على الوجه الأكمل؟ إن الوقت يمر وكان كل ما يهم الرسول أن يكون ربه راضياً عنه، تجلى ذلك في دعائه حين قال:

(إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي)

البشر يغلقون أبواب مكة في وجه خاتم الأنبياء والمرسلين وهو نبي الله وعبده ورسوله فلمن يتركه؟ وأين يذهب؟

اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي.. وقلة حيلتي.. وهواني على الناس ـ يا أرحم الراحمين إلى من تكلني؟

وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمانُ ،لقد شكا النبي لربه همومه وأحزانه والسميع البصير يسمع ويرى، فلابد من ترضية إلهية فلقد بلغ التكريم أقصى مداه في رحلة الإسراء والمعراج. إن الهدف من هذه المعجزة يتمثل في أمور منها:

إن الله عز وجل أراد أن يتيح لرسوله فرصة الاطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته حتى يملأ قلبه ثقة فيه واستناداً إليه وتهيئة له (صلى الله عليه وسلم) حتى يزداد قوة في مهاجمة الكفار لأن بعد الإسراء بسنة تقريباً كانت الهجرة وبعدها بقليل ستكون الموقعة الكبرى في بدر فكان الأمر يحتاج إلى تمهيد.

وتلك سنة الله مع أنبيائه كما حدث لموسى عليه السلام، فإن الله عز وجل ما أمره بمواجهة فرعون أول الأمر ولكن بعد أن أراه عجائب قدرته فلما ملأ قلبه إعجاباً بهذه الآيات قال له بعد ذلك «لنريك من آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى.

إن الرسول «صلى الله عليه وسلم» كان مقدماً على مرحلة جديدة ولانطلاق بناء الدولة فأراد الله عز وجل للبنات الأولى في البناء أن تكون سليمة قوية متراصة متماسكة فلا بد لهذا المجتمع أن يصفو تصفية كاملة. ومن وسائل هذه التصفية إذاعة نبأ الإسراء لينتكس من انتكس وليتبقى من تبقى على بصيرة وبينة وعن أمان لا يتزعزع مهما كانت الحوادث إيماناً بصدق رسوله في كل ما يأتي به فجعل لله حسن لاختيار ليخلص الحصن من الضعاف المترددين والذين في قلوبهم مرض ويثبت المؤمنين الأقوياء قال تعالى ) وما جعلنا الرؤياالتي أريناك إلا فتنة للناس ).

قال الحسن: إنه يوم الحديث عن الإسراء ارتد كثير ممن أسلم.

ـ كذا أن الإيمان لا يتزعزع بالشدائد فهاهو الرسول «صلى الله عليه وسلم» يضرب أروع الأمثلة في الجهر بالحق أمام أهل الباطل وان تحزبوا ضد الحق وجندوا لمحاربة كل ما في وسعهم لكن شجاعة الرسول «صلى الله عليه وسلم» العالية جعلته يواجه المشركين بأمر تنكره عقولهم ولا تدركه في أول الأمر تصوراتهم، فلم يستمع «صلى الله عليه وسلم» إلى تخوف أم هانئ من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة.

لكنه أصرَّ على إخبارهم بإسرائه إلى بيت المقدس وأظهر الله له علامات تلزم الكفار بالتصديق وذلك حين وصف لهم بيت المقدس لأن بعضهم قد سافر للتجارة إلى الشام ورأى المسجد الأقصى، وذلك بإخباره عن العير والبعير اللذين أقلوه. كل هذا الوصف الدقيق كان مفحماً لقريش فلم يستطيعوا معه أن يتهموه بالكذب.

كانت هذه الرحلة العظيمة تربية ربانية رفيعة المستوى وأصبح الرسول «صلى الله عليه وسلم» يرى الأرض كلها بما فيها من مخلوقات نقطة صغيرة في ذلك الكون الفسيح وأن كفار مكة في هذه النقطة لا يمثلون إلا جزءاً يسيراً جداً من هذا الكون فما الذي سيفعلونه تجاه من اصطفاه الله تعالى من خلقه وخصه بتلك الرحلة وجمعه بالملائكة والأنبياء عليهم السلام وأراه السموات السبع وسدرة المنتهى والبيت المعمور وكلمه جل وعلا.

إن شرب الرسول «صلى الله عليه وسلم» اللبن حين خُيِّر بينه وبين الخمر وبشارة جبريل عليه السلام حين قال «هديت الفطرة» تؤكد أن هذا الإسلام دين الفطرة البشرية التي ينسجم معها فصاحب الصناعة أدرى بصناعته والذي خلق البشرية أدرى بما يصلحهم قال تعالى «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير» .

فالذي خلق البشر خلق لهم هذا الدين الذي يلبي احتياجاتهم وقال تعالى «فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون». والرسول «صلى الله عليه وسلم» يقول: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.. ».

إن هذه الرحلة جاءت في الوقت المناسب لتربط بين عقائد التوحيد الكبرى من عهد إبراهيم وإسماعيل إلى محمد خاتم الأنبياء، جاءت لتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعاً وكأنما أريد بهذه الرحلة إعلان وراثة الرسول صلى الله عليه وسلم للرسل قبله واشتمال رسالته على الرسالات السابقة. ان الإسراء إلى بيت المقدس كان إعلاناً من الله تعالى وإن مواريث الأنبياء جميعاً قد أعادها الله إلى خاتم الأنبياء والمرسلين في حفل لا مثيل له في عمر الدنيا والرسالات جميعاً.

لقد حضر هذا الحفل جميع الأنبياء وكل من يهمهم الأمر ليصلي بهم محمد صلى الله عليه وسلم إماماً بحضور كبير أمناء وحي السماء جبريل عليه السلام حامل الوحي إليهم جميعاً.

صليت بالرسل الكرام جميعهم ...أنت الإمام وكلهم يرضاه

إن هذه الصلاة تشير إلى النبوات يصدق بعضها بعضاً ويمهد السابق منها اللاحق فكان ذلك إقراراً أن الإسلام كله لله. قال تعالى «إن الدين عند الله الإسلام» وقال «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين».

وفي رحلة المعراج فرضت الصلاة، والصلاة هي معراج الأرواح حين يقف العبد ليناجي خالقه على بساط الذل ليحظى العبد بالدنو والقرب، إن الصلاة هي البراق الذي ينقل المؤمن بسرعة فيعبر طبقات البعد بينه وبين ربه فإذا هو يذوق لذة المناجاة بين يدي الله حين يذكر ربه في نفسه فيذكره الرب في ملأ خير منه من الملائكة بل ويباهي بهذه العبادة الملائكة.

 



 

قراءة راشدة لكتاب نهج البلاغة

taweya-015.jpg 

تأليف: عبدالرحمن بن عبدالله الجميعان

الوصف المادي : الكتاب من الحجم الصغير عدد صفحاته: (108) صفحة

 

يندرج هذا الكتاب تحت سياق التوعية بسيرة الصحابة وآل البيت الكرام وتبيان حقيقة سيَرهم بعيداً عن المزايدات والأقاويل وذلك لإطلاع القارئ الكريم على الحقيقة المجردة المأخوذة من المصادر القديمة وصاحبنا في هذا الكتاب هو الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه،  وهو من أوائل المؤمنين إيماناً بل هو أول من آمن به من الصبيان وإذا تتبعنا ما ورد في هذا الكتاب من أقوال وحكم فإننا سنجد فيه من الكلام ما يستحق أن يكتب بماء الذهب وأن يكون مرجعاً يرجع إليه، ذلك لما حظي به  عبارات تجمع ولا تفرق وتلم الشعث وتدرأ الخلاف ومن الحكمة والإنصاف، كيف لا .. ، وعلي رضي الله عنه هو رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة وصهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوج فاطمة الزهراء رضي الله عنها.

 

لقد تناول الباحث هذا الكتاب دراسةً وتمحيصاً وحاول أن يأتي بأبرز ما فيه من أمور مهمة وحقاً وفق لقدرٍ كبيرٍ من تجلية الحقائق وجمع الشمل للأمة الإسلامية من خلال نصوص هذا الكتاب.

وجاء بمقدمة وثمانية مباحث ومقطع مستقل سماه متفرقات وشوارد، ثم خاتمة فتضمن البحث الكـلام عن الإمامة عنده وعن العصمة وعن الصحابة وعن أهل الشام خاصة وعن أصحابه هو ( عليُّ رضي الله عنه) وعن الكتاب والسنة وعن الدعاء وعن العبادات.

ثم بعد ذلك جاء بمتفرقات وشوارد من  كلام علي رضي الله عنه من الأقوال والحكم الخالدة؛ فكان بحثه بحق قراءة راشدة وموفقة.

 



قتادة بن النعمان

( اللهم اكسُهُ جمالاً )

عاش خمساً وستين سنة وتوفي سنه ثلاث وعشرين بالمدينة

   أنا ابن الذى سالت على الخد عينه       فرُدت بكف المصطفى أحسن الرد

 

إنها صفحات وصفحات سطرها الصحابة – رضي الله عنهم – على جبين التاريخ بسطور من النور.

وها نحن نعيش من خلال تلك السطور مع الصحابي الجليل قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر. الأمير المجاهد أبو عمر الأنصاري الظفري البدرى من نجباء الصحابة. وهو أخو أبي سعيد الخدري لأمه (1).

كان قتادة رضي الله عنه يبحث عن فجرٍ يضئ أرجاء الكون بنور التوحيد والإيمان بعد أن أصبحت الأرض كلها قد امتلأت بظلام الشرك والبغي والعدوان.

وكان قتادة يشعر في قرارة نفسه أن للكون إلهاً عظيماً ، وأن هذا الدليل لن يطول فإن أشد لحظات الليل سواداً هي بداية طلوع فجر يومٍ جديد.

وشاء الحق جل جلاله أن يسطع نور الفجر على الكون كله لينير قلوب البشر بأنوار التوحيد والإيمان .

ويسمع قتادة ببعثة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم ويذهب في تلك اللحظة التي شاء الله أن يفتح قلبه ويشرح صدره لهذا الدين العظيم .. فيعلن إسلامه بين يدى الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم.

 وما إن لامس الإيمان شغاف قلبه حتى جعل حياته كلها وقفاً لله – جل وعلا – ولنصرة دينه.

فشهد المشاهد مع الحبيب صلى الله عليه وسلم ليذود عن حياض الإسلام وليعلن للكون كله أن أصحاب النبي صلى الله عيه وسلم كانوا لا يعرفون إلا البطولة والفداء والتضحية والبذل والعطاء.

ولما جاءت غزوة بدر خاضها قتادة – رضي الله عنه – وقلبه يتلهف شوقاً للشهادة في سبيل الله ، ولكن الله لم يقدر له تلك الأمنية الغالية ... ومع ذلك فإن الله أراد أن يُكرمه وأن يكافئه بهذا الموقف العظيم الذي قام به الحبيب صلى الله عليه يوم أن سالت حدقة ( قتادة) على وجنته فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأعاد عينه مكانها – بإذن الله - .

  • النبي صلى الله عليه يرد عليه عينه بإذن الله

عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان ، أن أصيبت عينه يوم بدر ، فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لا، فدعاه، فغمز حدقته براحته، فكان لا يدرى أي عينيه أُصيبت.

وفي رواية : أنه أُصيبت عينه يوم بدر ، فسالت حدقته على وجنته؛ فأراد القوم أن يقطعوها ، فقالوا : نأتي نبي الله نستشيره. فجاء ، فأخبره الخبر. فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، فرفع حدقته حتى وضعها موضعها، ثم غمزها براحته وقال : " اللهم اكسُهُ جمالاً " فمات ، وما يدرى من لقيه أي عينيه أُصيبت.

وجاءت رواية ثالثة تثبت أن ذلك حدث في غزوة أحد ( والله أعلم ).

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يباشر الرماية بنفسه ، فعن قتادة بن النعمان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها ، فأخذها قتادة بن النعمان ، فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عينه، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما (2).

  • جهاده في سبيل الله تعالى :

وشهد قتادة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المشاهد كلها، وكانت معه يوم الفتح راية بنى ظفر.

وظل ملازماً للحبيب صلى الله عليه وآله وسلم يقبس من هديه وعلمه وأخلاقه إلى  أن توفى الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم فحزن عليه قتادة حزناً شديداً كاد أن يمزق فؤاده.

وظل قتادة يبذل نفسه وماله لله ولنصرة دين الله في عهد أبى بكر وعمر رضي الله عنهما – وكانا يعرفان له قدره ومكانته السامقه.

وكان على مقدمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما سار إلى الشام ، وكان من الرماة المعدودين. عاش خمساً وستين سنة. توفي سنه ثلاث وعشرين بالمدينة، ونزل عمر يومئذ في قبره (3).

  • سيرة عطرة

إن السيرة العطرة المليئة بالإيمان والجهاد في سبيل الله تخلِّد اسم صاحبها وتُبقى ذكره في القلوب المؤمنة.

فها هو ابن قتادة – رضي الله عنه – يدخل على عمر بن عبدالعزيز، فقال له عمر من أنت يا فتى ؟ قال :

أنا ابن الذى سالت على الخد عينه       فرُدت بكف المصطفى أحسن الرد

فعادت كما كانت لأحسن حالها          فيا حُسن ما عين ويا طيب ما يد

فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل إلينا المتوسلون. ثم قال:

تلك المكارم لا قُعبان من لبنٍ     شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا (4)

فرضى الله عن قتادة وعن الصحابة أجمعين.

 

 

الهوامش :

  1. السير للإمام الذهبي ( 2/332-331 ) .

  2. أخرجه ابن هشام في السيرة (3/600) ، وابن سعد في الطبقات ( 3/346) ، والبيهقي في ( الدلائل ) ( 3/251) من طريق ابن اسحاق عن عاصم بن عمر قتادة مرسلاً ووصله الدارقطنى وابن شاهين – كما في الإصابة (8/139) – والبيهقي في الدلائل  ( 3/253) من حديث قتادة نفسه ، وأشار الحافظ ابن كثير في البداية ( 4/38) إلى طريق آخر من حديث جابر، ولم أقف عليه، وقد ورد مثل ذلك في غزوة بدر والله أعلم.

  3. السير للإمام الذهبي ( 2/332-333 ).

  4. صفة الصفوة ( 1/191 – 192 ) .