من أحكام صيام الست من شوال

الحمد لله الذي تَمَّت بنعمته الصالحات، أكرم عباده بشهر رمضان، ثم زادهم العيد كرمًا منه وزيادةَ إحسان، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، خير من صَلَّى وصام، وعلى آله وصحبه الأطهار، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والجزاء. أَمَّا بعد: فعيدكم مبارك، وتقبَّل الله من المسلمين جميعًا صالِحَ الأعمال، وأعاد علينا رمضان أزمنة عديدة، وأعوامًا مديدة، والأمة الإسلامية في عزٍّ ورَخاء، وأمنٍ وأمان، واعلموا رَحِمَكم الله أن الله - تعالى - من رحمته بعبادِه تابع عليهم مواسِمَ الخير والطاعة، فلا يكاد ينتهي موسمٌ حتى يحل موسم آخر، يتزود فيه العِبَاد من الطاعة، ويتخَلَّوْا بالتوبة عن أدران المعصية، ومن هذه المواسم صيامُ الست من شوال؛ ، فأقول مستعينًا بالله - عَزَّ وجَلَّ -: أولاً: أصل مشروعية صيام هذه الست قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن صام رمضان، ثُمَّ أتبعه ستًّا من شوال، كان كصيام الدَّهر))؛ أخرجه مسلم (1164) عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه. وكذا ما رواه أحمد في المسند (5/280) وابن ماجه (1715) عن ثوبان - رضي الله عنه - مولَى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: ((من صام ستة أيام بعد الفطر، كان تمام السنة ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ (الأنعام: 160)))، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"، (12274).

ثانيًا: صفة صيامها: للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنَّه يستحب صيامها مُتتابعة من أَوَّلِ الشهر، وهذا قولُ الشافعي وابن المبارك، واستدلوا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن صام ستةَ أيام بعد الفطر متتابعة، فكأنَّما صام السنة كلها)) (1)، ولظاهر حديث الباب، واختار هذا القولَ جماعةٌ من الحنابلة، واختاره ابنُ مفلح، كما سيأتي.قال النووي في "المجموع"، (6/227): " ويستحبُّ أن يصومَها مُتتابعة في أول شوال، فإن فرقها أو أخَّرها عن شوال جاز، وكان فاعلاً لأصل هذه السنة؛ لعموم الحديث وإطلاقه". القول الثاني: أنَّها لا تصام عقب يوم الفطر؛ لأنَّها أيام أكل وشرب، ولكن يصام ثلاثة أيام قبل أيام البيض أو بعدها، وهذا قول معمر وعبدالرزاق ، وروي عن عطاء، وأكثر العلماء على أنَّه لا يكره صيام ثاني يوم الفطر. القول الثالث: أنه لا فرقَ بين أن يتابعها أو يفرقها من الشهر كله، وهو قول وكيع وأحمد، وهذا أصحها؛ قال في "الفروع"، (5/85): " وتحصل فضيلتها متتابعة ومتفرقة، ذكره جماعة، وهو ظاهر كلام أحمد، وقال: في أول الشهر وآخره. واستحب بعضُهم تتابعها، وهو ظاهر الخرقي وغيره، وبعضُهم عقب العيد، واستحَبَّهما ابن المبارك والشافعي وإسحاق، وهذا أظهر، ولعَلَّه مراد أحمد والأصحاب؛ لِمَا فيه من المسارعة إلى الخير، وإن حصلت الفضيلة بغيره". والخلاصة: أنه يحصل فضلُ صومها بصومها مفرقة أو متتابعة، في أول الشهر، أو وسطه، أو آخره، والأفضل المبادرة بها؛ لأَنَّ ذلك من المسارعة في الخيرات.

ثالثًا: هل يشترط أنْ يتمَّ قضاء رمضان قبل صيامها؟لأهل العلم في ذلك قولان: القول الأول :أنَّ فضيلةَ صيام الستِّ من شوال لا تَحصل إلاَّ لِمَن قضى ما عليه من أيام رمضان التي أفطرها لعذر، واستدلوا لذلك بأنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال، كان كصيام الدهر))، وإنَّما يتحقَّق وصفُ صيام رمضان لمن أكمل العِدَّة؛ قال الهيتمي في "تحفة المحتاج"، (3/457): "لأَنَّها مع صيام رمضان؛ أي: جميعه، وإلا لَم يحصل الفضل الآتي، وإن أفطر لعذر". وبهذا قال جماعة من العلماء المعاصرين، كالشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد العثيمين - رحمهما الله. القول الثاني: أنَّ فضيلة صيام الست من شوال تحصل لمن صامها قبل قضاء ما عليه من أيَّام رمضان، التي أفطرها لعُذر؛ لأَنَّ مَنْ أفطر أيامًا من رمضان لعذر يصدق عليه أنَّه صام رمضان حكمًا، فإذا صام الست مِن شوال قبل القضاء حصل له ما رتبه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الأجر على إتباع صيام رمضان ستًّا من شوال، وقد نقل البجيرمي في حاشيته على الخطيب (2/352)، بعد ذكر القول بأنَّ الثواب لا يحصل لمن قدَّم الست على القضاء، مُحتجًّا بقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثم أتبعه ستًّا من شوال)) عن بعض أهلِ العلم الجواب التالي: "قد يقال: التبعية تشمل التقديرية؛ لأنَّه إذا صام رمضان بعدها، وقع عما قبلها تقديرًا، أو التبَعية تشمل المتأخرة، كما في نفلِ الفرائض التابع لها؛ اهـ، فيسن صومها وإن أفطر رمضان".

ورجح هذا القول ابن مفلح؛ حيث قال في "الفروع"، (5/86): رابعًا: هل تحصل هذه الفضيلة بصيام الست في غير شوال؟قال بذلك بعض أهل العلم، قال ابن مفلح في "الفروع"، (3/107): "ويتوجه احتمال: تحصل الفضيلة بصومها في غير شوال، وفاقًا لبعض العلماء، ذكره القرطبي؛ لأنَّ فضيلتها كون الحسنة بعشر أمثالها، كما في خبر ثوبان، ويكون تقييده بشوال؛ لسهولة الصوم لاعتياده رخصة، والرخصة أولى"، وقوله: (يتوجه)يدل على أنَّه يرجح القول بأن هذا الفضل يحصل بصيام الست في غير شوالوقوله: (في خبر ثوبان )هو ما سبق ذكره في بداية هذا البحث، وفيه قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من صام ستة أيام بعد الفطر))، وهذا مطلق، وليس مقيدًا بشوال، ولكن يقال: إنَّه مقيد برواية أبي أيوب - رضي الله عنه. كما يستحب لمن فاته صيامُها في شوال؛ لاشتغالها بالقضاء أنْ يَصومها بعد شوال؛ قال في "أسنى المطالب"، (1/431): "ومَن فاته رمضان فصام عنه شوالاً، استحب له أن يصومَ ستًّا من ذي القعدة؛ لأَنَّه يستحب قضاء الصوم الراتب".خامسًا: تسمية اليوم الثامن من شوال عيد الأبرار: لا يَجوز تسمية الثامن من شوال عيد الأبرار، ولا يجوز اتِّخاذه عيدًا؛ لموافقته انتهاء صيام الست من شوال، لمن صامها متتابعة بعد العيد، قال ابن مفلح في "الفروع"، (3/108): "وسَمَّى بعضُ الناس الثامن عيد الأبرار... وقال (أي: ابن تيمية): ولا يجوز اعتقادُ ثامن شوال عيدًا، فإنه ليس بعيد إجماعًا، ولا شعائره شعائر العيد، والله أعلم.

سادسًا: في فوائد معاودة الصيام بعد رمضان. ومنها: 1- أنَّ صيامَ ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدَّهر كله كما سبق. 2- أن صيامَ شوال وشعبان، كصلاة السنن الرَّواتب قبل الصَّلاة المفروضة وبعدها، فيكملبذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص، فإنَّ الفرائضَ تجبر أو تكمل بالنوافل يومَ القيامة، كما ورد ذلك عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من وجوه مُتعددة، وأكثر الناس في صيامه للفرض نقصٌ وخللٌ، فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال؛ ولهذا نهى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يقول الرجل: "صمت رمضان كله، أو قمته كله"، قال أبو بكرة - رضي الله عنه -:فلا أدري أكره التزكية، أم لا بد من الغفلة؟!(2)3- أنَّ مُعاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قَبول صوم رمضان، فإنَّ الله إذا تقبَّل عملَ عبدٍ، وفقه لعمل صالِحٍ بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنةِ الحسنةُ بعدها. 4- أنَّ صيامَ رمضان يوجب مَغفرةَ ما تقدم من الذُّنوب، وهذه نعمة، ويومَ الفطر هو يومُ الجوائز، فيكون معاودةُ الصيام بعد الفطر شُكرًا لهذه النعمة، فلا نعمةَ أعظم من مغفرة الذنوب، وقد كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقوم حتى تتورم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟! فيقول: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!))(3) 5- أن المبادرة بالعودة للصوم بعد الفطر تدُلُّ على إقبال العبد على الخير، ورغبته في الصيام، وأنَّه لَم يَملَّه ولم يستثقله، والأعمال الصالحة لا تنقطع بانقضاء رمضان(4).تنبيه:لا يصح أن يجمع في النية بين صيام القضاء، وبين صيام الست من شوال؛ لأن الواجب (وهو القضاء) لا يصح جمعه بالنية مع غيره، بل لا بُدَّ من إفراده بنية تخصه.

وصَلَّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش :

(1)  - رواه الطبراني في "الأوسط"، (7607)، وضعفه الحافظ ابن رجب في "اللطائف"، (ص390)، وقال الهيثمي في "المجمع"، (3/425): "فيه مَن لَم أعرفه".

(2) -أخرجه أحمد (19520)، وأبو داود (2415)، والنسائي (2109) عن أبي بكرة - رضي الله عنه - وأشار أبو داود لضعفه، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، لعنعنة الحسن وهو مدلس، وصححه ابن خزيمة (2075)، وابن حبان (3439). (3) - أخرجه البخاري (1130)، ومسلم (2819) عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه. (4) -انظر: "لطائف المعارف"، (393 - 396) بتصرف.



قصة أم المؤمنين

خديجة بنت خويلد رضي الله عنها

khadija-bint-khwaild.jpg

إصدار : مكتبة عالمي الممتع ومبرة الآل والأصحاب.

الكتاب من القطع الكبير ويقع في حوالي خمس وعشرين صفحة.

وهو الكتاب السادس من السلسلة الخامسة:  الناشئة في رحاب الآل والأصحاب .

وهي السلسلة التي تهتم بالناشئة من أبنائنا الصغار، وهو امتداد للخط الذي انتهجته المبرة تحت شعار «آل البيت والصحابة محبة وقرابة» وتكريس لهذا المفهوم، وغرس لحب هذا الجيل الطاهر الطيب من الآل والأصحاب في نشء الأمة، بالإضافة إلى كونها حماية لهم منذ الصغر من التأثر بأي من الشبهات والنعرات الطائفية التي لا يستفيد منها إلا أعداء الإسلام.

واستمراراً للتعاون بين المبرة ومكتبة عالمي الممتع المتخصصة في قصص الأطفال، تأتي هذه القصة التي تبين واحدة من أهم أحداث السيرة النبوية، وهي زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خديجة رضي الله عنها، وما صاحب هذا الزواج من التماس خديجة فضائل أخلاق الرسول، ومناقبه الجمة، ثم إنجابها الأولاد منه، وما عاصر ذلك من حادثة نزول الوحي، وموقف خديجة رضي الله عنها العظيم مع الرسول، وتأييده ومساندته، ثم مواقفها العظيمة مع الرسول ومواساتها له بنفسها وأموالها، ثم وفاتها، وما أصاب الرسول من الألم والحزن جراء ذلك .

وكذلك اشتملت القصة على مجموعة من الأسئلة التربوية المتنوعة في الطرح، لتعمل على تثبيت معلومات القصة وفحواها لدى الطفل.



علاقة سلمانالفارسي بعمر بن الخطاب رضي الله عنهما

 

إن المتأمل في العلاقة بين سلمان الفارسي وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما يجد أنها علاقة من نوع فريد كيف لا؟ وهما اللذان تربيا في مدرسة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ففهما معنى الأخوة الحقيقية التي لا يشوبها زيف، ولا يعكر صفوها شيء رغم أنوف الحاقدين،  ولعل من معالم هذه العلاقة ما يلي :-

(1) الأخوة في الإسلام:-

اتخذ عمر من سلمان أخاً له،  فقد روى أبو نعيم في الحلية أنه كان بين سعد بن أبي وقاص    و سلمان الفارسي شيء فقال سعد وهم في مجلس : انتسب يا فلان، فانتسب ثم قال للآخر: انتسب، ثم قال للآخر، حتى بلغ سلمان فقال: انتسب يا سلمان، قال : ما أعرف لي أباً في الإسلام ولكني سلمان ابن الإسلام، فنمى ذلك إلى عمر، فقال عمر رضي الله عنه لسعد ولقيه: انتسب يا سعد فقال : أنشدك الله يا أمير المؤمنين قال : فكأنه عرف فأبى أن يدعه حتى انتسب ثم قال  للآخر ، حتى بلغ سلمان فقال : انتسب يا سلمان فقال : أنعم الله علي بالإسلام فأنا سلمان ابن الإسلام، فقال عمر : قد علمت قريش أن الخطاب كان أعزهم في الجاهلية وأن عمر ابن الإسلام أخ لسلمان ابن الإسلام أما و الله لولا سابقتك لعاقبتك عقوبة يسمع بها أهل الأمصار، أو ما علمت أو ما سمعت أن رجلا انتمى إلى تسعة آباء في الجاهلية فكان عاشرهم في النار و انتمى رجل إلى رجلٍ في الإسلام وترك ما فوق ذلك وكان معه في الجنة (1) ومن هنا نجد مدى الحب الذي كان يكنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسلمان الفارسي رضي الله عنه فقد دافع عنه أمام الجميع بل لم يكتف بذلك فجعل منه أخاً له.

 (2) عمر يلحق سلمان بأهل بدر:-

رغم أن سلمان الفارسي لم يشهد بدرا حيث حال الرق بينه وبين ذلك إلا أن عمر بن الخطاب أعطى له مثل عطاء أهل بدر وسواه بسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين وأبي ذر (2) هكذا تقييم الفاروق لسلمان إنه يجعله موازياً لأهل بدر في العطاء وموازياً للحسن والحسين وأبي ذر في العطاء وإنه تقدير عجيب من رجل عجزت النساء أن يلدن مثله.

(3) مكانة سلمان عند عمر :-

كان لسلمان الفارسي عند عمر بن الخطاب مكانة عظيمة وحظوة جليلة فقد جعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه رائداً للمسلمين وداعيتهم لأهل فارس في معركة القادسية (3) وهذا معناه كبير وخطير فقد اختاره عمر لذلك المنصب الرفيع رائداً وداعياً لجيش فيه  خلاصة الرجال وفيهم آلاف من الصحابة وأبناء الصحابة الأكرمين وهذا مؤشر خطير نعلم منه مدى العلاقة التي كانت بينه وبين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وكيف كان تقدير عمر لشخصيته واعتراف الجميع بفضله ، فقد انتصر بضع وثلاثون ألفا على نحو مائتي ألف من الفرس فكان سلمان عند حسن ظن عمر به  ، فكان ينفذ ما يأمره به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودليل ذلك ما أخرجه الترمذي في سننه  عن أبي البختري أن جيشاً من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي فحاصروا قصرا من قصور فارس فقالوا : يا أبا عبد الله ألا ننهد إليهم فقال دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعوهم فقال لهم إنما أنا رجل منكم فارسي أترون العرب تطيعني فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون ، قال : ورطن إليهم بالفارسية وأنتم غير محمودين وإن أبيتم نابذناكم على سواء ، فقالوا : ما نحن بالذي نؤمن وما نحن بالذي نعطي الجزية ولكنا نقاتلكم ، قالوا : يا أبا عبد الله ألا ننهد إليهم ؟ قال : لا فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا ثم قال أنهدوا إليهم فنهدوا إليهم قال ففتحوا ذلك الحصن(4).

ولعل من أفضل ما اختص به عمر بن الخطاب سلمان الفارسي اختياره ليحدد الموقع الذي بنيت فيه الكوفة حيث كتب عمر إلى سعد: أخبرني ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم؟ فكتب إليه سعد: إن الذي غيرهم وخومة البلاد، وإن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان. فكتب إليه عمر: أن ابعث سلمان وحذيفة رائدين فليرتادا منزلاً برياً بحرياً ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر. فأرسلهما سعد، فخرج سلمان حتى يأتي الأنبار فسار في غربي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى الكوفة، وسار حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى الكوفة، وكل رمل وحصباء وخصاص خلال ذلك، فأعجبتهما البقعة فنزلا فصليا ودعوا الله تعالى أن يجعلها منزل الثبات.(5)

وهكذا اختار عمر سلمان رائدا يرتاد منزلاً برياً بحرياً فوقع اختيار سلمان وحذيفة على موقع قامت فيه الكوفة فيما بعد فكان اختياراً مباركاً وجميلاً.وكذا من أبرز ما اختص به عمر بن الخطاب سلمان الفارسي جعله واليا على المدائن (6) .

 (4) تقدير عمر لسلمان :-

لقد بلغ سلمان الفارسي منزلة عظيمة عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه لدرجة أنه حينما قدم سلمان الفارسي على عمر قال : اخرجوا بنا نتلق سلمان (7).

ولعل من أفضل التقدير لسلمان الفارسي عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقبل عمر لمقاطعة سلمان وهو على المنبر وتلقى ذلك بصدر رحب.

فعن أبي حاتم عن العتبي قال: بعث إلي عمر بحلل فقسمها فأصاب كل رجل ثوباً ثم صعد المنبر وعليه حلة والحلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟! فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: لم يا أبا عبد الله؟! قال :إنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك حلة، فقال: لا تعجل يا أبا عبد الله، ثم نادى يا عبد الله، فلميجبه أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر، فقالك لبيك يا أميرالمؤمنين، فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم، قال سلمان: فقل الآن نسمع. (8)

 

(5) تقدير سلمان لعمر:

علم سلمان الفارسي ما لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من مكانة عظيمة كصحابي جليل فكان أخوه في الإسلام كما ذكرنا سابقا فأعطاه حقه دون تزييف ولا بهتان  فروى الطبراني في الكبير عن أنس بن مالك قال: : دخل سلمان على عمر رضي الله عنهما وهو متكئ على وسادة فألقاها له فقال سلمان : الله أكبر صدق الله ورسوله فقال عمر : حد ثنا يا أبا عبد الله قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو متكىء على وسادة فألقاها إلي ثم قال : ( يا سلمان ما من مسلم يدخل على أخيه المسلم فيلقي له وسادة إكراماً له إلا غفر الله له ) (9).

ولعل من أفضل صور تقدير سلمان لعمر ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن عبد الرحمن بن يزيد قال : خرجت في جيش فيه سلمان فحاصرنا قصراً فأمنَّاهم وفتحنا القصر وخلفنا فيه صاحباً لنا مريضاً ثم ارتحلنا فجاء بعدنا جيش من أهل البصرة ولم يعلموا بأماننا فقال لهم : إن أصحابكم قد آمنونا فلم يقبلوا ذلك منهم ففتحوا القصر عنوة وقتلوا الرجل المريض ثم حملوا الذرية حتى أتوا بهم سلمان الفارسي العسكر فقال لهم سلمان : احملوا الذرية فردوها إلى القصر وأما الدم فيقضي فيه عمر(10).

 (6) سلمان وأمانة الفتوى:

روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن سلمان أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر (11).

إننا أمام عملاقين  يتحاوران : عمر عملاق الحق وسلمان عملاق الحقيقة انظر إلى العظمة تتلألأ من قلب عمر وسلمان فيأخذك العجب أي الرجلين أعظم من الآخر عمر أم سلمان، عمر الذي يملك الدنيا شرقها وغربها ويسوسها كلها بموازين العدل فلا تهتز في يده لحظة واحدة، عمر الذي هذه ذرة من عجائب شخصيته يريد أن يسمع من سلمان شهادة صدق عن شخصيته أملك أنا أم خليفة ؟ فماذا كان جواب العملاق سلمان، لقد قال له : إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر ووضعته في غير حقه فأنت ملك انظر نعم السائل ونعم المسئول رجال لا يخافون في الله لومة لائم ،هنالك علا عمر ثم علا ثم علا فانفجرت منه أمواج النور فجعل يبكي .

الهوامش :

[1] - حلية  الأولياء  1/185  - شعب الإيمان 4/ 286 ابن الأثير جامع الأصول في أحاديث الرسول 2/444 - سير أعلام النبلاء 1/544- مختصر تاريخ دمشق 1/1341 .

2- ابن الأثير الكامل  1/428

3- الطبري  تاريخ الأمم والملوك 2/463 ابن الأثير الكامل 1/432-

4- سنن الترمذي 4/119 رقم (1548) حلية الأولياء 1/189 مسند الصحابة 45 / 474 أخبار أصبهان 1/ 143 رقم 132 جامع الأصول  2/ 594 رقم 1075

5 - رواه ابن سعد في الطبقات 6/12 مختصراً من غير اسناد البلاذري فتوح البلدان 274 275 من رواية معمر بن المثنى عن أشياخه ، الطبري تاريخ الأمم والملوك 2/477- 478 من رواية سيف ابن الجوزي المنتظم 4/222 من رواية سيف أيضا ابن خلدون التاريخ 2/111 الكامل في التاريخ 1/438

6 - سيأتي الحديث عن ولاية سلمان الفارسي على المدائن في مبحث خاص

7 - الطبقات 4/86

8 - صفوة الصفوة 1/535

9 - الطبراني  المعجم الكبير 6/227

10 - سنن سعيد بن منصور 2/231

11 - الطبقات الكبرى 3/306 الطبري تاريخ المم والملوك 2/571- ابن الاثير الكامل  : 1/473 السيوطي : تاريخ الخلفاء  1/124 انساب الأشراف 3/411



سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

وجمال الجهاد والبطولة

  • أشدّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعة: عمر وعلي والزبير  وسعد.

  • شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

  • ما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أباه وأمه لأحد قبل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

  • أوَّل من رمى بسهم في سبيل الله سعد رضي الله عنه.

     

    بين سعد رضي الله عنه والبطولة علاقة من نوع خاص وحنين من نوع فريد، فالرجل كان بطلاً بحق ومجاهداً بصدق، وكان إذا قاتل، قاتل قتال من لا يخشى الموت، وفيما يلي نتحدث عن معالم البطولة في حياة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

    أحب سعد رضي الله عنه القتال وألفه منذ صغره، فكان يريش النبل ويصنعه في الجاهلية، فلما جاء الإسلام صار من أبرع الرماة، وأقوى الفرسان، وأبرز القادة الشجعان.

    فكان سعد رضي الله عنه من مشاهير الشجعان، ومن أشداء أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان إذا رمى في الحرب عدوّا أصابه.. وإذا دعا الله دعاءً أجابه..!!

    قال ابن إسحاق: كان أشدّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أربعة: عمر وعلي والزبير  وسعد، يعني ابن أبي وقاص(1).

     أول من رمى بسهم في سبيل الله تعالى :

    وشهد سعد رضي الله عنه المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،، فما توانى ولو لحظة عن نصرة دينه وأمته.وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله تعالى، وكان يقال له: فارس الإسلام(2).

    يقول ابن كثير: وهاجر- سعد - وشهد بدراً وما بعدها، وهو أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله، وكان فارساً شجاعاً من أمراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان في أيام الصِّدِّيق معظماً جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر(3).

    وذكـر ابـن عساكـر: وشـهـد سـعــد بـدراً وأحـداً وثبت يـوم أحــد مــع  رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ولى الناس وشهد الخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة وكانت معه يومئذ إحدى رايات المهاجرين الثلاث، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان من الرماة المذكورين من أصحاب   رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(4).

    ولقد أقر له النبي ص بشدته وقوته على المشركين فقال له فيما رواه الترمذي بسنده عن سعيد بن المسيب يقول: قال علي: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أباه وأمه لأحد إلا لسعد بن أبي وقاص قال له يوم أحد: أرم فداك أبي وأمي، قال له: ارم أيها الغلام الحزور(5).

    والغلام الحزور هو: الشديد القوي الصلب(6) ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لن يصفه بهذا  الوصف إلا إذا كان أهلاً له.

    وروى البخاري بسنده عن قيس قال: سمعت سعدا رضي الله عنه يقول: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام؟ لقد خبت إذاً وضلَّ عملي، وكانوا وشوا بي إلى عمر، قالوا: لا يحسن يصلي(7).

    وقال جابر بن سمرة . قال: أوَّل الناس رمى بسهم في سبيل الله سعد رضي الله عنه(8).

    بطولته في غزوة بدر :

    وفي غزوة بدر ظهرت قوة سعد وشجاعته، حتى أنه وكما يروي ابن مسعود جاء وحده يوم بدر بأسيرين(9).

    وقال عبد الله بن مسعود: لقد رأيت سعداً يقاتل يوم بدر قتال الفارس في الرجال(10).

    وفي أحد برزت بسالته وصلابته حين وقف يدافع عن النبي ص كالجبل الأشـم والطود الشامـخ فما هان ولا لان، وما تخاذل وما تكاسل، بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يناوله السهام- كما مرَّ- ويقول له: ارم فداك أبي وأمي.

    ولم يتوقف عطاء سعد رضي الله عنه عند هذا الحدّ، فالرجل كان عنده الكثير والكثير، فقد شهد غزوة الخندق التي تجمَّع فيها المشركون بقضِّهم وقضيضهم وحدِّهم وحديدهم يريدون اجتثاث الإسلام وتقويض أركانه وإزالة معالم دولته الناشئة، عندها خارت بعض العزائم وارتجفت بعض القلوب إلا أن سعداً رضي الله عنه ومعه مجموعة كبيرة من الأل والأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين وقفوا صامدين يقدمون حياتهم فداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدين.

     

    رضى الرحمن سبحانه وتعالى :

     وفي الحديبية بايع سعد تحت شجرة الرضوان واستحق عندها رضى الرحمن بنص القرآن (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (11)

    وفي خيبر كان ممن اقتحم حصنها جنباً إلى جنب مع البطل الغالب علي بن أبي طالب، وفي فتح مكة حمل إحدى رايات المهاجرين إلى أن أيد الله بنصره المبين عباده المخلصين.

    ولم يتوقف عطاء سعد رضي الله عنه عند وفاة النبي ص بل إنه استمر مغزاراً مكثاراً، فجاهد في خلافة الصِّدِّيق والفاروق رضي الله عنهما .

    ولشجاعته رضي الله عنه وخبرته بالحروب كان قائداً لكثير من فتوحات المسلمين، وأبلى فيها بلاءً حسناً، ومن هذه الفتوحات والمعارك التي شارك فيها فتوح العراق.

    ومن أشهر معارك هذا الفتح معركة القادسية، تلك المعركة الشهيرة التي هزم فيها المسلمون الفرس في خلافة الفاروق بقيادة سعد رضي الله عنه.

    فقد استعان الفاروق عمر بسعد ب وقال لمن حوله مخبراً إياهم أنه وجد الرجل الذي يصلح لقيادة المسلمين في هذه المعركة:

    قائد المسلمين في فتح القادسية والمدائن :

    روى الطبري بسنده عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة بإسنادهما قالا: كان سعد بن أبي وقاص على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر فيمن كتب إليه بانتخاب ذوي الرأي والنجدة ممن كان له سلاح أو فرس، فجاءه كتاب سعد إني قد انتخبت لك ألف فارس (مُؤَدٍّ)؟ كلهم له نجدة ورأي وصاحب حيطة يحوط حريم قومه ويمنع ذمارهم ، إليهم انتهت أحسابهم ورأيهم فشأنك بهم، ووافق كتابه مشورتهم، فقالوا: قد وجدته قال: فمَن؟ قالوا: الأسد عادياً، قال: مَن؟ قالوا: سعد، فانتهى إلى قولهم، فأرسل إليه، فقدِم عليه فأمَّره على حرب العراق وأوصاه(12).

    وأدار سعد معركة القادسية وأجاد في قيادتها رغم أنه كان مريضا فقد أصيب بعرق النسا وكان لا يستطيع ركوب الخيل، إلا أن الله وفقه وكان النصر حليف المسلمين(13).

     

    موقعة المدائن :

    وفتح سعد المدائن وكانت هذه الموقعة «المدائن», بعد موقعة القادسية بقرابة عامين, جرت خلالهما مناوشات مستمرة بين الفرس والمسلمين, وقد استطاع سعد هزيمة الفرس هزيمة ساحقة حين قاد الجيش وقسمه إلى كتيبتين، الأولى: واسمها كتيبة الأهوال، وأمَّر سعد عليها عاصم بن عمرو التميمي، والثانية: اسمها الكتيبة الخرساء، وأمَّر عليها القعقاع بن عمرو التميمي، وعبر بهما نهر دجلة الذي كان مترعاً بالماء، وعامت بهم الخيول إلى أن وصلوا إلى الناحية الأخرى من الشاطىء والتحموا مع الفرس في معركة عجيبةٍ وقويةٍ كان النصر فيها حليف المسلمين(14).

     

    فرضي الله عنك يا خال رسول الله وألحقنا بك في جنته ودار كرامته إنه ولي ذلك ومولاه والقادر عليه.

     

    الهوامش :

([1]) تاريخ دمشق: 20/322.

(2) انظر: تهذيب التهذيب، ابن حجر، ج 3 / 419. - تهذيب الكمال: 10 /310.

(3) البداية والنهاية: 8/78، 79.

(4) تاريخ دمشق: 20/290.

(5) رواه الترمذي: كتاب الأدب، باب ما جاء في فداك أبي وأمي، ح(2829)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والحديث رواه البخاري: ح(3519) ومسلم: ح(2412) بدون زيادة: الغلام الحزور.

(6) معجم مقاييس اللغة: 2/55.

(7) رواه البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب سعد بن أبي وقاص، ح(3522). ورواه مسلم: كتاب الزهد والرقاق، ح(7623).

(8) البداية والنهاية: 8/79.

(9) سنن أبي داود: باب في الشركة على غير رأس مال، ح(3390)  والنسائي في سننه: كتاب البيوت، باب شركة الأبدان، ح(3937) وضعَّفه الألباني.

(10) سير أعلام النبلاء:1/100.       

(11) سورة الفتح الآية «18».

(12) تاريخ الطبري: 3/4.

(13) راجع: الكامل في التاريخ:  2/451 وما بعدها.

(14) تاريخ الطبري: 3/121،122.