شهـــر شعبــان

شعبان هو اسم لشهر من الأشهر القمريه ، وقد سمي بذلك لتشعبهم فيه أي تفرقهم في طلب المياه ، وقيل في الغارات ، وقال ثعلب:- قال بعضهم إنما سمي شعبانُ شعبانَ لأنه شعب أي ظهر بين شهري رمضان ورجب.

فضـــــــــائل شهــر شعبـــان:

-  شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى :

عن أسامة بن زيد  رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول  الله لم أرك تصوم شهر من الشهور ما تصوم في شعبان! فقال صلى الله عليه وآله وسلم :  ( ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ) .

 

- كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر صيامه :

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( كَانَ رَسُولُ صلى الله عليه وآله وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ) رواه البخاري في الصوم باب صوم شعبان (1833).

عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّصلى الله عليه وآله وسلم يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ ، وَكَانَ يَقُولُ : خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى النَّبِيِّصلى الله عليه وآله وسلم مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا )رواه البخاري في الصوم باب صوم شعبان (1834)

 

-  أحب الشهور إلى رسول صلى الله عليه وآله وسلم: )كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان) صححه الألباني .

 

-هدي خير البشرصلى الله عليه وآله وسلم:

 

كان شديد المحافظه على هذا الشهر ومن شدة محافظته صلى الله عليه وسلم على الصوم في شعبان أن أزواجه رضي الله عنهن، كن يقلن أنه يصوم شعبان كله، مع أنهصلى الله عليه وآله وسلم لم يستكمل صيام شهر غير رمضان، وكان يكثر صيامه في هذا الشهر المبارك ولشدة معاهدتهصلى الله عليه وآله وسلم  للصيام في شعبان، قال بعض أهل العلم: إن صيام شعبان أفضل من سائر الشهور ، وإن كان قد ورد النص أن شهر  الله المحرم هو أفضل الصيام بعد رمضان ، فعن أبي هريرة  رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أفضل الصيام بعد رمضانشهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)  رواه مسلم. (

 

-سبب التطوع بالصيام في شعبان على غيره من الشهور:

 

ذكر أهل العلم حكما في تفضيل التطوع بالصيام في شعبان على غيره من الشهور: منها: أن أفضل التطوع ما كان قريبا من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان، لقربه منه، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض في الفضل، وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالنسبة للصلاة، فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه، ولذلك فإنك تجد رمضان يسبق بالصيام من شعبان والاستكثار منه ثم بعد انقضاء رمضان يسن صيام ست من شوال، فهي كالسنن الرواتب التي قبل وبعد الصلاة المفروضة.

قال ابن رجب في بيان وجه الصيام في شعبان: "وفيه معانٍ، وقد ذكر منهامحمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان: الشهر الحرام وشهر الصيام، اشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولاً عنه، وكثير من الناس يظنُّ أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام، وليس كذلك" لطائف المعارف (ص250-251) .

قال: وفي قولهصلى الله عليه وآله وسلم :( يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان( إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه، إما مطلقاً، أو لخصوصية فيه لا يتفطن لها أكثر الناس، فيشتغلون بالمشهور عنه، ويفوِّتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم.   (لطائف المعارف (ص251. والمعنى الثاني المذكور في الحديث هو أن شهر شعبان ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يحبّ أن يُرفع عمله وهو صائم) هذا الكلام مأخوذ من تتمة الحديث، ولم يذكر ابن رجب هذا المعنى في لطائفالمعارف..وذكروا لذلك معنى آخر وهو التمرين لصيام رمضان، قال ابن رجب: "وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر، وهو أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان، لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذّته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط" ( لطائف المعارف (ص252) .

 

فالحكمة من إكثاره صلى الله عليه وآله وسلمالصيام في شعبان؛ أمران:

الأمر الأول :

أنه شهر تغفل الناس عن العبادة فيه؛ و معلوم أن أجر العبادة يزداد إذا عظمت غفلة الناس عنها، وهذا أمر مشاهد؛ فأكثر الناس على صنفين: صنف انصرفوا إلى شهر رجب و أحدثوا فيه من البدع و الخرافات ما جعلهم يعظمونه أكثر من شعبان، و الصنف الآخر لا يعرفون العبادة إلا في رمضان.

 

الأمر الثاني :

أن الأعمال ترفع إلى الله فيه، و أفضل عمل يجعل أعمال العبد مقبولة عند الله هو الصيام؛ و ذلك لما فيه من الانكسار لله تعالى، و الذل بين يديه، و لما فيه من الافتقار إلى الله . فيشرع لك يا عبد الله أن تصوم شعبان إلا قليلا، أو تكثر من الصيام فيه حتى تقبل أعمالك عند الله .

 

هيا أحبتي البدار البدار .... الى طاعة الرحيم الغفار .... حتى تكونوا من أوليائة المقربين ؟

 

البدع المشتهرة في شعبان:

تخصيص صيام اليوم الخامس عشر من شعبان بالصيام.

-الرد :لم يأت في سنةصلى الله عليه وآله وسلم القول بصيام يوم الخامس عشر من شعبان ولا فعله الصحابة الكرام ولا من تبعهم بإحسان ، إذ هو أمر محدث ولو كان خيراً لفعله من هو خير منا وقد (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه مسلم.

لكن إذا كان للشخص برنامج ثابت في الصوم فصادف الخامس عشر من شعبان فلا حرج في صومه كمن يفطر يوما ويصوم أو من يصوم أيام الليالي البيض أو من يصوم الخميس والاثنين أو من نذر نذراً فصادفه أو غير ذلك.

 

-  صلاة البراءة :وهي تخصيص قيام ليلة النصف من شعبان وهي مائة ركعة . وقال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ في كتابه "المجموع" الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب...، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب: "قوت القلوب"، و"إحياء علوم الدين"، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك.

 

-  صلاة ست ركعات : بنية دفع البلاءوطول العمر والاستغناء عن الناس .

 

-  قراءة سورة { يس{ والدعاء في هذه الليلة بدعاء مخصوصبقولهم" اللهم يا ذا المن ، ولا يمن عليه ، يا ذا الجلالوالإكرام .. "

 

 

  • جانب السنه في شهر شعبان:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ ( كَانَ رَسُولُ  الله صلى الله عليه وآله وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إَِلا قَلِيلاً ) البخاري 1969 مسلم 1156.

 

جــانب منالأحاديث الضعيفهوغير الصحيحةمنتشره في المنتديات لتنبيه الناس من تداولهامجددًا متعلقه بشهر شعبـــان:

الحديثالأول : كان رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم -يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما أخرَّ ذلك حتى يجتمعَ عليه صوم السنة فيصوم شعبان. وهذا  حديث ضعيف أخرجه الطبراني في الأوسط عن عائشة-رضي الله عنها- ، قال الحافظ في الفتح : فيه ابن أبي ليلى ضعيف.

 

الحديثالثاني: "كان إذا دخل رجب، قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان ، وبلغنا رمضان". والحديث رواه البزار ،والطبراني في الأوسط ، والبيهقي في فضائل الأوقات ، عن أنس-رضي الله عنه- ، وقد ضعفه الحافظ في تبين العجب ، وقال: فيه زائدة بن أبي الرُّقَاد ، قال فيه أبو حاتم يحدث عن زياد النُّمَيْرِي ، عن أنس بأحاديث مرفوعة منكرة ، فلا يُدرى منه أو من زياد ، وقال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي في السنن لا أدري من هو، وقال ابن حبان لا يُحتج بخبره.

الحديثالثالث: عن أبي هريرة-رضي الله عنه - أن رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم -لم يصم بعد رمضان إلا رجب وشعبان. وقد حكم عليه الحافظ ابن حجر-رحمه الله  -في تبين العجب بالنكارة من أجل يوسف بن عطية ، فإنه ضعيف جدا.

حديث الرابع : فضل شهر شعبان كفضلي على سائر الأنبياء )) قال ابن حجر : إنه موضوع كما في كتابه تبين العجب انظر : كتاب كشف الخفاء 2 / 110 للعجلوني طبعة مؤسسة الرسالة لعام 1405هـ و كتاب المصنوع لعلي بن سلطان القاري 1 / 128 طبعة مكتبة الرشد لعام 1404هـ.

 

الحديثالخامس : تخصيص صيام نهار ليلة النصف من شعبان و قيام ليلها : ( إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها ) أنظر : كتاب العلل المتناهية لأبن الجوزي 2 / 562 طبعة دار الكتب العلمية لعام 1403هـ و كتاب مصباح الزجاجة للكناني 2 / 10 طبعة دار العربية لعام 1403هـ و كتاب الفوائد المجموعة للشوكاني ص 51 و كتاب تحفة الأحوذي للمباركفوري 3 / 366 طبعة دار الكتب العلمية و كتاب سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني حديث رقم 2132

 

الحديثالسادس : ( خمس ليال لا ترد فيهن الدعوة: أول ليلة من رجب، و ليلة النصف من شعبان، وليلة الجمعة، و ليلة الفطر، و ليلة النحر ( أنظر : كتاب سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني حديث رقم 1452.

 

  • الأحاديثالضعيفه والباطله كثيره ولكن نكتفي بهذا القدر من الأحاديث .

 

فشهر شعبان شهر عظيم عظمَّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيجب أن نعظمه وأن يكثر من العبادة والاستغفار فيه تماماً كما جاء وصح عن النبيصلى الله عليه وآله وسلم في ذلك .

 

 



نعيم بن مسعود نصر الله به جيشاً بأكمله

إن الله يغرس لهذا الدين غرساً يعز الله به الإسلام في كل زمان ومكان.

ومن بين هؤلاء الذين نفع الله بهم بطلنا اليقظ الذكي الذي حباه الله بسرعة البديهة وشدة الذكاء.

إنه نعيم بن مسعود الذي كان في الجاهلية على صلة وثيقة بيهود بني قريظة وغيرهم وكان يجلس في مجالسهم يسمر ويشرب معهم وكانوا يحبونه ويثقون فيه تمام الثقة.

وفي الوقت المناسب الذي قدره الله جل وعلا فتح الله قلب نعيم للهدى ودين الحق فبدأ نعيم صفحة جديدة في يوم غزوة الأحزاب، واستطاع أن يسطر على جبين التاريخ صفحة لا تنسى أبداً مع مرور الأيام والليالي.

إنها صفحة ناصعة بيضاء، فقد جعله الله سبباً لإنقاذ الأمة المسلمة بأسرها وعلى رأسها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ماذا قدمت لدين الله؟

تدبر معي أيها الأخ الكريم كيف استطاع نعيم بن مسعود رضي الله عنه أن يكون سبباً في إجلاء تلك الحشود التي تجمعت للقضاء على الإسلام في غزوة الأحزاب.

وسل نفسك هذا السؤال: ماذا قدمت لدين الله؟!!!

فهذا هو نعيم بن مسعود ذلكم الفدائي البطل الذي جاء للمصطفى في وقتٍ عصيبٍ رهيب كادت القلوب أن تخرج من الصدور في غزوة الأحزاب.

أحاط المشركون بالمدينة من كل ناحية من حول الخندق وفي لحظات حرجة قاسية نقض يهود بني قريظة العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكلوا تهديداً داخلياً خطيراً على النساء والأطفال، وتعاهدوا مع المشركين أن يحاربوا معهم محمداً، وهذا هو فعل اليهود وهذه هي صفة اليهود. فاليهود لا يجيدون إلا الغدر ونقض العهود.

نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت حرج.. ولك أن تتصور الحالة النفسية التي مر بها المصطفى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وقد وصفها الله وصفاً بليغاً دقيقاً. فقال تعالى:

( وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ) (1).

تصور هذه الحالة. فلقد كان هناك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقول: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً، المشركون يحيطون بنا واليهود نقضوا العهد وسيدمروننا من الداخل ويقتلون نساءنا وأطفالنا!!!

حالة قاسية حتى قام المصطفى يتضرع إلى الله: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم(2).

وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله عز وجل من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم.

أتى نعيم بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا إسلامي، فمرني بما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجلٌ واحدٌ، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة.

فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم. وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتَّهم، فقال لهم: إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نُهزة (3) أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيدكم ثقة لكم عليَّ أن تقاتلوا معهم محمداً حتى تناجزوه، فقال له: لقد أشرت بالرأي.

ثم خرج حتى أتى قريشاً، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش. قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمداً، وإنه قد بلغني أمرٌ قد رأيت على حقاً أن أبلغكموه نصحاً لكم، فاكتموا عني، فقالوا: نفعل.

قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبلتين، من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكم، فنضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً.

ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قال: نفعل، فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.

فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل، في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر(4)، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً، ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً. وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمد، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب(5)، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا(6) إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحقٌ، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة، حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقٌ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم.. وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم الريح في ليالٍ شاتية باردة شديدة البرودة، فجعلت تكفأ قدورهم ، وتطرح أبنيتهم(7).

ظل نعيم بن مسعود بعد ذلك اليوم موضع ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فولي له الأعمال، ونهض له بالأعباء، وحمل بين يديه الرايات.

فلما كان يوم فتح مكة، وقف أبو سفيان بن حرب يستعرض جيوش المسلمين، فرأى رجلاً يحمل راية غطفان فقال لمن معه:

من هذا؟

فقالوا: نعيم بن مسعود.

فقال: بئس ما صنع بنا يوم الخندق.

والله لقد كان من أشد الناس عداوةً لمحمد.

وها هو ذا يحمل راية قومه بين يديه.

ويمضي لحربنا تحت لوائه(8).

وكان نعيم رضي الله عنه حريصاً كل الحرص على استدراك كل لحظة مضت من عمره في الشرك ليجعل مكانها أياماً وشهوراً، بل وسنوات في طاعة الله عز وجل والعمل لنصره دينه وإعلاء كلمته.

وظل على عهده إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحزن عليه نعيم حزناً شديداً فلقد كان يتمنى أن يفدي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله وبكل ما يملك.

وبعد وفاة الحبيب صلى الله عليه وسلم لم يبخل نعيم بجهده وماله ونفسه في خدمة الإسلام، بل استمر في رحلة العطاء والعمل لخدمة هذا الدين العظيم طوال فترة الخلافة الرشيدة لأبي بكر رضي الله عنه وكذلك خلال فترة الإمارة لعمر وعثمان رضي الله عنهما إلى أن جاءت الساعة الحاسمة التي سيلقى فيها ربه عز وجل ليكافئه على كل ما فعله لخدمه الإسلام وليجبر كسره في جنته ومستقر رحمته حيث النعيم المقيم ومجاورة الحبيب صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في جنة الرحمن إخواناً على سررٍ متقابلين وحيث تكتمل النعمة بالنظر إلى وجه الكريم جل جلاله.

- قتل نعيم في أول خلافة علي قبل قدومه البصرة في وقعة الجمل. وقيل: مات في خلافة عثمان. فالله أعلم(9).

الهوامش :

  1. سورة الأحزاب الآية «10-12».

  2. أخرجه البخاري (6-109-110) المغازي – ومسلم (1742) الجهاد.

  3. النهزة: انتهاز الشيء واختلاسه.

  4. أراد الخف: الإبل ... وأراد بالحافز: الخيل.

  5.  ضرستكم الحرب: نالت منكم. كما يصيب ذو الأضراس بأضراسه.

  6.  أن تنشمروا: أن تنقبضوا وتسرعوا إلى بلادكم.

  7. أخرجه ابن سعد (2/69) والطبري (3/578-579) في تاريخه، وابن كثير في البداية والنهاية (4/111) وابن حجر في الفتح (7/402).

  8. صور من حياة الصحابة - د. عبد الرحمن رأفت الباشا (ص423).

  9. الإصابة لابن حجر (6/363).



أنا ابن الخليفتين

مقولة زيد بن عمر بن الخطاب ( أنا ابن الخليفتين)

كان زيد بن عمر بن الخطاب يفتخر بأبويه عمر وعلي رضي الله عنهما، ويقول: (أنا ابن الخليفتين)، وذلك لأن أمه هي أم كلثوم ابنة علي وفاطمة رضي الله عنها.

روى الحاكم بسنده عن جعفر بن محمد (الصادق) عن أبيه (الباقر): أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي أم كلثوم فقال: أنكحنيها، فقال علي: إني أرصدها لابن أخي جعفر، فقال عمر: أنكحنيها فوالله ما من الناس أحد يرصد من أمرها ما أرصد . فأنكحه علي فأتى عمر المهاجرين فقال: ألا تهنئوني؟ فقالوا: بمن يا أمير المؤمنين فقال: بأم كلثوم بنت علي وابنة فاطمة بنت رسول الله إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب ونسب».

وأنجبت له زيداً ورقية، أما زيد فلم تدم به الحياة إذ توفي شاباً يافعاً (وكان مقتله نتيجة شجار حصل بين بيتين من بيوت أعمامه بنى عدي، فخرج ليصلح بينهما فجاءته ضربة في رأسه خطأً لم يعلم مصدرها، ولم يلبث كثيراً حتى توفاه الله هو وأمه أم كلثوم رضي الله عنهما في وقت واحد).

وصلى عليه أخوه  عبد الله بن  عمر وخلفه خالاه الحسن والحسين سنة 45 هـ. رضي الله عنهم أجمعين. [تاريخ دمشق لابن عساكر ترجمة زيد بن عمر]

أما رقية بنت عمر من أم كلثوم فتزوجت من إبراهيم بن نعيم بن النحام أحد بني عدي (الإصابة لابن حجر ترجمة ابراهيم بن نعيم بن النحام).