هدي السلف في رمضان

يروى أن الإمام مالكا - رحمه الله- كان يستأذن أصحابه بعد انتهاء درس العلم ليجلس مع الصحابة ساعة، فيتدارس كتبهم، ويقرأ قصصهم، فتنطبع في نفسه تلك القدوة، التي لم يقدر له أن يعيش معهم، فإن حرم معاشرتهم الحية، فسيرتهم زاد له على الطريق.    كن كالصحابة في زهد وفي ورع            القوم هم ما لهم في الناس أشباه       عبـاد ليل إذا جـن الظـلام بهم            كم عابـد دمعه في الخـد أجراه ومن المهم ونحن في رحاب شهر رمضان أن نقف مع الصحابة والسلف الصالح وقفات عميقة، نستعرض طرفا من سيرتهم العطرة في شهر رمضان؛ لتكون لنا زادا وقدوة على الطريق:

1- الدعاء أن يبلغهم اللهشهر رمضان: يقول معلى بن الفضل: "كان الصحابة يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم"، وقال يحيى بن أبي كثير: "كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان ، اللهم سلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلا".

2- تسمية شهر رمضانبـ "المطهر" : كما وردعن عمر بن الخطاب  رضي الله عنه  أنه كان يقول عند دخول رمضان: "مرحبا بمطهرنا من الذنوب".

3- الإكثار من الدعاءبالمغفرة: فقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما  إذا أفطر يقول: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي".

4-  الاهتمام بالقرآن الكريم اهتماماخاصا: قال ابن رجب: وفي حديث فاطمة  رضي الله عنها  عن أبيها  صلى الله عليه وسلم  أنه أخبرها "أن جبريل (عليه السلام) كان يعارضه القرآن كل عام مرة وأنه عارضه في عام وفاته مرتين" (متفق عليه)، وفي حديث ابن عباس "أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلا" (متفق عليه( . فدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى:  ( إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ) المزّمِّل : 6 ، وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن كما قال تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) البقرة : 185. ( لطائف المعارف ص315) . وكان عثمان بن عفان (رضي الله عنه) يختم القرآن مرة كل يوم. وكان بعض الصحابة يختم القرآن كل سبع ليال في التراويح؛ فقد ورد عن عمران بن حدير قال: "كان أبو مجلز يقوم بالحي في رمضان يختم في كل سبع".

وكان بعض السلف يختم القرآن في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم فيكل سبع، وبعضهم في كل عشر. وكان قتادة يختم في كل سبع دائما، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة. وكانت الخشية هي الغالبة عليهم في قراءتهم؛ فقد أخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ( أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ) النجم: 59-60، بكى أهل  الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بكاءهم بكى معهم فبكينا ببكائه، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع"  رواه الترمذي: (1633) . وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع الأعمال وأقبل على قراءة القرآن. وكان الوليد بن عبد الملك يختم في كل ثلاث، وختم في رمضان سبع عشرة ختمة. وقال الربيع بن سليمان: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة وفي كل شهر ثلاثين ختمة. قال أبو بكر بن الحداد: "أخذت نفسي بما رواه الربيع عن الشافعي، أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة، سوى ما يقرأ في الصلاة، فأكثر ما قدرت عليه تسعا وخمسين ختمة، وأتيت في غير رمضان بثلاثين ختمة". وكان محمد بن إسماعيل البخاري يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. قال ابن رجب الحنبلي: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، وخصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن ؛ اغتناما للزمان والمكان، وهذا قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم"  لطائف المعارف .

5- إطالة صلاتي التراويحوالقيام: فكان الصحابة رضوان الله عليهم  لا يقرءون بآية أو آيتين كما يصنع بعض المسلمين؛ فقد ورد عن السائب بن يزيد قال: "أمر عمر بن الخطاب  رضي الله عنه  أبي بن كعب وتميما الداري  رضي الله عنهما  أن يقوم الناس في رمضان بإحدى عشرة ركعة، فكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر". وكانوا يعدون من يقرأ سورة البقرة في اثنتي عشرة ركعة من المخففين؛ ومن كلام عبد الرحمن بن هرمز قوله: فكان القراء يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها القراء في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف عنهم".

عن نافع بن عمر بن عبد الله قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: "كنت أقوم بالناس في شهر رمضان فأقرأ في الركعة: الحمد لله فاطر ونحوها، وما يبلغني أن أحدا يستثقل ذلك". بل ورد أنهم كانوا يقومون الليل حتى يقترب الفجر، وما يكاد أحدهم ينتهي من السحور حتى يؤذن للفجر، فعن مالك عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: سمعت أبي يقول: "كنا ننصرف في رمضان من القيام، فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر".

6 -الخلوةللعبادة: فقد ورد عن نافع مولى ابن عمر أنه قال: " كان ابن عمر رضي الله عنهما  يقوم في بيته في شهر رمضان، فإذا انصرف الناس من المسجد أخذ إداوة من ماء، ثم يخرج إلى مسجد رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، ثم لا يخرج منه حتى يصلي فيه الصبح". وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه وقع عليهم الهم: أيقبل منهم أم لا؟

7- اجتهاد النساءوالشيوخ: كان الصحابة رضوان الله عليهم  يحرصون على طول القيام مع كبر سنهم، ولم يكن هذا مانعهم من أن يطيلوا؛ فقد ورد عن سعيد بن عامر عن أسماء بن عبيد قال: "دخلنا على أبي رجاء العطاردي، قال سعيد: زعموا أنه كان بلغ ثلاثين ومائة، فقال: يأتوني فيحملوني كأني قفة حتى يضعوني في مقام الإمام فأقرأ بهم ثلاثين آية، وأحسبه قد قال: أربعين آية في كل ركعة يعني في رمضان"، بل ورد أن أبا رجاء كان يختم بالناس القرآن في قيام رمضان كل عشرة أيام. ولم يكن النساء أقل نصيبا في صلاة التراويح من الرجال،فيروي أبو أمية الثقفي عن عرفجة أن عليا رضي الله عنه كان يأمر الناس بالقيام في رمضان، فيجعل للرجال إماما، وللنساء إماما، قال: فأمرني فأممت النساء.

8 -  الجـودوالكـرم: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، وإن جبريل -عليه السلام- كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» متفق عليه. وقال ابن رجب: قال الشافعي - رحمه الله: "أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم. وكان ابن عمر رضي لله عنهما  لا يفطر إلا مع المساكين، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه إياه، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائما ولم يأكل شيئا.

9- التقليلمن الطعام: قال ابراهيم بن أبي أيوب: كان محمد بن عمرو الغزي يأكل في شهر رمضان أكلتين. وقال أبو العباس هاشم بن القاسم: كنت عند المهتدي عشية في رمضان فقمت لأنصرف فقال: اجلس، فجلست، فصلى بنا، ودعا بالطعام فأحضر طبق خلاف عليه أرغفة، وآنية فيها ملح وزيت وخل، فدعاني إلى الأكل فأكلت أكل من ينتظر الطبيخ، فقال: ألم تكن صائما؟ قلت: بلى، قال: فكل واستوف فليس هنا غير ما ترى. فمن أراد الاستمتاع بالصلاة فلا يكثر من الطعام، بل يخفف؛ فإن قلة الطعام توجب رقة القلب،وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب. أنت فـي دار شــتات فتأهــب لشـتاتـك واجعل الدنيـا كيـوم صمته عن شـهواتـك وليكن فطرك عند الله فـي يـوم وفـاتــك قال محمد بن واسع: "من قل طعامه فهم وأفهم وصفا ورق، وإن كثرة الطعام تمنع صاحبها عن كثير مما يريد". وقال سلمة بن سعيد: "إن كان الرجل ليعير بالبطن كما يعير بالذنب يعمله". وقد تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "كف عنا جشاءك ؛فإن أطولكم شبعا في الدنيا أطولكم جوعا يوم القيامة" رواه الترمذي.

 

10- حفظاللسان وقلةالكلام وتوقي الكذب: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» أخرجه البخاري. قال المهلب: "وفيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه، وتعرض لسخط ربه، وترك قبوله منه" أخرجه ابن أبي شيبة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو والحلف" أخرجه ابن أبي شيبة. وعن علي بن أبي طالب  رضي الله عنه  قال: "إن الصيام ليس من الطعام والشراب ولكن من الكذب والباطل واللغو" أخرجه ابن أبي شيبة. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما  قال: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء"  أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصيام، باب ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب (422/2). وعن عطاء قال: سمعت أبا هريرة  رضي الله عنه  يقول: "إذا كنت صائما فلا تجهل ولا تساب، وإن جهل عليك فقل: إني صائم" (أخرجه عبد الرزاق في المصنف. وعن مجاهد قال: "خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة،والكذب" (أخرجه ابن أبي شيبة).

11 - الاجتهاد في العشرالأواخر: أما في العشر الأواخر فكانوا يجتهدون اجتهادا منقطع النظير؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي  صلى الله عليه وسلم  إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر" (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية لمسلم: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره". وذلك كله رغبة في بلوغ ليلة القدر المباركة، التي كانوا يستعدون لها استعدادا خاصا، فكان بعضهم يغتسل ويتطيب في ليلة السابع والعشرين، التي رجح بعض العلماء أنها ليلة القدر، فيقضونها بين صلاة وذكر، وقيام وقراءة قرآن، ودعاء وتضرع لله تعالى، سائلينه أن يعتق رقابهم من النار.

قال الشافعي - رحمه الله: ويسن زيادة الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان".       وذكر ابن جرير - رحمه الله-  "أن كثيرا من السلف الصالح كانوا يغتسلون في كل ليلة من ليالي العشر، كان يفعل ذلك أيوب السختياني - رحمه الله, وكان يفعله الإمام مالك - رحمه الله- فيما يرجح عنده أنه من ليالي القدر، فيغتسل ويتطيب ويلبس حلة لا يلبسها إلى العام القادم من شهر رمضان،وكان غيرهم يفعل مثل ذلك.

      فتشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم               إن التشبه بالرجال فلاح



أنواع الصيام

قال علي بن الحسين رضي الله عنهما :

الصوم على أربعين وجها، عشرة منها واجب كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربع عشرة منها صاحبها بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب.

قال: أما الواجب فصوم شهر رمضان، وصوم شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، وصيام ثلاثة أيام كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام، وصيام حلق الرأس، وصوم دم المتعة لمن لم يجد الهدي، وصوم جزاء الصيد، يقوم الصيد قيمته ثم يقسم ذلك الثمن على الحنطة. وأما الذي صاحبه بالخيار: فصوم الاثنين والخميس، وستة أيام من شوال بعد رمضان، وصوم عرفة، ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار.

فأما صوم الأذن: فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها، وكذلك العبد والأمة، وأما صوم الحرام: فصوم يوم الفطر، والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك، نهينا أن نصومه لرمضان. وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر، وصوم الضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من نزل على قوم فلا يصومنَّ تطوعا إلا بإذنهم».

وأما صوم الإباحة: فمن أكل أو شرب ناسيا أجزأه صومه، وأما صوم المريض والمسافر، فقال قوم: يصوم، وقال قوم: لا يصوم، وقال قوم: إن شاء صام وإن شار أفطر، وأما نحن فنقول: يفطر في الحالين، فإن صام في السفر والمرض فعليه القضاء.



سعيد بن عامر

صاحب التجارة الرابحة مع الله

 

  • سعيد بن عامر ثمرة من ثمرات الثبات:

    اعلم أيها الأخ الكريم أن ثباتك على الحق يثمر لك كل خير في الدنيا والآخرة. وقد يشرح الله صدر إنسان إلى الدخول في الإسلام أو إلى الالتزام - إن كان من عصاة المسلمين – عندما يراك ثابتاً على الحق.

    وها هو سعيد بن عامر رضي الله عنه كان إسلامه ثمرة من ثمرات الثبات للصحابي الجليل خبيب ابن عدي رضي الله عنه.

    فلقد كان سعيد مشركاً عندما ذهب مع مشركي قريش وزعمائهم لمشاهدة مصرع خبيب بن عدي بعد أن غدروا به وبأصحابه، وعندما اجتمعت تلك الحشود والجماهير من مشركي قريش وقف سعيد بن عامر يرقب الموقف، وإذا بخيب بن عدي يقول لهم بصوت هادئ: دعوني حتى أركع ركعتين فتركوه فصلاهما- ويا لها من صلاة عندما تكون صلاة مودع ينتظر بعدها لقاء ربه جل وعلا فلم سلم قال: والله لولا أن تقولوا: إن ما بي جزع لزدت. فقاموا وصلبوه ولفظ أنفاسه الأخيرة.

    بعد ساعات معدودة كانت قريش قد تناست ما فعلته بخيب، ولكن سعيد بن عامر لم يستطع أبداً أن ينسى هذا المشهد المهيب، وهذا الثبات العجيب، وظل يتذكر هذا الثبات الذي نبع من قلب قد امتلأ حباً لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم.

  • فطنة وذكاء وزهد وحياء:

    إن فطنة وذكاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في اختيار الولاة أمر لا ينكر.

    فقد كان لا يعطى الولاية لمن يريدها بل كان يعطيها لمن يهرب منها، ولمن امتلأ قلبه خوفاً من الله وحباً لمن حوله من البشر وزهداً في الدنيا وهنا وقع الاختيار على سعيد بن عامر ليتولى شأن مدينة حمص التي كانت مركزاً تجارياً مرموقاً، وداراً مليئة بالإغراءات التي لا يثبت أمامها إلا الزهاد العباد.

    فدعا عمر بن الخطاب سعيداً وعرض عليه ولاية مدينة حمص فما كان من سعيد إلا أن قال: لا تفتني يا أمير المؤمنين. فقال: والله لا أدعك قلدتموها في عنقي وتركتموني. فقال عمر: ألا نفرض لك رزقا؟ قال: قد جعل الله تعالى في عطائي ما يكفيني دونه أو فضلاً على ما أريد.

    قال: وكان إذا خرج عطاؤه ابتاع لأهله قوتهم وتصدق ببقيته. فتقول له امرأته: أين فضل عطائك؟ فيقول لها: قد أقرضته. فأتاه ناس فقالوا: إن لأهلك عليك حقاً وإن لأصهارك عليك حقاً. فقال: ما أنا مستأثر عليهم، ولا بملتمس رضا أحد من الناس لطلب الحور العين، ولو اطلعت خيِّرة من خيرات الجنة لأشرقت لها الأرض كما تشرق الشمس.

    وفي رواية: أنه لما عزل عمر بن الخطاب معاوية بن أبي سفيان عن الشام بعث ابن عامر بن حذيم الجمحي. قال: فخرج معه بجارية من قريش نضيرة الوطه. قال: فما لبث إلا يسيراً حتى أصابته حاجة شديدة. قال: فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بألف دينار. قال: فدخل بها على امرأته فقال: إن عمر بعث إلينا بما ترين. فقالت: لو أنك اشتريك أدما – جلداً وطعاماً وادخرت سائرها. فقال لها: أو لا أدلك على أفضل من ذلك؟ نعطي هذا المال من يتجر لنا فيه فنأكل من ربحها وضمانها عليه. قال: فنعم إذاً.

    فاشترى أدماً وطعاماً واشترى غلامين وبعيرين يمتاران عليهام حوائجهم وفرقها على المساكين وأهل الحاجة.

    قال: فما لبث إلا يسيراً حتى قالت له امرأته: إنه قد نفد كذا وكذا- الطعام والشراب – فلو أثتيت ذلك الرجل فأخذت لنا من الربح فاشتريت لنا مكانه. قالت: فسكت عنها، ثم عاودته، فكست عنها، حتى آذته ولم يدخل بيته إلا من ليلٍ إلى ليل.

    قال: وكان رجل من أهل بيته ممن يدخل بدخوله. فقال لها: ما تصنعين؟ إنك قد آذيته، وإنه قد تصدق بذلك. قال: فبكت أسفاً على ذلك المال.

    قال: ثم إنه دخل عليها يوماً فقال: على رسلك إنه كان لي أصحاب فارقوني منذ قريب ما أحب أني صددت عنهم وإن لي الدنيا وما فيها، ولو أن خيرة من خيرات الجنان اطعلت من السماء لأضاءت لأهل الأرض، ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر، ولتصنيف تكسي خير من الدنيا وما فيها. فلأنت في نفسي أحرى أن أدعك لهن من أن أدعهن لك. قال: فسمحت ورضيت(1).

  • رسالة عاجلة إلى حكام المسلمين:

    وأسوق تلك القصة على وجه السرعة إلى كل راعٍ استرعاه الله رعية صغرت أم كبرت لكي يتعلم أن الولاية تكليفٌ لا تشريف، وأنها أمانة وأنها يوم القيامة خزيٌ وندامة.

    والآن نعيش سوياً مع هذا المشهد المهيب.

    ها هو أمير المؤمنين عمر يأمر بعض من يثق بهم من أهل مدينة حمص أن يكتبوا له كشفاً بأسماء الفقراء فرفع إليه الكتاب فإذا فيه سعيد ابن عامر بن حذيم (أميرها) فقال: من سعيد بن عامر؟ قالوا: أميرنا. قال: أميركم؟ قالوا: نعم. فعجب عمر، ثم قال: كيف يكون أميركم فقيراً. أين عطاؤه. أين رزقه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين لا يمسك شيئاً. قال: فبكى عمر ثم عمد إلى ألف دينار فصرها ثم بعث بها إليه. وقال: أقرتوه مني السلام وقولوا بعث بهذه إليك أمير المؤمنين تستعين بها على حاجتك. قال فجاء بها إليه الرسول فنظر فإذا هي دنانير. قال: فجعل يسترجع  يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون- قال: تقول له امرأته: ما شأنك يا فلان أمات أمير المؤمنين. قال: بل أعظم من ذلك. قالت: فما شأنك؟ قال: الدنيا أتتني، الفتنة دخلت علي. قالت: فاصنع فيها ما شئت. قال عندك عون؟ قالت: نعم. قال: فأخذ دريعة فصر الدنانير فيها صراراً ثم جعلها في مخلاة ثم اعترض جيشاً من جيوش المسلمين فأمضاها كلها. فقالت له امرأته: رحمك الله لو كنت حبست منها شيئاً تستعين به فقال لها: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى أهل الأرض لملأت ريح مسك وغني والله ما كنت لأختارك عليهن. فسكتت(2).

  • شامة في جبين التاريخ وتجارة رابحة مع الله:

    انطلق عمر بن الخطاب كعادته يتقصى أحوال الولاة خوفاً من أن تدخل الدنيا إلى قلوبهم أو أن يكون هناك مظلمة واحدة في أي بلد من بلاد المسلمين. فلما قدم عمر حمص قال: يا أهل حمص كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه. وكان يقال لأهل حمص الكويفة الصغرى، لشكاتهم العمال. قالوا: نشكوا أربعاً: لا يخرج إلينا حتى يتعاىل النهار. قال أعظم بها، قال: وماذا؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل. قال: وعظيمة، قال: وماذا قالوا: له يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا. قال: عظيمة. قال: وماذا؟ قالوا تأخذه الغشية – الإغماء – بين الحين والحين.

    قال: فجمع عمر بينهم وبينه، وقال: اللهم لا تخيب ظني فيه اليوم.

    ما تشتكون منه؟ قالوا: لا يخرج حتى يتعالى النهار. قال سعيد بن عامر والله إن كنت لأكره ذكره، إنه ليس لأهلي خام، فأعجن عجينهم، ثم أجلس حتى يتخمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم.

    فقال عمر: ما تشتكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل. قال: ما يقولون؟ قال: إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم وجعلت الليل لله عز وجل، قال: وما تشتكون منه؟ قالوا: إن له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه. قال: ما يقولون؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي، وليس لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجف، ثم أدلكها، ثم أخرج إليهم من آخر النهار. قال: ما تشكون منه؟ قالوا: تأخذه الغشية بين الحين والحين.

    قال: ما يقولون؟ قال: شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذع فقالوا: أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني فقي أهلي وولدي وأن محمداً شيك بشوكة. ثم نادى: يا محمد، فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً فتصيني تلك الغشية. فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفل فراستي. فبعث إليه بألف دينار وقال: استعن بها على حاجتك. فقال امرأته: الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ ندفعها إلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها. قالت: نعم فدعا رجلاً من أهله يثق به فصررها صرراً ثم قال: انطلق بهذه إلى أرملة آل فلان، وإلى مسكين آل فلان، وإلى مبتلى آل فلان. فبقيت منها ذهبية. فقال: انفقي هذه ثم عاد إلى عمله فقالت: ألا تشتري لنا خادماً؟ ما فعل ذلك المال؟ قال: سيأتيلك أحوج ما تكونين – يعني في الآخرة(3).

    فرضي الله عن سعيد وعن سائر الصحابة أجمعين.

    الهوامش :

    (1) صفة الصفوة (1/278-279).

    (2) صفوة الصفوة (1/280).

    (3) صفوة الصفوة (1/280-281).

     



حـــال النبي مع زوجــــاتـه في رمـــضان

 

من تتبع حاله مع زوجاته صلى الله عليه وسلم في رمضان علم مدى التوازن الضخم الذي كان محققا له في حياته صلى الله عليه وسلم،

إذ كان كما وصف نفسه صلى الله عليه وسلم : (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا ) (1)،    ( قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ) (2)، ( أنا أتقاكم لله وأعلمكم بحدود الله ) (3)، وقد بان بعض ذلك من خلال ما سبق في أحواله صلى الله عليه وسلم مع ربه في رمضان، وفي المقابل كان مع نسائه صلى الله عليه وسلم كما وصف نفسه فقال : ( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)(4).

- تعليمهن رضي الله عنهن:

وهذا بيِّن لمن تأمل الأحاديث الواردة في حاله صلى الله عليه وسلم في رمضان، إذ يجد أن كثيراً منها من روايتهن، سواء شاركهن أحد الصحابة رضي الله عنهم في تلقيها عنه صلى الله عليه وسلم أم لم يشاركهن أحد، وكل ذلك تعليم وإرشاد.

ولعل من الأحاديث الدالة على ذلك: حديث عائشة رضي الله عنها حين قالت : يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها، قال: ( قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني )(5)، وحديثها رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال، وكان بلال يؤذن حين يرى الفجر ) (6)، وحديثها ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) (7)، وحديث حفصة رضي الله عنها : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من لم يُجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له )(8).

ومن ذلك :

أ- حثه صلى الله عليه وسلم لهن رضي الله عنهن على فعل الخير وإتيان العمل الصالح.

ومن الأحاديث الدالة على ذلك حديث علي رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان) (9)، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول : تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ) (10)، وحديث أبي ذر رضي الله عنه قال : ( ... ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر، وصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح، قلت له: وما الفلاح ؟ قال السحور ) (11)، وفي رواية قال : ( ... ثم كانت الرابعة فلم يقم بنا فلما بقي ثلاث من الشهر أرسل إلى بناته ونسائه وحشد الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا ) (12).

ومن هذه الآثار ندرك حكمة من حِكَم تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكثرتهن – مع انشغاله بأمر الأمة -، فقد كان ذلك جزءاً أساساً من عملية إرشاد الأمة وتعليمها الإسلام كافة بكل جوانبه الشمولية، ولم يكن جزء من ذلك ليتحقق لولا عنايته – عليه الصلاة والسلام – بتعليمهن : إرشاداً وتوجيهاً وإجابة وبياناً وترغيباً وترهيباً. وهذا فوق أنه منطلق دعوي مهم، فهو رعاية للمسؤولية الأولى، وحفظ لكيان البيت والأسرة من الجهل والكسل.

فَحَيَّ على أُسركم يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة [ التحريم:6].

ب - إذنه صلى الله عليه وسلم لزوجاته رضي الله عنهن بالاعتكاف معه.

يدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنها : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت ... ) (13)، وفي رواية قالت : ( فاستأذنته فأذن لي، واستأذنته حفصة فأذن لها ) (14).

 

الهوامش :

(1) البخاري (20 ).

 (2) البخاري (7367 ).

(3) المسند لأحمد : 5/434، واللفظ له، مسلم (1110 ).

(4) الترمذي ( 3895 )، وقال : حسن غريب صحيح، وصححه الألباني في صحيح السنن ( 3056 ) .

(5) مسلم (1147 ).

(6) ابن حبان ( 3473 )، وقال الأرنؤوط : وإسناده قوي، والمشتهر أن أذان بلال هو الأول لا أذان ابن أم مكتوم، انظر: مسلم ( 1092 ).

(7)البخاري ( 1952 ).

(8) أبو داود ( 2454 )، وصححه الألباني في صحيح السنن (2143 ).

(9) الترمذي ( 795 )، وقال حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح السنن ( 736 )، وفي البخاري ( 2024 ) من حديث عائشة رضي الله عنها: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر ... وأيقظ أهله ).

(10) البخاري ( 2020 ).

 (11) الترمذي ( 806 )، وقال حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح السنن ( 646 ).

 (12) النسائي (1364)، وصححه الألباني في صحيح السنن: ( 1292 ).

(13) البخاري ( 2045 ).

 (14) المصنف لعبد الرزاق ( 8031 )، وهو حديث صحيح.

 



قصة هجرة أبي بكر الصديق

مع النبي صلى الله عليه وآله سلم إلى المدينة

hijrat-abubaker.jpg

 

إصدار : مكتبة عالمي الممتع ومبرة الآل والأصحاب.

الكتاب من القطع الكبير ويقع في حوالي خمس وعشرين صفحة.

وهو الكتاب السابع من السلسلة الخامسة: الناشئة في رحاب الآل والأصحاب .

 

يأتي هذا الكتاب في سياق ترسيخ حب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم عند الناشئة الصغار وإظهار حقيقة تعامل بعضهم مع الآخر، ومستوى صداقتهم بعيدا عن التشويهات والتلفيقات التي تهدف إلى تشويه تاريخ سلف الأمة ، حتى تترسخ هذه الحقائق عندهم وهم في طور الطفولة والصغر الذي فيه النقش كالنقش في الحجر.

وهي قصة شائقة، تستعرض حدثا من أهم أحداث التاريخ الإسلامي قاطبة، وهو حادث الهجرة الشريفة، والتي صاحب فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر رضي الله عنه، فتناولت القصة ذلك الحادث بدءاً من الإذن في الهجرة، ثم طلب الصحبة من أبي بكر وموافقته عليها، ثم قصة الخروج إلى المدينة، وما رافقها من ملابسات وأحداث، وتجسد معنى قوله تعالى  ( إن الله معنا ).

إن هذه القصة لتتضمن مفاهيم ومعاني جليلة، مثل الصبر، والتوكل، واليقين، و الرضا، والحب في الله، ونصرة الله ورسوله، وإن إيصال مثل تلك المفاهيم لأطفالنا الناشئين لواجب أكيد علينا في حقهم.