الوصية بالأنصار

  • قال تعالى: }وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم{ 

  • قال تعالى : ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة )

  • قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( أوصيكم بالأنصار)

  • قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:) والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلي )

-      قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ).

في الخطبة الأخيرة للنبي صلى الله عليه وسلم الوصية بالأنصار، والأمر بالإحسان إليهم. وما جاءت هذه الوصية إلا لعظم شأن الأنصار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والذي هيج الحديث عنهم في آخر خطبة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم أن العباس رضي الله عنه مر عليهم بصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ودار بينه وبينهم حوار، فنقله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فأوصى بهم.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال: مر أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قال: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك. قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية بردٍ قال: فصعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم (1).

والمجلس الذي يشيرون إليه هو مجلسهم مع النبي صلى الله عليه وسلم واستماعهم لحديثه، فقد خشوا أن يموت من مرضه فيفقدوا مجلسه فبكوا حزناً على فوات ذلك (2). فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك خرج من بيته وأوصى بهم.

وسبب هذه الوصية علو مكانتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم بطانة النبي صلى الله عليه وسلم وخاصته. وضرب لهم مثلاً بالكرش والعيبة، أما الكرش فهو مستقر غداء الحيوان الذي يكون به بقاؤه(3)، وأما العيبة فهي التي يخزن فيها المرء حر ثيابه ومصونها(4)، يريد بهذا المثل أنهم موضع سره وأمانته.

وعلل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الوصية بعلتين: الأول بأنهم قد قضوا الذي عليه وبقي الذي لهم، يشير إلى ما وقع لهم ليلة العقبة من المبايعة فإنهم بايعوا على أن يؤووا النبي صلى الله عليه وسلم وينصروه على أن لهم الجنة فوفوا بذلك (5).

والثانية: بأنهم يقلون والناس يكثرون، فيضيعون مع كثرة الناس ولا يلتفت إليهم ولعظيم مكانة الأنصار عند النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يحسن بالمسلم أن يعرف عن الأنصار ما يعلي مكانتهم في قلبه، ويحبهم كما أحبهم النبي صلى الله عليه وسلم. وفيما يلي بعض المسائل المتعلقة بالأنصار مما ورد ذكره في القرآن والسنة:

1- من هم الأنصار:

الأنصار اسم إسلامي سمى الله به الأوس والخزرج وحلفاءهم في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. قال غيلان بن جرير: قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمون به أم سماكم الله؟ قال: بل سمانا الله عز وجل(6).

وقد ورد ذكر هذه التسمية في القرآن الكريم في مواضع متعددة منها قوله تعالى: }وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم{ (7).

وقوله سبحانه: ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (8).

ومدحهم الله في كتابه فقال :( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (9) .

وعلى الرغم من أن هذه التسمية قد سماهم الله بها في كتابه إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذم التعصب لها بغير حق، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا في غزاة فكسع(10) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: ياللأنصار وقال المهاجري: يا للهاجرين. فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال: دعوا فإنها منتنة (11).

ولأن الأسماء المراد بها التعريف وليس العصبية لها، فإن هذا قد يفضي إلى وقوع الخلل في أوثق عرى الإسلام وهو الحب في الله والبغض فيه. قال ابن تيمية (ت728هـ) رحمه الله: بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي، والمالكي والشافعي، والحنبلي، أو إلى شيخ كالقادري، والعدوي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري. فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان(12).

2- تمني النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أنصارياً:

ومن عظيم مكانة الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أن يكون منهم لولا مانع الهجرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار(13).

ومراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لسلكت في وادي الأنصار حسن موافقتهم له لما شاهده من حسن الجوار والوفاء بالعهد، وليس المراد أنه يصير تابعاً لهم، بل هو المتبوع المطاع المفترض الطاعة على كل مؤمن(14).

وإنما سموا الأنصار لنصرتهم للدين، ولذلك تمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينسب إلى نصرة الدين لولا مانع الهجرة. وهذا يدل على عظيم منزلتهم وفضلهم في كونهم إنما نسبوا لأمر عظيم وهو نصرة الدين. والأنساب على وجوه: نسب ولادي، ونسب بلادي، ونًسب من جهة الدين اعتقادي ، ونسب صناعي. فيقال في نسبه الولادي : سلمي وأسدي . وفي البلادي : كوفي ومصري. وإلى الأديان والمذاهب : سني وقدري. وفي ملل الكفر : يهودي ونصراني . وإلى الصناعات والمهن : صيدلاني وصيرفي. ومعقول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد به الانتقال عن نسب آبائه إليهم ، إذا كان ذلك أمراً لا يجوز في دينه وشريعته، ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان أفضل منهم نسباً وأكرمهم أصلاً ومحتداً.

وأما الدين والمذاهب فلأنه لا موضع فيه للانتقال، إذ كان دينه ودينهم واحداً، وهو صلى الله عليه وسلم نبي الأمة وولي الدعوة، والمهاجرون والأنصار تبع له في ذلك ،فلم يبق إلا قسمان، وهما نسب البلاد والأوطان ، ونسب الصناعة والامتهان، وقد يجوز في كل واحد من الأمرين أن ينتقل من إلى غيره، وكانت المدينة داراً للأنصار، وكانت الهجرة إليها أمراً واجباً وانتقاله إليها طاعة وعبادة، ولولا أن كان مأموراً بها ومحمولاً عليها لم يكن ليترك بلاده ويفارق أوطانه، فقد يحتمل أن يكون أراد بهذا القول: لولا أن هذه النسبة في الهجرة نسبة دينية لا يسعني تركها لانتقلت عن هذا الاسم إليكم، ولانتسبت إلى داركم(15).

3- محبة النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار:

ومن المكانة العظيمة للأنصار محبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم حتى جعلهم أحب الناس إليه فعن أنس رضي الله عنه قال: قالت الأنصار يوم فتح مكة وأعطى قريشاً: والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دماء قريش وغنائمنا ترد عليهم. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعا الأنصار قال: فقال ما الذي بلغني عنكم. وكانوا لا يكذبون. فقالوا هو الذي بلغك. أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم لو سلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم( 16).

إن العادة قد جرت بأن يكون المرء مع قومه وقبيلته في رحلته ونزوله، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا تفرقت بالسفر الطرق سلك كل فريق منهم وادياً وشعباً، فكان كل واحد منهم مع قومه إلى أن يفضي بهم إلى جادة فيجتمعوا فيها(17).

رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مقبلين من عرس فقال: اللهم أنتم من أحب الناس إلي( 18). وجاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها صبي لها فكلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلي(19). ودعا لهم ولذراريهم بالمغفرة فقال: اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار(20).

وهذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار إنما هو على طريق الإجمال أي مجموعكم أحب إلي من مجموع غيركم(21). فلا يعارض هذا الحديث الأحاديث الأخرى الدالة على أن أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم: عائشة ومن الرجال: أبوها.

4- حب الأنصار من الإيمان:

 ومما يدل على منزلة الأنصار في الإسلام ربط محبتهم بالإيمان وبغضهم بالنفاق. فعن البراء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله(22).

وجعل حبهم علامة على الإيمان وبغضهم علامة على النفاق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آية الإيمان حب الأنصار وأية النفاق بغض الأنصار(23). وقال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً من بغض الأنصار: لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر(24).

والمراد أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقياهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وحبه إياهم وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثاراً للإسلام، وعرف من علي بن أبي طالب رضي الله عنه قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب النبي صلى الله عليه وسلم له وما كان منه في نصرة الإسلام وسوابقه فيه، ثم أحب الأنصار وعلياً لهذا، كان ذلك من دلائل صحة إيمانه وصدقه في إسلامه، ولسروره بظهور الإسلام، والقيام بما يرضي الله سبحانه ومعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل على نفاقه وفساد سريرته(25).

وهذه المنقبة العظيمة التي اختصوا بها من دون سائر الناس، إنما خصوا بها لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجباً لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض؛ ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجباً للحسد، والحسد يجر البغض. فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركاً لهم في الفضل المذكر كل بقسطه(26).

وليس المراد بالبغض في هذا الحديث البغض الناتج من العداء الشخصي لأفرادهم، وإنما المراد بغضهم بسبب الصفة التي مدحوا بها وهي نصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، من أبغضهم من جهة هذه الصفة وهي: كونهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أثر ذلك في تصديقه فيصح أنه منافق(27). وكذلك الحب يقال فيه مثل ما يقال في البغض.

الهوامش :

(1) رواه البخاري 3/42 (3799) في مناقب الأنصار، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم. ومسلم 4/1547 (2510) في فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار. والترمذي 6/196 (3907) في المناقب، باب.

(2) ابن حجر 7/121.

(3) الخطابي، أعلام الحديث 3/1644.

(4) الخطابي، أعلام الحديث 3/1644.

(5) ابن حجر، فتح الباري 7/122.

(6) رواه البخاري 3/37 (3776) في مناقب الأنصار، باب مناقب الأنصار.

(7) التوبة: 100.

(8) التوبة: 117.

(9) الحشر: 9.

(10) الكسع: ضرب الدبر، ومعناه ضرب دبر بيده. الناية 4/173.

(11) رواه البخاري 2/508 (3518 في المناقب، باب ما ينهي من دعوى الجاهلية، 3/310 (4905) في تفسير القرآن، سورة المنافقون باب (3). ومسلم 4/1585 (2584) في البر والصلة، باب نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً.

(12) ابن تيمية، مجموعة الفتاوى 3/416.

(13) رواه البخاري 33/38 (3779)، في مناقب الأنصار، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ولولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار.

(14) ابن حجر، فتح الباري 7/112.

(15) الخطابي، أعلام الحديث 3/1763.

(16) رواه البخاري 3/37 (3778) في مناقب الأنصار، باب مناقب الأنصار، ومسلم 2/723 (1059) في الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام.

(17) الخطابي، أعلام الحديث 3/1763.

(18) رواه البخاري 3/39 (3785) في مناقب الأنصار، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار : أنتم أحب الناس إلي، ومسلم 4/1948 (2508) في فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار.

(19) رواه البخاري 3/39 (3786) في مناقب الأنصار، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: أنتم أحب الناس إلي. ومسلم 4/1948 (2509) في فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار.

(20) رواه البخاري 3/311 (4906) في التفسير، سورة المنافقين باب (6). ومسلم 4/1948 (2506) في فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار. من حديث زين بن أرقم.

(21) ابن حجر، فتح الباري 7/114.

(22) رواه البخاري 3/39 (3783) في مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان. ومسلم 1/85 (74) في الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان.

(23) رواه البخاري 3/39 (3784) في مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان. ومسلم 1/85 (74) في الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان. من حديث أنس بن مالك.

(24) رواه مسلم 1/83 (76) في الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان وعلاماته من حديث أبي هريرة.

(25) النووي، شرح مسلم 2/64.

(26) ابن حجر، فتح الباري 1/63.

(27) ابن حجر، فتح الباري 1/63.

 



عبدالله بن رواحة الأمير السعيد الشهيد

كلامه أشد على المشركين من وقع النبل

 

إنه عبدالله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة.

الأمير السعيد الشهيد أبوعمرو الأنصاري الخزرجي البدرى النقيب الشاعر.

شهد بدراً والعقبة، يُكنى أبا محمد، وأبا رواحة، وليس له عقب

وهو خال النعمان بن بشير. وكان من كُتَّاب الأنصار، استخلفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة في عزوة بدر الموعد (1) ،وبعثه النبي عليه الصلاة والسلام السلام سرية في ثلاثين راكباً إلى أُسير بن رِزام اليهودي بخيبر فقتله (2).

 

ولكن الله - عز وجل - أراد الخير للكون كله ببعثة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم . فأشرقت شمس الهداية على أرض الجزيرة لينعم بدفئها من أراد النور وسئم الظلام بكل ما فيه .

ولما بعث الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن عمير سفيراً للدعوة إلى الله في المدينة المنورة .. وكان مصعب لبيباً ذكياً رحيماً في دعوته فلم يمض عليه فترة يسيرة حتى جعله الله سبباً في إسلام تلك الباقة العطرة من سادة وأشراف يثرب ( المدينة ).

موعد مع السعادة

 وفي موسم من مواسم الحج خرج (ابن رواحة ) لأداء الحج مع قومه وعشيرته فكان هذا اللقاء التاريخي عند العقبة، وكانت بيعة العقبة الثانية فتقدم ( ابن رواحة ) ومد يده لتصافح وتبايع الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم تلك البيعة المباركة.

وكان ( ابن رواحة ) من النُقباء الأثنى عشر في تلك البيعة . ثم عاد إلى المدينة ، وقد امتلأ قلبه غبطة وسعادة وسروراً.

 

 

إسلام أبى الدرداء

 وكان أبو الدرداء تربطه بعبد الله بن رواحة ( في الجاهلية ) صداقة ومحبة فقد كانا متآخين في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام اعتنقه عبدالله بن رواحة وأعرض عنه أبو الدرداء. وتمر الأيام والليالي وما زال أبو الدرداء على الشرك .

وفي يوم من الأيام خرج أبو الدرداء كعادته إلى متجره وأخذ يبيع ويشتري ثم عاد إلى منزله وهو في غاية الاشتياق لرؤية ( الصنم ) الذي كان يعبده ، وإذا به يجد مفاجأة لم تخطر بباله أبداً.

فلقد دخل بيته – وهو غائب عنه – عبدالله بن رواحة ومحمد بن مسلمة فكسرا صنمه ، فرجع يجمع الصنم، ويقول : ويحك ! هلا امتنعت ! ألا دفعت عن نفسك فقالت أم الدرداء : لو كان ينفع أو يدفع عن أحد ، دفع عن نفسه ، ونفعها !

فقال أبو الدرداء : أعدِّى لي ماء في المغتسل . فاغتسل، ولبس حُلته، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنظر إليه ابن رواحة مقبلاً ، فقال : يا رسول الله ، هذا ابو الدرداء، وما أراه إلا جاء في طلبنا ؟ فقال : " إنما جاء ليُسلمَ ، إن ربي وعدنى بأبى الدرداء أن يُسلم " (3) .

وهكذا احتل عبدالله بن رواحة مساحة عظيمة في نفس أبى الدرداء، إذ هو سبب في إسلامه وهدايته ، وكان أبو الدرداء يعترف بهذا له ، وأثر عنه قوله : " أعوذ بالله أن يأتي علي يومٌ لا أذكر فيه عبدالله بن رواحة ) (4).

وفي كل مجلس يجلسه أبو الدرداء كان يحدث عن عبدالله بن رواحة ، ويذكر فضائله ومناقبه ، فلم تكن صورته تبرح مخيلة أبي الدرداء.   

عبادته وخوفه من الله

قال أبو الدرداء : إن كنا لنكون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السفر في اليوم الحار ما في القوم أحد صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعبدالله بن رواحة (5).

وعن ابن أبي ليلى قال : تزوج رجل ٌ امرأة ابن رواحة – بعد وفاته – فقال لها : تدرين لمَ تزوجتك ؟ لتخبريني عن صنيع عبدالله في بيته. فذكرت له شيئاً لا أحفظه ، غير أنها قالت : كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين ، وإذا دخل ، صلى ركعتين . لا يدع ذلك أبداً (6).

قال عروة : لما نزلت ( والشعراء يتبعهم الغاوُون ) قال ابنُ رواحة : أنا منهم . فأنزل الله ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) (7).

قال ابن سيرين : كان شعراءُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك (8).

وكان ابن رواحة قد جعل ماله ولسانه وسنانه لنصرة دين الله – جل وعلا – وكان رحيماً باليتامى فها هو يكفل ( زيد بن أرقم ) الذى كان يتيماً وقتها فيتربى في حجره ويعطف عليه ( ابن رواحة ) ويغدق عليه الخير الكثير.

من شعره

عن الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة في قصصه يذكر النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن أخاً لكم لا يقول الرفث – يعنى بذلك ابن رواحة – قال :

     فينا رسولُ الله يتلو كتابهُ         إذ انشقَّ معروفٌ من الفجرِ ساطعُ

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا         به موقناتٌ أن ما قال واقعُ

يبيتُ يُجافى جَنبه عن فراشه            إذا استثقلت بالمشركين المضاجعُ (9)

ولما حمى الوطيس كان ابن رواحة من المسارعين لنصرة دين الله وللذود عن حياضه.

فها هو تراه في غزوة بدر يقاتل قتال الليوث المهتاجه فكان يهدّ صفوف المشركين هداً .... وفي غزوة أُحد أبلى بلاءً حسناً.

ولما قتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم قام ابن رواحة فرثاه بقصيدة قال فيها:

بكت عيني وحق لها بكاها     وما يغني البكاء ولا العويل

على أسد الإله غداة قالوا:        أحمزة ذاكم الرجل القتيل

أصيب المسلمون به جميعاً    هناك وقد أصيب به الرسول

أبا يَعلى، لك الأركان هدت     وأنت الماجد البر الوصول

وحان وقت الرحيل

عن عروة بن الزبير قال : بعث النبي بعثاً إلى مؤتة في جمادى الأول من سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة فقال لهم : إن أُصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس ، وإن أصيب جعفر فعبدالله بن رواحة على الناس ، فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وسلموا عليهم، فلما ودع عبدالله بن رواحة مع من ودع بكى فقيل له : ما يبكيك يا ابن رواحة فقال : والله ما بي حب الدنيا وصبابة ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود.

ثم مضوا حتى نزلوا (معان) من أرض الشام فبلغهم أن هرقل في باب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ، وقد اجتمعت إليهم المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهرام وبلى في مائة ألف ، عليهم رجل يلى أخذ رايتهم يقال له ملك بني زانة ، فلما بلغ ذلك المسلمين قاموا بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا : نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا وإما أن يأمرنا بأمره فنمضى له ، فشجع عبدالله بن رواحة الناس وقال : يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين : إما ظهور وإما شهادة.

ثم التقى الناس واقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم ، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها فقاتل القوم حتى قتل ، وكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام (10).

فلما قتل جعفر أخد عبدالله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه وتردد بعض التردد ثم قال :

                  أقسمت يا نفسى لتنزلنه        طائعة أو لتكرهنّـــــه

ما لي أراك تكرهين الجنة           إن أجلب الناس وشدوا الرنة

لطالما قد كنت مطمئنة          هل أنت إلا نطفةٌ في شنه

وقال عبدالله بن رواحة :

يا نفس إلا تُقتلى تموتي    هذا حمامُ الموت قد صليت

وما تمنيت فقد لقيت ِ      إن تفعلى فعلهما هُديت

ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عم له بعظم من لحم فقال : اشدد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما قد لقيت، فأخذه من يده فانتهش منه نهشة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال : وأنت في الدنيا ، ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قُتل ، فأخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بني عجلان وقال : يا أيها الناس اصطلحوا على رجل منكم ، قالوا : أنت . قال ما أنا بفاعل ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم ثم انحاز حتى انصرف (11).

عن انس رضي الله عنه : " أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم : فقال " أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب – وعيناه تذرفان – حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم " (12) .

 

الهوامش :

  1. بدر الموعد : هي التي تواعدوا عليها من أحد.

  2. السير للإمام الذهبي (1/231-232) بتصرف – ابن سعد ( 3/1/79).

  3. أخرجه ابن عساكر (13/369/2) وانظر المستدرك ( 3/336-337 ).

  4. تهذيب الأسماء واللغات ( 1/265).

  5. أخرجه البخاري (1945) – ومسلم ( 1122 ) الصيام .

  6. نسبه الحافظ في الإصابة ( 6/78-79) إلى ابن المبارك في الزهد وصحح سنده.

  7. أخرجه ابن سعد (3/2/81) والحافظ في الإصابة (6/79) وابن هشام (2/373).

  8. السير للإمام الذهبي ( 1/233).

  9. أخرجه البخاري (6151).

  10. قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات إلى عروة – مجمع الزوائد (6/107-109 ).

  11. قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات ( 6/159-160 ) مجمع الزوائد .

  12. رواه البخاري ( 7/585) المغازي .



ولدني أبو بكر الصديق مرتين

 مقولة الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه “ولدني أبو بكر الصديق مرتين”

 

هلم إلي أريك عجباً !

هذا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين الملقب بالصادق يفخر بجده الصديق الذي يصل إليه من أمه أم فروة بنت فقيه أهل المدينة القاسم بن محمد  بن أبي بكر الصديق (وهذه الولادة الأولى).

أما أمها فهي أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق (وهذه الولادة الثانية).

هل كان للصادق أن يفخر بغير أهل التقى ؟

ومالذي حدا بالباقر ليتزوج من أم فروة ؟

ألم تلحظ معي عزيزنا القارئ أن هذه الزيجة تمت بعد وفاة أبي بكر بقرابة سبعين عاماً !

فلا مطمع سياسي ولارغبة اقتصادية إلا الحب والوفاء والتخير للنطف.

وفعلاً  أنجبت إماماً وأي إمام: جعفراً الصادق!

وللصادق روايات في صحيح مسلم والسنن الأربعة، فضلاً عن اشتهاره بالفقه والعلم.

كيف لا ؟ وأبوه الباقر، وجده فقيه المدينة القاسم بن محمد، ومنشؤه ومتوفاه معدن العلم - المدينة النبوية - الزاخرة بالعلم وأهله .