فوائد ودروس وعبر من هجرة سيد البشر

سالم أحمد الشاطبي

 

1- الصراع بين الحق والباطل صراع قديم وممتد: الصراع سنة إلهية نافذة، قال عز وجل: «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ»[الحج:40]. ولكن هذا الصراع معلوم العاقبة: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» [المجادلة:21].

 

2- الإيمان بالمعجزات الحسية: وفي هجرة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وقعت معجزات حسية، وهي دلائل ملموسة على حفظ الله ورعايته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك -على ما روي- نسيج العنكبوت على فم الغار. ومنها ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع أم معبد، وما جرى له مع سراقة، ووعده إياه بأن يلبس سواري كسرى.

 

3- دور المرأة في الهجرة: وقد لمعت في سماء الهجرة أسماءٌ كثيرة كان لها فضل كبير ونصيب وافر من الجهاد: منها عائشة بنت أبي بكر الصديق التي حفظت لنا القصة ووعتها وبلغتها للأمة، وأم سلمة المهاجرة الصبورة. وأسماء ذات النطاقين التي ساهمت في تموين الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار بالماء والغذاء، وكيف تحملت الأذى في سبيل الله، فقد حدثتنا عن ذلك فقالت: «لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده -وكان فاحشاً خبيثاً- فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا». فهذا درس من أسماء رضي الله عنها تُعلِّمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل كيف تخفي أسرار المسلمين من الأعداء، وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم؟ لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلاً هن في أمس الحاجة إلى الاقتداء به، والنسج على منواله. وظلت أسماء مع إخوتها في مكة، لا تشكو ضيقاً، ولا تظهر حاجة، حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وأم بركة المكناة بأم أيمن، وخرج معهما عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، فيهم عائشة وأسماء، فقدموا المدينة، فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان.

 

4- أد الأمانة إلى من ائتمنك: كانت أمانات المشركين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي إيداع المشركين ودائعهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع محاربتهم له وتصميمهم على قتله دليل باهر على تناقضهم العجيب الذي كانوا واقعين فيه، ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه ويزعمون أنه ساحر أو مجنون أو كذاب لم يكونوا يجدون فيمن حولهم من هو خير منه أمانة وصدقاً، فكانوا لا يضعون حوائجهم ولا أموالهم التي يخافون عليها إلا عنده! وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم في صدقه، وإنما بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق الذي جاء به، وخوفاً على زعامتهم وطغيانهم، وصدق الله إذ يقول: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ»[الأنعام:33]. وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه بالنوم في فراشه والبقاء في مكة لتأدية هذه الأمانات لأصحابها في مكة، رغم هذه الظروف الشديدة التي كان من المفروض أن يكتنفها الاضطراب، بحيث لا يتجه التفكير إلا إلى إنجاح خطة هجرته فقط، رغم ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان لينسى أو ينشغل عن رد الأمانات إلى أهلها، حتى ولو كان في أصعب الظروف التي تنسي الإنسان نفسه فضلاً عن غيره.

 

5- حسن القيادة والرفق في التعامل: يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، كما يظهر حب سائر الصحابة أجمعين في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا الحب الرباني كان نابعاً من القلب، وبإخلاص، لم يكن حب نفاق أو نابعاً من مصلحة دنيوية، أو رغبة في منفعة، أو رهبة لمكروه قد يقع. ومن أسباب هذا الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صفاته القيادية الرشيدة، فهو يسهر ليناموا، ويتعب ليستريحوا، ويجوع ليشبعوا، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، فمن سلك سنن الرسول صلى الله عليه وسلم مع صحابته في حياته الخاصة والعامة، وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم، وكان عمله لوجه الله؛ أصابه من هذا الحب إن كان من الزعماء أو القادة أو المسئولين في أمة الإسلام. وصدق الشاعر حين قال:                  فإذا أحب الله باطن عبده    ظهرت عليه مواهب الفتاح                 وإذا صفت لله نية مصلح     مال العباد عليه بالأرواح إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كل شيء، وتستطيع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود، وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود، فقد كان صلى الله عليه وسلم رحيماً وشفوقاً بجنوده وأتباعه، فهو لم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يبق إلا المستضعفين والمفتونين ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة.

 

6- استمرار الدعوة في أحلك الظروف: في الطريق أسلم بريدة الأسلمي رضي الله عنه في ركب من قومه: إن المسلم الذي تغلغلت الدعوة في شغاف قلبه لا يفتر لحظة واحدة عن دعوة الناس إلى دين الله تعالى، مهما كانت الظروف قاسية والأحوال مضطربة، بل ينتهز كل فرصة مناسبة لتبليغ دعوة الله تعالى، هذا نبي الله تعالى يوسف عليه السلام حينما زج به في السجن ظلماً، واجتمع بالسجناء في السجن، فلم يندب حظه، ولم تشغله هذه الحياة المظلمة عن دعوة التوحيد وتبليغها للناس، ومحاربة الشرك وعبادة غير الله والخضوع لأي مخلوق، قال تعالى: «قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ»[يوسف:37]، «وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ»[يوسف:38]، «يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ»[يوسف:39]، «مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ»[يوسف:40]. وسورة يوسف عليه السلام مكية، وقد أمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء والمرسلين في دعوته إلى الله، ولذلك نجده صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة وقد كان مطارداً من المشركين: قد أهدروا دمه، وأغروا المجرمين منهم بالأموال الوفيرة؛ ليأتوا برأسه حياً أو ميتاً، ومع هذا فلم ينس مهمته ورسالته، فقد لقي صلى الله عليه وسلم في طريقه رجلاً يقال له: بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه في ركب من قومه، فدعاهم إلى الإسلام فآمنوا وأسلموا. ذكر ابن حجر العسقلاني رحمه الله: «أن النبي صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته إلى المدينة لقي بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، فدعاه إلى الإسلام، وقد غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة وأصبح بريدة بعد ذلك من الدعاة إلى الإسلام، وفتح الله لقوم أسلم أبواب الهداية على يديه، واندفعوا إلى الإسلام وفازوا بالوسام النبوي الذي نتعلم منه منهجاً فريداً في فقه النفوس، قال صلى الله عليه وسلم: أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما والله ما أنا قلته ولكن الله قاله».

 

7- أهمية العقيدة والدين إن لعقيدة الإسلام الصحيحة الصافية أهمية كبرى في إزالة العداوات والضغائن، وفي التأليف بين القلوب والأرواح، وهو دور لا يمكن لغير العقيدة الصحيحة أن تقوم به، وها قد رأينا كيف جمعت العقيدة الإسلامية بين الأوس والخزرج، وأزالت آثار معارك استمرت عقوداً من الزمن، وأغلقت ملف العقيدة في نفوس الأنصار، فاستقبلوا المهاجرين بصدور مفتوحة، وتآخوا معهم في مثالية نادرة، لا تزال مثار الدهشة ومضرب المثل، ولا توجد في الدنيا فكرة أو شعار آخر فعل مثلما فعلت عقيدة الإسلام الصافية في النفوس. ومن هنا ندرك السر في سعي الأعداء الدائب إلى إضعاف هذه العقيدة، وتقليل تأثيرها على نفوس المسلمين، واندفاعهم المستمر نحو تزكية النعرات العصبية والوطنية والقومية وغيرها، وتقديمها كبديل للعقيدة الصحيحة.

 

8- وضوح سنة التدرج: حيث نلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تقابل مع طلائع الأنصار الأولى لم يفعل سوى ترغيبهم في الإسلام وتلاوة القرآن عليهم، فلما جاءوا في العام التالي بايعهم بيعة النساء على العبادات والأخلاق والفضائل، فلما جاءوا في العام التالي كانت بيعة العقبة الثانية على الجهاد والنصر والإيواء. وجدير بالملاحظة أن بيعة الحرب لم تتم إلا بعد عامين كاملين، أي: بعد تأهيل وإعداد استمر عامين كاملين، وهكذا تم الأمر على تدرج ينسجم مع المنهج التربوي الذي نهجت عليه الدعوة من أول يوم. إنه المنهج الذي هدى الله نبيه إلى التزامه، ففي البيعة الأولى بايعه هؤلاء الأنصار الجدد على الإسلام عقيدة ومنهاجاً وتربية، وفي البيعة الثانية بايعه الأنصار على حماية الدعوة، واحتضان المجتمع الإسلامي الذي نضجت ثماره، واشتدت قواعده قوة وصلابة. إن هاتين البيعتين أمران متكاملان ضمن المنهج التربوي للدعوة الإسلامية، وإن الأمر الأول هو المضمون، والأمر الثاني -وهو بيعة الحرب- هو السياج الذي يحمي ذلك المضمون. نعم؛ كانت بيعة الحرب بعد عامين من إعلان القوم الإسلام وليس فور إعلانهم.. بعد عامين إذ تم إعدادهم حتى غدوا موقع ثقة وأهلاً لهذه البيعة، ويلاحظ أن بيعة الحرب لم يسبق أن تمت قبل اليوم مع أي مسلم، إنما حصلت عندما وجدت الدعوة في هؤلاء الأنصار، وفي الأرض التي يقيمون فيها المعقل الملائم الذي ينطلق منه المحاربون؛ لأن مكة -لوضعها عندئذ- لم تكن تصلح للحرب. وقد اقتضت رحمة الله بعباده (أن لا يحمِّلهم واجب القتال، إلى أن توجد لهم دار الإسلام، تكون لهم بمثابة معقل يأوون إليه، ويلوذون به، وقد كانت المدينة المنورة أول دار الإسلام. لقد كانت البيعة الأولى قائمة على الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والبيعة الثانية على الهجرة والجهاد، وبهذه العناصر الثلاثة: الإيمان بالله، والهجرة، والجهاد، يتحقق وجود الإسلام في واقع جماعي ممكن، والهجرة لم تكن لتتم لولا وجود الفئة المستعدة للإيواء؛ ولهذا قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»[الأنفال:72].. «وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»[الأنفال:75]. وقد كانت بيعة الحرب هي التمهيد الأخير لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وبذلك وجد الإسلام موطنه الذي ينطلق منه دعاة الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وتنطلق منه جحافل الحق المجاهدة أول مرة، وقامت الدولة الإسلامية المحكمة لشرع الله.

 

9- هكذا يكون الأتباع: قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: «ولما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له: يا نبي الله -بأبي أنت وأمي- إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل، فقال: يا أبا أيوب! إن الأرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في أسفل البيت، قال: فلقد انكسر جب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء؛ تخوفاً أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء يؤذيه».

 

10- الهجرة النبوية نقطة تحول في تاريخ الحياة: كانت الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في مكة المشرفة إلى المدينة المنورة أعظم حدث حول مجرى التاريخ، وغيَّر مسير الحياة ومناهجها التي كانت تحياها، وتعيش محكومة بها في صورة قوانين ونظم وأعراف وعادات وأخلاق وسلوك للأفراد والجماعات، وعقائد وتعبدات وعلم ومعرفة، وجهالة وسفه وضلال وهدى، وعدل وظلم.

 



كيف تعامل أهل البيت مع مقتل الحسين رضي الله عنه ؟

 

إن الإسلام منهجاً مزيداً في تعامله مع مسألة الحزن فهو لم ينكر فطريتها وتغلغلها في النفس إلا أنه هذبها فأمر بالاقتصاد في الحزن وترك الغلو منه ونهى عن الحزن الذي يصاحبه قنوط وجزع وغلو وسخط وعليه تحمل الأيات الواردة في ذلك ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا﴾( آل عمران /139) وقال أيضاً: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ (النحل 127) في أكثر من موضع من كتاب الله تعالى.

وأخبر عن تفضله على موسى عليه السلام قائلاً: ﴿فرَجَعناك إلى أمك كي تقرَّ عينُها ولا تَحزَن﴾ (طه /40).

وذكر وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه وفيها ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾( التوبة /40).

بل جعل الله تعالى من جزاءه العظيم لعباده المؤمنين أنه ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(البقرة/38).

والحزن المصحوب بقنوط وجزع أو غلو وسخط شيء محبب إلى الشيطان، يُسعده ويجد فيه بُغيته في قطع مسيرة المؤمن وتغيير سلوكه كما قال الله تعالى:﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾(المجادلة/10).

وقد صدق د. عائض القرني حينما قال عن الحزن: (فالحزنُ ليس بمطلوبٍ، ولا مقصودٍ، ولا فيه فائدةٌ، وقدِ استعاذ منه النبيُّ r فقال: (اللهمَّ إني أعوذُ بك من الهمِّ والحزنِ) (البخاري:2893)فهو قرينُ الهمِّ، والفرْقُ، وإنّ كان لما مضى أورثه الحُزْنَ، وكلاهما مضعِفٌ للقلبِ عن السيرِ، مُفتِّرٌ للعزمِ.

والحزنُ تكديرٌ للحياةِ وتنغيصٌ للعيشِ، وهو مصلٌ سامٌّ للروحِ، يورثُها الفتور والنكَّدَ والحيْرَة، ويصيبُها بوجومٍ قاتمٍ متذبِّلٍ أمام الجمالِ، فتهوي عند الحُسْنِ، وتنطفئُ عند مباهج الحياةِ، فتحتسي كأسَ الشؤم والحسرةِ والألمِ).

ولا يعني هذا أنّ المؤمن منزّه عن الحزن، فقد يحزن المؤمن وقد ينتابه الغم وهذا طبيعي كما قال الله تعالى عن أهل الجنة إذا دخلوها : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾ (فاطر/34) فهذا يدلُّ على أنهمْ كان يصيبُهم في الدنيا الحزنُ ، كما يصيبهُم سائرُ المصائبِ التي تجري عليهم بغيرِ اختيارِهم . فإذا حلَّ الحُزْنُ وليس للنفسِ فيه حيلةٌ ، وليس لها في استجلابهِ سبيلٌ فهي مأجورةٌ على ما أصابها ؛ لأنه نوْعٌ من المصائبِ فعلى العبدِ أنْ يدافعه إذا نزل بالأدعيةِ والوسائلِ الحيَّةِ الكفيلةِ بطردِه .

لقد أدرك أهل البيت رضوان الله عليهم هذه الحقيقة مبكراً، ولهذا لم ينساق الإمام علي بن الحسين رضي الله عنهما وراء أهل الكوفة حينما رآهم يبكون على أبيه الإمام الحسين رضي الله عنه بل قال: (هؤلاء يبكون علينا فمن قتلنا غيرهم؟!)1.

وتعزّى هو بنفسه بعزاء الله تعالى مطبقاً وصية أبيه الحسين رضي الله عنه لأخته زينب رضي الله عنها والتي فيها: (يا أخية، إني أقسمت فأبري قسمي ، لا تشقي علي جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت)2.

وكان الإمام جعفر الصادق يقول في قول الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا} (آل عمران/200) أي اصبروا على المصائب ،أو صابروا على المصائب3.

وكان يقول: لولا أن الصبر خلق قبل البلاء لتفطر المؤمن كما تتفطر البيضة على الصفا4.

ومن أقواله: ( إنّ الصبر والبلاء يستبقان إلى المؤمن ، يأتيه البلاء وهو صبور، وإن الجزع والبلاء يستبقان إلى الكافر ، فيأتيه البلاء وهو جزوع)5.

ولهذا روى المجلسي عن الإمام جعفر الصادق أنه أوصى عند احتضاره في النساء أمراً جلياً فقال: "لا يلطمن عليَّ خد، ولا يشقن عليَّ جيب، فما من امرأة تشق جيبها إلا صدع لها في جهنم صدع كلما زادت زيدت"6.

وذلك لما في هذه الأمور من منافاة للصبر على المصيبة ولكونها من أعمال الجاهلية.

وقد سُئل الإمام الباقر: ما الجزع؟ فقال: أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر وجز الشعر من النواصي، ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقه ومن صبر واسترجع وحمد الله عز وجل فقد رضي بما صنع الله ووقع أجره على الله، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم وأحبط الله تعالى أجره7.

وفي هذا يقول تقي الدين ابن تيمية: (وأما مقتل الحسين رضي الله عنه فلا ريب أنه قتل مظلوماً شهيداً كما قتل أشباهه من المظلومين الشهداء، وقتْل الحسين معصية لله ورسوله ممن قتله أو أعان على قتله أو رضى بذلك، وهو مصيبة أصيب بها المسلمون من أهله وغير أهله، وهو في حقه شهادة له ورفع حجة وعلو منزلة فإنه وأخاه سبقت لهما من الله السعادة التي لا تنال إلا بنوع من البلاء، ولم يكن لهما من السوابق ما لأهل بيتهما فإنهما تربيا في حجر الإسلام في عز وأمان فمات هذا مسموماً وهذا مقتولاً لينالا بذلك منازل السعداء وعيش الشهداء

وليس ما وقع من ذلك بأعظم من قتل الأنبياء فإن الله تعالى قد أخبر أن بني إسرائيل كانوا يقتلون النبيين بغير حق وقتل الأنبياء فإن الله تعالى قد أخبر أن بني إسرائيل كانوا يقتلون النبيين بغير حق وقتل النبي أعظم ذنبا ومصيبة وكذلك قتل علي رضي الله عنه أعظم ذنبا ومصيبة وكذلك قتل عثمان رضي الله عنه أعظم ذنبا ومصيبة.

إذا كان كذلك فالواجب عند المصائب الصبر والاسترجاع كما يحبه الله ورسوله، قال الله تعالى {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}(البقرة/155-156).

وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها)8.

إنّ الإمام الحسين رضي الله عنه مع أخيه الإمام الحسن رضي الله عنه سيدا شباب أهل الجنة، وإنّ غمسة واحدة في الجنة كفيلة بأن تُنسي صاحبها كل ألم شعر به في الدنيا كما في الحديث، كما أنّ الشهيد لما يرى ما أعدّ الله تعالى لأمثاله يوم القيامة يتمنى لو أنه رجع للدنيا فقُتل في سبيل الله تعالى مراراً وتكراراً لأجل الفضل المدّخر له في الآخرة، فعلى من نبكي؟ أنبكي موعوداً بالجنان ونحن لا ندري عن أنفسنا أنكون من أهل الجنان أم من أهل النيران؟

حُق علينا أن ندرك أنّ تلك الحادثة الأليمة انتهت وأقبل أصحابها على رب العالمين وهو سبحانه من سيفصل بينهم، وأنّ إثارة النعرات الطائفية البغيضة اليوم وغداً لن يكون إلا أداة يطلبها المستعمر ويتربص بها العدو، فمتى نفيق؟

يقول د. عائض القرني في كتابه (لا تحزن): (القراءةُ في دفتر الماضي ضياعٌ للحاضرِ، وتمزيقٌ للجهدِ ، ونسْفٌ للساعةِ الراهنةِ ، ذكر اللهُ الأمم وما فعلتْ ثم قال: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾(البقرة/134) انتهى الأمرُ وقُضِي، ولا طائل من تشريحِ جثة الزمانِ، وإعادةِ عجلةِ التاريخ.

إن الذي يعودُ للماضي، كالذي يطحنُ الطحين وهو مطحونٌ أصلاً ، وكالذي ينشرُ نشارةُ الخشبِ. وقديماً قالوا لمن يبكي على الماضي: لا تخرج الأموات من قبورهم.

إن بلاءنا أننا نعْجزُ عن حاضِرنا ونشتغلُ بماضينا، نهملُ قصورنا الجميلة، ونندبُ الأطلال البالية، ولئنِ اجتمعتِ الإنسُ والجنُّ على إعادةِ ما مضى لما استطاعوا؛ لأن هذا هو المحالُ بعينه .

إن الناس لا ينظرون إلى الوراءِ ولا يلتفتون إلى الخلفِ؛ لأنَّ الرِّيح تتجهُ إلى الأمامِ والماءُ ينحدرُ إلى الأمامِ ، والقافلةُ تسيرُ إلى الأمامِ ، فلا تخالفْ سُنّة الحياة).

             الهوامش :

1 الاحتجاج للطبرسي 2/29

2 الإرشاد 2/94

3 الكافي 2/91

4 المصدر نفسه

5 الكافي 3/223

6 بحار الأنوار للمجلسي 79/101

7 الكافي 3/223

8 منهاج السنة النبوية 4/550

 



فلنبدأ السنة الهجرية بتوبة وذِكر

 

نقل الإمام ابن رجب الحنبلي في (لطائف المعارف 1/36) عن الإمام ابن المبارك قوله: (من ختم نهاره بذكر كُتب نهاره كله ذكراً) ثم علّق قائلاً: (يشير إلى أنّ الأعمال بالخواتيم فإذا كان البداءة والختام ذكراً فهو أولى أن يكون حكم الذكر شاملاً للجميع ويتعين افتتاح العام بتوبة نصوح تمحو ما سلف من الذنوب السالفة في الأيام الخالية.

وما أصدق من قال :

( قطعت شهور العام لهوا و غفلة ... و لم تحترم فيما أتيت المحرما )

( ًفلا رجباً وافيت فيه بحقه ... و لا صمت شهر الصوم صوماً متمما )

( و لا في ليالي عشر ذي الحجة الذي ... مضى كنت قوّاما و لا كنت مُحرِما )

( فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة ... و تبكي عليها حسرة و تندما )

( و تستقبل العام الجديد بتوبة ... لعلك أن تمحو بها ما تقدما )

 



معاني أسماء الشهور العربية 

د. صلاح الدين أرقه دان 

منذ اعتناقهم الإسلام والصيداويون -كبقية المسلمين- يستخدمون التقويم الهجري (القمري) وأسماء شهوره العربية، كانت عادة بعض الصيداويين أن يسموا الغلام إذا ولد في شهر من أشهر السنة الهجرية باسم ذلك الشهر، فهو محرم إن ولد في المحرم، وربيع إن ولد في أحد الربيعين، وهكذا شعبان ورجب. ولم يعرف أنهم سموا أحداً (صفر)، ولا (جمادى) ولا(ذو القعدة) ولا (ذو الحجة).

ثم انقلب الحال -كمعظم بلدان العالم الإسلامي- بعد الحرب العالمية الأولى والقضاء على الخلافة العثمانية والخضوع للاستعمار الغربي المباشر أو الثقافي، فصرنا نستخدم التقويم الغربي (الشمسي) وأسماء الشهور التي استخدمها العرب قبل الإسلام كتشرين وأيلول، وكدنا ننسى تقويمنا لولا التزامنا بعبادات محددة في أوقات محددة كالصيام في رمضان والحج في ذي الحجة وصيام عاشوراء في المحرم، وحتى هؤلاء الذين يستخدمون هذا التقويم لا يعرفون معاني أسماء الأشهر العربية.

فما هي الأشهر العربية بالترتيب، وما هي معانيها؟

 1)  المحرم: سُمِّيَ بذلك لأن العرب قبل الإسلام حرموا القتال فيه، وقد يقال له (شهر الله الحرام) أو (شهر الله المحرم).

2)  صفر (بفتح الصاد والفاء): سمي بذلك لأن ديار العرب كانت تَصْفَر، أي تخلو من أهلها، لخروجهم فيه ليقتاتوا ويبحثوا عن الطعام ويسافروا هربا من حر الصيف.

3)  ربيع الأول: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الربيع، فلزمه ذلك الاسم.

4)  ربيع الآخِر: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الربيع أيضا فلزمه ذلك الاسم، ولا يقال: ربيع الثاني؛ لأن الثاني يعني وجود ثالث، بينما يوجد ربيعان فقط.

5)  جُمادى الأولى (بضم الجيم): سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الشتاء حيث يتجمد الماء؛ فلزمه ذلك الاسم. وهو اسم مؤنث.

6)  جمادى الآخِرة (بضم الجيم): سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الشتاء أيضًا؛ فلزمه ذلك الاسم. ولا يقال: جمادى الثانية؛ لأن الثانية تعني وجود ثالثة، بينما يوجد جُماديان فقط.

7)  رجب: سمي بذلك لأن مُضَر كانت تعظمه وتحرم القتال فيه، يقال: رجب الشيءَ أي هابه وعظمه.

8)  شعبان: سمي بذلك لأن العرب كانت تتشعب فيه (أي تتفرق)؛ للحرب والإغارات بعد قعودهم في شهر رجب.

9)  رمضان: سمي بذلك اشتقاقا من الرمضاء، حيث كانت الفترة التي سمي فيها شديدة الحر، يقال: رمضت الحجارة، إذا سخنت بلهيب الشمس.

10)  شوال (بتشديد الواو): سُمّي بذلك لأنه تسمى في فترة تشوَّلت فيها ألبان الإبل، أي جف لبنها.

11)  ذو القَعدة (بفتح القاف): سمي بذلك لأن العرب كانت تقعد فيه عن القتال على  اعتباره من الأشهر الحرم.

12)  ذو الحَجة (بفتح الحاء): سمي بذلك لأن العرب عرفت الحج في هذا الشهر.  

 



جديد إصدارات المبرة

كتاب ( ثاني اثنين )

تأملات في دلالة آية الغار على فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه

seyra-002.jpg

 

تأليف : د . طه حامد

الكتاب من القطع المتوسط، ويقع في حوالي مائة صفحة .

وهو الكتاب الخامس عشر من السلسلة الثالثة: قضايا التوعية الإسلامية.

وهو كتاب لطيف في حجمه ومعناه وموضوعه، حيث بدأ الكتاب بمقدمة مختصرة استعرض فيها المعلومات الرئيسة عن شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، من نحو: اسمه ولقبه وكنيته وميلاده ووفاته، وأسماء زوجاته وأبنائه، و نبذة سريعة من مناقبه الشريفة.

ثم دلف المؤلف إلى موضوعه الرئيس، وهو الآيات القرآنية التي نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم استعرض في تحليل رائع تجليات تلك الآيات في حياة أبي بكر الصديق وشخصيته وسلوكه.

ومن أبرز الآيات التي استعرضها «آية الغار»(التوبة/40) ، وأطال في بيان تجلياتها في حياة أبي بكر كلها، فبين معنى صحبته للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وآثار ذلك في حياته، ومعنى معية الله تعالى له وللرسول، وتجليات ذلك في سلوكه ومواقفه، وكذلك قوله تعالى : }ﭣ   ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧﭨ  ﭩ  ﭪالمتقون     {(الزمر:33) ، وقوله تعالى:  } وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {  (الليل: 19)، وتجليات تلك الآيات في شخصية أبي بكر صديق رضي الله عنه وأرضاه.

والمبرة إذ تقدم لقرائها وجمهورها الكريم هذا الكتاب، لتشعر بالفخر والسعادة لتقديمها هذا العمل الذي يسهم - ولو بشكل جزئي- في تبيين الجوانب القرآنية العظيمة في شخص أبي بكر الصديق رضي الله عنه.