ضوابط التعامل مع النصوص المتعلقة بالصحابة وآل البيت

إن الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وعن أصحابه وآل بيته قد تعرضت للدس والكذب وقد اعتنى علماء الأمة الإسلامية بالتحذير من ذلك، ووضعوا منهجاً فريداً لم تعرفه البشرية من قبل لحماية الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بالدرجة الأولى .

ثم أصبح منهجاً في قبول أي رواية لها تأثيرها على عقيدة الأمة أو تاريخها وخاصة ما يتعلق بالصحابة وآل البيت، وقد حفظ الله عز وجل بهذا المنهج السنة النبوية رغم ما تعرضت له من الدس؛ وذلك بفضل جهود علماء الأمة والتي ظهرت في زمن مبكر من عهد الصحابة رضي الله عنهم ولم ينتهِ القرنُ الثالث الهجري إلا وقد نضج هذا العلم وألفت عليه كتب السنة وكتب التفاسير  والتواريخ المسندة.

فقد دونت تلك الكتب المسندة وفي مقدمتها كتب السنة.

وألفت بجوارها كتب تراجم الرواة التي تعرِّف باسم الراوي ودرجته في العدالة والحفظ.

كما وُضعت المصطلحات التي يعرف بها درجة الحكم على الحديث وهي: صحيح وضعيف وموضوع.

هذا المنهج يجب أن تخضع له جميع الروايات المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وإلى أصحابه وآل بيته  إذ الذي يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ليس غريباً أن يكذب على غيره.

هذه الجهود المباركة لعلماء الأمة قد أصبحت ميزاناً يوزن به كل رواية تتعلق بالدين مرفوعة أو غير مرفوعة .

ولذلك فإننا في هذا المبحث سنعتمد هذا المنهج الذي يحفظ الأمة ويرفع أو يقلل الخلاف فيما بينها ونحن نعتمده لنا وعلينا.

تنقسم هذه الضوابط التي ينبغي على كل من يريد الوصول إلى الحقيقة في النصوص المنسوبة

 إلى الصحابة وآل البيت أن يعتمدها إلى قسمين:

القسم الأول: قسم متعلق بالسند:

من أهم الأسس التي يجب أن يراعيها الباحث عن الحقيقة هو سند الرواية وفيما يلي جملة من الضوابط التي يجب مراعاتها عند دراسة تراث الصحابة وآل البيت .

أولاً: لا يقبل من الأقوال والأعمال المنسوبة إلى الصحابة وآل البيت إلا ما كان مسنداً  يرويه العلماء طبقة عن طبقة حتى ينتهي إلى الكتاب المصنف، فهذه الرواية ننظر فيها على ضوء قواعد الجرح والتعديل فإن أجازت الروايةَ قبلناها سنداً وحكمنا بصحة سندها وإن لم تُجِزْها تلك القواعد رددناها ولم نقبلها.

ثانياً: لا يقبل من المصادر المسندة إلا تلك المصادر التي كتبت في القرون المفضلة إلى نهاية القرن الثالث الهجري وقد يقبل منها ما كتب في القرن الرابع والخامس الهجري بحذر وأما ما ورد بعد ذلك فهذا فيه خطورة وذلك أن الرواية التي تتجاوز القرون الثلاثة دون تدوين فهي غير محفوظة .

ولكن إذا وردت رواية لا تنقض ما وجد قبلها وإنما تقويها وتشهد لها فلا حرج من قبولها.

والمراد من قبولها أي قبولها لاستكمال دراستها على ضوء بقية الضوابط وليس اعتمادها.

 

ومن أهم المصادر التي يمكن من خلالها الوقوف على الروايات المنسوبة إلى الصحابة وآل البيت ما يلي:

1- كتب السنة والآثار المسندة إلى نهاية القرن الثالث الهجري.

2- كتب السير المسندة وفي مقدمتها طبقات ابن سعد.

3- تاريخ الطبري ( بحذر شديد).

4- تاريخ المدينة لابن شبَّة.

ومن كتب القرنين الرابع والخامس: كتاب تاريخ بغداد وكتاب تاريخ دمشق.

ثالثاً:الحذر من كتب التواريخ غير المسندة.

رابعاً: الحذر من الإخباريين الكذابين  الذين كثرت الرواية عنهم .

خامساً: الحذر من كتب المثالب.

سادساً: الحذر من كتب الأدب واللغة والقصص التي ضمنها مؤلفوها كثيراً من الأقوال عن الصحابة وآل البيت غيرهم ولم يتلقوها عن الرواة الموثوقين وإنما تلقوها من تلك الكتب الموضوعة في المثالب أو مما تداولتها الألسن من غير أن يعرف لها مصدر مسند ولا تخلو هذه الروايات من الكذب ولهذا فينبغي على العلماء الحذر من الاستدلال بمثل هذه المصنفات أو الوثوق بها.

 

القسم الثاني: ضوابط فهم الرواية عن الصحابة:

أ) الصحابة.

وعندما نطلق هنا اسم:" الصحابة " فإنه يدخل فيه كل من أسلم من: "آل البيت " في زمن البعثة النبوية إذ يشملهم اسم الصحبة.

 والضوابط هي:

أولاً: استحضار المعاناة التي عاناها الصحابة رضي الله عنهم في بداية الإسلام.

حيث واجهوا الأذى من قومهم بالضرب والاستهزاء والإبعاد ومع ذلك فقد كانوا صابرين محتسبين وما كان لهم أن يثبتوا لولا قوة إيمانهم وحبهم لدينهم.

ثانياً: استحضار أن هذه الكوكبة المؤمنة قد تربت في مدرسة النبوة وهي أعظم مدرسة في التاريخ البشري.

ثالثاً: استحضار مدح الله عز وجل لهم وثنائه عليهم:

رابعاً:استحضار مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم  للصحابة وثنائه عليهم.

خامساً: استحضار جهادهم لنصرة الدين في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وبعد مماته.

فقد حملوا سيوفهم على عواتقهم وواجهوا جميع قبائل العرب في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  حتى نصرهم الله عز وجل.

سادساً: استحضار حفظهم لكتاب الله وجمعهم له في مصحف واحد مما حفظ الله عز وجل به كتابه

سابعاً: استحضار حفظهم لسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  وروايتهم لها وتعليم الناس إياها حتى دونت في عشرات الموسوعات وما كان ذلك ليتم لولا أنهم رضي الله عنهم حفظوها وعلموها لمن بعدهم.

ثامناً: عدم اعتقاد عصمتهم:

وليست هذه التزكية والرفعة بمخرجتهم عن بشريتهم فهم بشر يصيبون ويخطئون وقد يقع منهم الذنب إلا أنهم لايصرون عليه .

 

ب )آل البيت وهم على درجتين:

أهل الدرجة الأولى هم الذين شاركوا الصحابة في الفضل والجهاد ثم زادوا عليهم بانتسابهم إلى بيت النبوة و هم زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وآل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس رضي الله عنه .فهؤلاء حكمهم حكم الصحابة كما تقدم إذ إنهم عاشوا في زمنهم ويشملهم من الفضل والثناء ما شمل إخوانهم من الصحابة إضافة إلى شرف الا نتساب ولكن التعامل مع ما ورد عنهم لا يخرج عما نتعامل به مع إخوانهم الصحابة الآخرين.

 

وأما أهل الدرجة الثانية:

فهم من بعد هؤلاء من ذرياتهم  دون تمييز بين أحد منهم.

فهؤلاء نطبق في حقهم كذلك الضوابط الأولى في الأسانيد ونحمل ما ورد عنهم على ما يليق بهم من الفضل وشرف النسب ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً ، وندرأ عنهم كل باطل نسب إليهم ولا ندعي عصمتهم ولا أعلميتهم.

وأخيراً:

هذه هي أهم الضوابط التي ينبغي أن نتعامل بها مع الروايات المنسوبة إلى الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم لو طبقناها لحمينا الأمة من الاختلاف أو قللنا مساحة الخلاف.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.



أثر الآل والأصحاب في نشـــر الإسلام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه الكرام البررة الأطهار، وبعد ،،

    فإن العلاقة بين الآل والأصحاب الكرام قد سارت على تعاون ووئام, وأثمرت في الدعوة إلى الله ونشر الإسلام, فكانوا في كل المواطن والمواقف متحدين, يدفعهم هدف واحد هو ابتغاء رضوان الله, والإخلاص له, وطلب جنته بطاعته عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم, وكانوا كيانا ويدا واحدة, جمعتهم العقيدة الواحدة, والمحبة الصادقة في ظلال النبوة, وتحت قيادته صلى الله عليه وسلم, يتلقون منه الوحي ويتربون على عينه وبإشرافه, ومن كان قريب النسب منه صلى الله عليه وسلم فإن له تقديرا واحتراما, بسبب الإسلام أولا ثم بسبب صلة القرابة, وهم صحابة لهم فضل الصحبة, ومكانتهم وعلو مراتبهم من حيث السبق إلى الإسلام, وبذل الوسع في الدعوة والجهاد, ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم.

 والصحابة من غير القرابة يدخلون في معنى الآل من وجه, فصار الكل آلا وأصحابا, تجمعهم رسالة الإسلام, ومحبة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم, والتشرف بلقائه والتلقي منه مباشرة, هكذا كان حالهم, والوقائع التاريخية الثابتة تؤكد هذا التلاحم والتراحم.

 لقد قام الآل والأصحاب بنشر دعوة الإسلام والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته ليس بينهم غير المودة والمحبة والحرص على نشر الخير والدعوة إلى الإسلام.

معنى الآل والمقصود به:

قال في لسان العرب: والآل: آل النبي صلى الله عليه وسلم, قال أبو العباس أحمد بن يحيى: اختلف الناس في الآل. فقالت طائفة : آل النبي؛ من اتبعه قرابة كانت أو غير قرابة. وقال آخرون : آله ذوو قرابته متبعاً أو غير متبع.

وروي عن غير أبي العباس أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. من آل محمد؟ فقال قائل: آله أهله وأزواجه. وقال قائل: آل محمد أهل دين محمد. وذهب آخرون: إلى أن آل محمد قرابته التي ينفرد بها دون غيرها (1).

وقال ابن الأثير: اختلف في معنى آل النبي صلى الله عليه وسلم, و الأكثر على أنهم أهل بيته. وقيل: آله أصحابه ومن آمن به .

قال: وهو في اللغة يقع على الجميع (2).

وقد جاء في الحديث: "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" (3) .

قال الشافعي: فدل الحديث على أن آل محمد هم قرابته الذين حرمت عليهم الصدقة وعوضوا الخمس من المغنم؛ وهم صليبة بني هاشم, وبني المطلب, من أولاد عبد مناف (4).

قلت: وهذا تخصيص شرعي لمن لا تحل لهم الصدقة من الآل, وإلا فإن معنى الآل أوسع, حيث يدخل فيه أزواجه وبقيه قرابته من أولاد عبد مناف؛ عبد شمس بن عبد مناف, ونوفل بن عبد مناف (5), بل يدخل في معنى الآل أتباعه وأهل دينه وملته.

معنى الأصحاب والمقصود به:

قال في اللسان: صَحِبه يصحَبُه صُحْبةً, بالضم , وصحابَة بالفتح . وصاحبه عاشره , والأصحاب جماعة الصحب (6).

وعند المحدثين: يطلق وصف الصحابة على من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك (7). وفضل صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لا يوازيه فضل عمل آخر من غيرهم مهما بلغ, وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء, وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (8).

والآل الذين لقوه صلى الله عليه وسلم مؤمنين به هم أصحاب, فلهم شرف الصحبة ومنزلتها مع شرف قرابة النسب, فالصحبة أعلى من هذا الوجه. ومن لم يدركه من قرابته المؤمنين يكون من التابعين وأتباع التابعين؛ ومنزلته أقل من منزلة الصحابة رضي الله عنهم سواء من القرابة أو غيرهم. وبهذا يتضح أن الوصف المشترك هو الإيمان والصحبة وهو معقد المدح والثناء.

يقول ابن تيمية: أقاربه صلى الله عليه وسلم فيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر, فإن كان فاضل منهم كعلي رضي الله عنه وجعفر الحسن والحسين رضي الله عنهم ففضلهم بما فيهم من الإيمان والتقوى, فهم أولياؤه بهذا الاعتبار لا بمجرد النسب (9).

فإذا تحدد معنى الآل والأصحاب وأن بينهما عموم وخصوص من وجه، عُلِم أن جميع من جاء بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم من المسلمين له نصيب من اسم الآل إما بقرابة نسب من الرسول صلى الله عليه وسلم, وإما بقرابة الدين والاتباع, وهذا يشمل الأمة كلها.

وجهود الأمة في نشر الإسلام وخاصة الصدر الأول منها كبيرة ومتنوعة, شملت ميادين متعددة؛ ميدان الدعوة المباشر, وميدان التعليم والتربية, وميدان الجهاد, والميدان العملي بالأسوة والسلوك في كل أنشطة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية ... الخ

السابقون إلى الإسلام:

ومن علم سيره النبي صلى الله عليه وسلم ومبدأ أمره ودعوته وجد أن أول من صَدّق بنبوته صلى الله عليه وسلم زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها, عندما نزل عليه جبريل بقوله تعالى:  (اقرأ باسم ربك الذي خلق, خلق الإنسان من علق, إقرأ وربك الأكرم, الذي علم بالقلم, علم الإنسان ما لم يعلم) (10).

فلما نزل قوله تعالى : (يا أيها المدثر , قم فأنذر , وربك فكبر , وثيابك فطهر , والرجز فاهجر, ولا تمنن تستكثر, ولربك فاصبر) (11)، قام صلى الله عليه وسلم بالدعوة والبلاغ تنفيذاً لأمر الله له, وأول من استجاب له أبو بكر الصديق رضي الله عنه, كما استجاب له من كان في بيته وتحت رعايته؛ علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وكان شاباً لم يجاوز العاشرة من عمره, ومولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه.

وكان الصديق رضي الله عنه قد قارب الأربعين سنة من عمره, وله مكانة عند قومه لطيب معشره وعذوبة منطقه, وعلمه بأنسابهم وأشعارهم, وكان ذا همّة عالية ونفس صادقة, فشمر رضي الله عنه عن ساعد الجد, وأخذ يدعو إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم, فاستجاب له عدد من كبار قريش مثل؛ عثمان بن عفان, وطلحة بن عبيد الله, والزبير بن العوام, وعبد الرحمن بن عوف, وسعد بن أبي وقاص, رضي الله عنهم جميعاً(12). وهؤلاء كلهم من العشرة المبشرين بالجنة.

وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة أسماء المسلمين الأوائل الذين دخلوا في الإسلام زمن الدعوة السرية حيث بلغوا ثلاثا وخمسين نفساً(13) رجالاً وشباباً ونساءً وموالي موزعين على عشائر قريش.

ومن هؤلاء السابقين, من الآل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه, وقد هاجر هو وزوجه أسماء بنت عميس رضي الله عنها إلى الحبشة في الهجرة الثانية, وكان أمير المسلمين في الحبشة والمتحدث باسمهم، وخطبته بين يدي النجاشي مشهورة؛ أبان فيها محاسن الإسلام الذي قبلوه, ومساوئ الجاهلية التي تركوها .

وفي السنة السادسة من البعثة قذف الله الحق في قلب رجلين عظيمين لهما غناء في الإسلام هما: عمر بن الخطاب العدوي, وحمزة بن عبد المطلب الهاشمي رضي الله عنهما, فاعتز الإسلام في مكة بإسلامهم وقوي المسلمون بذلك, فخرجوا من دار الأرقم في صفين حتى دخلوا المسجد الحرام وصَلّوا عند الكعبة علانية فهابهم المشركون وانكسرت شوكتهم .

جهود الآل والأصحاب في تعليم الناس الدين والإسلام:

 وممن كان لهم أثر في الدعوة إلى الإسلام مصعب بن عمير العبدري رضي الله عنه, فقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة عندما أسلم طائفة من أهلها وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فنشر الإسلام هناك وكان يعاونه عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه, وترتب على جهدهم في الدعوة في المدينة بيعة العقبة الكبرى في موسم الحج سنة 13 من البعثة, وكانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المسلمين من أهل المدينة, وهي بيعة النصرة والحماية والإيواء, وقد انطلقت بعدها جحافل المهاجرين إلى المدينة, ثم تبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول بعد إذن الله له وكان الصديق رضي الله عنه رفيقه في الغار وفي طريق الهجرة, قال تعالى : (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) (14)وصاحبه هو الصديق بالاتفاق (15).

وبعد استقراره صلى الله عليه وسلم في المدينة وترتيب أوضاعها من بناء المسجد النبوي, والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار, والمعاهدة مع اليهود والمشركين من سكان المدينة, أخذ صلى الله عليه وسلم يستعد للجهاد ونشر الإسلام خارج المدينة, فأسرى السرايا ذات المهمات المتعددة؛ بين الدعوة والتعليم, والجهاد, والتدريب, وجمع المعلومات, والتي بلغت خلال عشر سنوات أكثر من سبعين سرية وبعثاً, كما قاد صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة ثلاثين غزوة في سبيل الله (16), تحقق من خلالها عقد المحالفات مع القبائل المحيطة بالمدينة, ونشر الإسلام بينهم, وقمع المعتدين, وحصار تجارة قريش التي أخرجتهم من ديارهم واستولت على أموالهم  وممتلكاتهم.

ومن أعظم نتائج الغزوات والسرايا نشر الإسلام وتحقق الأمن والعدل الذي كان مفقوداً, ولم يقع القتال إلا في غزوات وسرايا محدودة, ولم يبلغ عدد القتلى في كل غزواته من المسلمين والمشركين ألف نفس. مما يعطي مؤشراً واضحاً لهدف الجهاد في سبيل الله, وقد دخل الناس في دين الله أفواجا خاصة في زمن صلح الحديبية الذي سمّاه الله فتحا مبينا, وبعد فتح مكة وتحطيم الأصنام في السنة الثامنة من الهجرة.

جهودهم في الفتوحات الإسلامية:

كان أجل أعمال الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو مواجهة حركة الردة وإعادة المرتدين إلى الإسلام في وقت وجيز مما مهد للفتوحات الكبرى في المشرق وفي الشام ومصر وفي المغرب, ولم تكن الفتوحات الإسلامية مجرد غلبة على الأرض وفرض للسلطان, بل كانت فتحاً للقلوب والصدور التي انشرحت لقبول الإسلام دين الحق الموافق للفطرة.

فكانت الفتوح الإسلامية ذات طبيعة مستقرة, وكان الدعاة والمعلمون يقومون بدورهم في الدعوة والتعليم, والفاتحون يمثلون بأخلاقهم وتعاملهم دين الحق ويقيمون العدل مما جعل لهم قبولاً لدى الشعوب المفتوحة.

 وكان من ترتيبات الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته تمصير الأمصار, وبعث القراء والفقهاء من الصحابة والتابعين للإقامة في الأمصار المفتوحة يعلمون العلم ويُقرئون القرآن فكانت الأمصار الجديدة مراكز علمية ومنارات يشع منها نور العلم بتعليم القرآن والسنة, إضافة إلى ما تقوم به المدينتان المقدستان مكة والمدينة مهبط الوحي ومنار العلم والشريعة.

وكان الخلفاء وعلماء الصحابة متيقظين لملاحظة أي ظاهرة جديدة، وحريصين على استمرار المنهج النبوي ونقله إلى البلدان الجديدة كما هو, مما سد باب البدع والاجتهادات الخاطئة.

ولهم في ذلك مواقف معلومة كحرصهم على كتابة القرآن الكريم وجمعه، ومعاقبة من يثير الإشكالات التي لا فائدة منها والأمثلة كثيرة ولا مجال لحصرها. 

 

 

 

 

الهوامش :

([1]) لسان العرب ؛ مادة : أول , 11/28.

(2) النهاية في غريب الحديث والأثر 1/81.

(3) صحيح البخاري حديث 1485.

(4) النهاية في غريب الحديث والأثر 1/81

(5) انظر السيرة النبوية لابن هشام 1/61

(6) ابن منظور 1/519

(7) ابن حجر : الإصابة في تمييز الصحابة 1/16

(8) متفق عليه

(9) منهاج السنة النبوية 4/21

(10) سورة العلق: الآيات 1 – 5.

(11) المدثر: الآيات 1 – 7.

(12) ابن هشام , السيرة النبوية , 1/133.

(13) المصدر نفسه 1/130 – 136.

(14) سورة التوبة , آية 40

(15) صحيح البخاري ح 3922 , 4663 باب قوله : ثاني اثنين إذ هما في الغار

(16) انظر عن السرايا والغزوات ملحق البحث

 



جديد إصدارات المبرة

 ( معجم الصحابة  )

03182.jpg

تآليف : الإمام أبي القاسم عبدالله بن محمد بن العزيز البغوي

المجلد من القطع الكبير – 4 أجزاء - ( 2312 صفحة )

 

لا تزال مبرة الآل والأصحاب تواصل عهدها مع جمهور قرائها ، و عموم المسلمين المحبين للآل والأصحاب ، لنشر ثقافة ومفاهيم محبة الآل والأصحاب ، وترسيخ الوعي اللازم تجاه قضاياهم الرئيسة .

وفي ذلك السياق قامت المبرة بتقديم موادها العلمية البحثية في إطار سلاسل منتظمة تمثل تلك الأفكار والأهداف ، سواء عن سير أعلام آل البيت والصحابة ، أو ما يعنى بتبيين العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب ، أو ما يختص بالتوعية الإسلامية ودرء الشبهات وتشييد منهج معتدل للدرس الديني والتاريخي على حد السواء ، أو ما يتعلق بالأنساب الشريفة ، وكذلك ما يتناول المعالجة المناسبة لأطفالنا الصغار للإفادة من معين الآل والأصحاب .

ومن أجلِّ تلك الأهداف التي عملت المبرة على تحقيقها : نشر تراث الآل والأصحاب ، لذلك أقدمت المبرة على تقديم سلسلة الآل والأصحاب في المخطوط العربي ، تلك السلسلة التي تعنى بنفائس ذخائرنا العربية المخطوطة المتعلقة بالآل والأصحاب ، بحيث تقدمها للقارئ في ثوب قشيب ، وتحقيق علمي رصين .

إن الكتاب الذي تقدمه المبرة اليوم لجمهورها خصوصا ، وللمسلمين عموما ، لهو كتاب كبير ، وسفر جليل ، لعلم من أعلام أهل العلم السابقين ، إنه " معجم الصحابة " للإمام البغوي رحمه الله .

ولا يخفى قارئنا الكريم أن عملاً بهذا الحجم يفوق بأضعاف كثيرة أكبر إصداراتنا المعتادة ، ولكن أهمية ذلك الكتاب و نفاسته حضت المبرة على تجشم تكلفة إخراج هذا الكتاب ، تشرفا بخدمة آل البيت والصحابة ، وتسهيلا على الباحثين والمهتمين بتراث الآل والأصحاب .

نسأل الله عز وجل أن ييسر لنا ذلك العمل فيخرج على الصورة التي نرجو ، وأن ينفع بما فيه ، و يكتب لنا أجره .

والله ولي التوفيق .

مبرة الآل والأصحاب .